جدل النخُب اليمنية في الحوار بين ضرورة التوافق والإيعاز الخارجي

أصبح من المسلم به لمن يرصد الأزمة اليمنية مدى تأثير العامل الخارجي المتمثل بالدول الراعية لما سمي بالمبادرة الخليجية وكذا دول أخرى كالولايات المتحدة وبريطانيا وغيرهما. فبعد اندلاع ثورة الربيع العربي في نسخته اليمنية تطبعت الحالة اليمنية بخصوصية ميزتها عن غيرها من بلدان الربيع العربي وقولبتها بصورة السهل الممتنع. فهي من جهة جنبت اليمن المتخم بالسلاح والذي يعتبر جزءا من تقاليد وثقافة اليمنيين وفي وسط مجتمع له خصوصياته. فقد تقبلت ألوان الطيف السياسي تلك المبادرة من هذا المنطلق رغم تضحيتها بمبدأ الحصانة لرئيس النظام السابق وعدد من المتعاونين معه.

أظهرت الأيام المتعاقبة مدى هشاشة المبادرة التي لم تدرك او تجاهلت طبيعة ونفسية الرئيس السابق المهووس بالسلطة وفي أي موقع قيادي فقد برز حزب المؤتمر موازيا للدولة وغدا اليمن برأسين، رئيسا للجمهورية اليمنية وآخر رئيسا الرئيس. من جهة أخرى يفترض بداهة من خسر السلطة ان يبادر حزبه بتغيير قيادته تلقائيا وهذا ما يعمل به في العالم المتقدم والبلدان النامية، ومن هنا فقد أصبح المؤتمر جزءا من المشكلة بدلا من أن يكون جزءا من الحل، وهو حال كل الأحزاب اليمنية التي تشترك في استمرار قياداتها ولم تسع للتغيير او النقد الذاتي ولكن التركيز على المؤتمر لأنه اقترن بالرئيس الذي جثم على صدر اليمن زهاء ثلث قرن.

من المؤسف بأن ولوج اليمنيين لأجواء التعددية الحزبية جاء متزامنا مع انبلاج الوحدة الارتجالية وهو الأمر الذي افرز جملة من الإشكالات لازال الشعب اليمني يتجرع مرارتها إلى ألان حيث امتزجت أجواء الحرية على خلفية اجتماعية محافظة، وصراع على تقاسم المناصب فخلق ثقافة ممجوجة أنانية وروح إقصائية لدى القيادات المشاركة في الوحدة وكذا النخب السياسية بكل توجهاتها. فتوالت وتراكمت المظالم والفساد في كل مفاصل الدولة وتم تهميش قطاعات كبيرة لمن كان لهم الفضل في الوحدة من القيادات الجنوبية وهو الأمر الذي افرز احتقانات انفجرت متزامنة مع موجة الثورات العربية رغم أنها في اليمن قد بدأت منذ العام 2007 عندما تجاهل النظام السابق أنات تلك القيادات التي أقصيت بصورة مفضوحة بعد الحرب الظالمة التي شنها في العام 1994. فبدلا من ترتيب البيت اليمني انفرد النظام بالسلطة فتحول لعائلي جهوي وبدأت أحلام التوريث مقرونة بفساد مطلق وهو الأمر الذي انعكس في مزاج اليمنيين وبالذات أبناء المحافظات الجنوبية. ونتيجة استمرار أحلام القيادات السابقة سواء من الشمال والجنوب والتي عبثت بمقدرات الوطن فلا يعول اليمنيون على مخرجات الحوار الذي وصل إلى طريق مسدود ولاسيما في جزئية القضية الجنوبية. فمنذ أكثر من عامين واليمنيون في حيرة من أمرهم فما أن تنفسوا الصعداء لرحيل رأس النظام السابق بعد مماطلة مفضوحة هاهم اليوم يتجرعون كأس المماحكات بين ذيول ذلك النظام ودهاقنة السياسة الذين يمثلون أطراف القضية الجنوبية تحديدا, فتصلب كل هذه الأطراف سوى من الحرس القديم الذي شن الحرب ضد شركائه في الوحدة او ضد من عرفوا بالحوثيين لم يكن ذلك حرصا على الوحدة الوطنية بقدر تشبثهم بالسلطة التي لازال البعض يحلم بها حتى اليوم بالعودة اليها بشكل او بأخر غير مدركين تحولات المشهد اليمني وظهور قوى صاعدة غيرت قواعد اللعبة، ورغم ذلك نرى جميع الأطراف المتناحرة تتطلع لما بعد الحوار وتتاهفت لتظفر بكعكة السلطة ولو أجزاء مجزئة من بقايا وطن.

