جدل اليائسين في تونس

النهضة التي لا تؤمن بالوطن والدولة والحدود بين الدول الإسلامية يزعجها أن تقيم تونس علاقات ايجابية مع محيطها العربي.


ماذا كان سيحدث لو أن قيس سعيد زار إيران بدلا من مصر؟


الزيارة ليست لتسجيل أهداف وهمية بقدر الحرص على إيجابية تونس في محيطها العربي


الاخوان لا يعرضون سوى خرافة الطريق للآخرة فيما تتقاسم إيران وتركيا النفوذ على الأرض

ماذا كان سيحدث لو أن الرئيس التونسي قيس سعيد زار إيران بدلا من مصر؟

سؤال افتراضي ليس إلا. لأن سعيد بكل ما عُرف عنه من تطلعات قومية لن يقوم بزيارة دولة يقودها نظام معاد للعرب.

ولكن الضجة التي اختلقتها حركة النهضة الاسلامية حول زيارة سعيد المصرية تدفعنا إلى طرح ذلك السؤال الذي هو نوع من الاستدراج الضمني لمفهوم الحركة لعلاقة تونس بالعالم الخارجي.

وإذا ما كان النهضويون عبر صراخهم المعارض قد تدخلوا في شأن رئاسي يضمنه الدستور ولا يعنيهم في شيء بل أن القانون لا يسمح لهم بالتدخل فيه فإن الرئيس كان يعرف مسبقا أنه من خلال زيارته تلك سيوجه صفعة لهم ولزعامتهم ولكل ذيولهم. ذلك ما كشف عنه في حديثه الملغز حين ميز ما بين المؤمنين والمسلمين وبين الإسلاميين.

لا يستبعد إسلاميو حركة النهضة أن يكون الرئيس سعيد معجبا بالدرس المصري وهو عن طريق لقائه الرئيس المصري قد انتقل من مرحلة الاعجاب إلى مرحلة التضامن في ظل حالة اليأس والخيبة التي تعيشها جماعة الاخوان المسلمين المصرية بعد قرار تركيا الغامض بالتخلي التدريجي عنهم. وهو قرار لن تتمكن الجماعة المحظورة في مصر من الرد عليه علنا لأن أي رد مهما كان صغيرا يمكن أن يستعدي الرئيس التركي اردوغان عليهم.    

اما الهجوم على الرئيس المصري من قبل أي جماعة اخوانية فهو جزء من النهج الذي يجب اتباعه كونه جزءا من محاولة عزل مصر بذرائع حقوق الإنسان وحرية التعبير والأحوال في السجون.

وبالرغم من أن كل ما يُقال عن مصر يمكن أن يُقال أضعافه عن إيران في ظل نظامها المغلق على مبدأ ولاية الفقيه الذي لا تصمد أية فكرة ديمقراطية أمام جبروت صلاحياته التي تجمع بين الدنيا والآخرة فإن الإسلاميين لا يرون أي ضير في زيارة إيران والتعاون معها والدفاع عنها في حين يعتبرون زيارة مصر نوعا من الإثم الذي يجب أن يُعاقب عليه من يرتكبه.

حاول اخوانيو تونس تعبئة الشارع ضد الرئيس سعيد. كانت زيارته المصرية حجة مدروسة اعتقدوا أنهم من خلالها سيستضعفونه ويحولون الانظار عن المعركة التي يخوضونها ضده وضد الدستور من خلال دعمهم غير القانوني لحكومة المشيشي التي لم تنأى بنفسها عن الصراعات الحزبية بل صارت بمثابة واجهة لحرب حركة النهضة على الرئيس المتخصص اكاديميا بالدستور.

من جهته فإن الرئيس التونسي لم يسع إلى تسجيل أهداف وهمية على خصومه بقدر ما انصب جهده على أن يكون لتونس موقعها الايجابي في محيطها العربي. وليس أكثر دلالة على ذلك من القيام بزيارة القاهرة التي هي قلب العالم العربي ومركز أمله في التحرر من تبعات الربيع العربي الكارثية. وهكذا فقد حمل سعيد معه إلى مصر تونس بكل آمالاها المغدورة وخيبات فقرائها ومؤامرات الإسلاميين فيها ووضعها على طاولة التشريح أمام الرئيس السيسي. ذلك ما اخاف حركة النهضة وزعيمها راشد الغنوشي.   

غير أن أكثر ما يُخيف الحركة أن يمد الرئيس خطوط اتصال مع العالم العربي. فذلك يتعارض مع منطلقاتها النظرية وثوابتها السياسية. فالحركة التي لا تؤمن بالوطن والدولة والحدود بين الدول الإسلامية يزعجها أن تقيم تونس علاقات ايجابية مع محيطها العربي فكيف إذا كانت تلك العلاقات تُقام مع مصر وهي العدو الأول للإخوانيين.

لقد اسهمت الاحتجاجات الإخوانية في اضفاء أهمية استثنائية على الزيارة المصرية، ربما لم يكن الرئيس التونسي على يقين منها قبل أن يقوم بزيارته. ذلك سيعزز ثقة الرئيس بنفسه وببرنامجه السياسي وبخططه للمستقبل. ولهذا يمكننا القول أن سعيد الذي ذهب إلى مصر ليس هو سعيد الذي عاد منها تماما. لقد عاد سعيد إلى تونس وهو أقوى مما كان عليه قبل زيارته.

لقد مهد الإسلاميون الذي يكرهون مصر الطريق أمام الشعب التونسي لمعرفة الحقيقة. حقيقة أنهم لا يرغبون في البناء والتنمية وتطوير الخدمات والقضاء على البطالة وإقامة نظام صحي حديث والارتقاء بمستوى التعليم وتحسين الاقتصاد. كلها مفردات تقع خارج النظرية الاخوانية التي لا تعرض سوى خرافة الطريق إلى الآخرة فيما تتقاسم إيران وتركيا مواقع النفوذ على الأرض.

بعد زيارته المصرية صار سعيد هو الرجل الأقوى في تونس. فبعد أن قدمه تمسكه بصلاحياته المستلهمة من الدستور باعتباره رئيسا يستظل بالقانون ويرفض الفوضى ها هي زيارته تعيد تونس إلى محيطها العربي وتضعه في موقع الريادة التي لا ينافسه عليه أحد.