فبينما يرى البعض بأن ارتهان القرار اليمني لإرادة الخارج سوى الإقليمي أو الدولي يقضي على سيادة القرار اليمني فأن آخرين يرون في ذلك ميزة تكبح جِماح المغامرين الذين اثبتوا عجزهم بعد تجاربهم الفاشلة على مدى عقود وعاثوا فسادا في مجتمع تم تجهيله وتفقيره وزرع ثقافات كادت أن تنقرض كثلاثية القات والسلاح والقبيلة. ومن هنا فهؤلاء للأسف جزء من الحل المفترض رغم أنهم سببا في المشكلة، ناهيك عن أولئك الذين يدعون تمثيل الجنوب من الحراك الجنوبي المنقسم على نفسه، ولان تجريب المجرب يعد ضربا من الحماقة، فأن ارتهان اليمنيين في هذه الحالة يعدُ فضيلة سياسية ولعل ما يُميز مآلات الربيع العربي في نسخته اليمنية عن قريناته من الثورات العربية البائسة في معظمها بخصوصية ثورة اليمن بالتوافق على المبادرة الخليجية بمراحلها التي بلغت إحدى أهم محطاتها المتمثلة في حوار الطيف السياسي فأن الرؤية الإقليمية عند انسداد أمال التوافق قد تكون اشراف الدول الراعية شيئا محموداً ففي حال ساعدت هذه المبادرة للإتيان حلول تفضي للتفاهم والتوافق لإقرار دستور جديد يؤسس لدولة مدنية ديمقراطية فدرالية برؤية يمنية فهذا بداهة هو ما يتمناه كل اليمنيين، وما يعكر أحلامهم سوى أولئك الذين سرقوا آمال الأمة في الوحدة والتنمية.

لن تقوم لليمن قائمة طالما بقيت أذيال من يسيطر على السلطة والقوة والثروة تتحكم في قواعد اللعبة، وجميع اليمنيين يدركون من هي هذه القوى التي اختلفت فيما بينها، بل أن البعض يخشى البوح بقناعاته لارتباط ذلك أما بأمنه أو بلقمة عيشه. كما لن تستقر أحوال اليمنيين ارضا وشعباً إلا بالدولة المدنية التي يفترض بسط سيطرتها ويتساوى فيها المواطنين في الحقوق والواجبات والعدل أساس الحكم.

الجدل الدائر منذ شهور هو حول شكل الدولة. فليست الوحدة سبب تعاسة هذا الشعب بل من فرض هذه الوحدة الارتجالية ودخلها بعقلية إقصائية وأنانية نرجسية فظة، كما ان استمرار وحدة مايو التي ارتبط اسمها بالبؤس والظلم والدجل والتدليس لم تعد في واقع الحال، وبالمقابل لن تكون الفدرالية فردوس اليمنيين وتجعل من طريق الأمة مفروشا بالورود أمام مستقبل هذا الشعب المتطلع للأمن والاستقرار، أكانت فدرالية أو اندماجية وما هو الأجدى النظام البرلماني او الرئاسي فالعبرة بانعكاس ذلك باستقرار اليمن ومصدر رزقهم وكرامتهم.

الأمر الأخر هو أن يدرك الجميع بأن الحوار بقدر ما هو سلوك حضاري وظاهرة ايجابية تزين الربيع العربي في نسخته اليمنية إلا أن بعض النخب اليمنية تشعر بأن القول الفصل قد يكون بإيعاز خارجي بالنظر لتفاوت الرؤى وقد يضغطون في اتجاه حل معين قد لا يستسيغه البعض. وفي هذا أمران فلابد أن قناعة ورضاء كل الأطراف ولكن من جهة أخرى غدا أمرهم بيد غيرهم وبعبارة أكثر وضوحا الارتهان لإرادة الراعي الإقليمي والدولي. فبفضل نظامنا السابق غدا الوطن مرتهنا للخارج وبدون مقابل سوى استمرار النظام أكثر مدة ممكنة، فمن ضمن أشكال ذلك الارتهان هو جعل اليمن ملاذا آمنا لخلايا القاعدة وأوكل لليمنيين مقارعتها نيابة عن الآخرين وتلك انجازات السياسة الخارجية لليمن خلال العقود الماضية.

يتناول البعض قضية الفدرالية من باب الإعجاب مقرونا بالتعريف بها في مجتمع يجهل البعض فيه تفاصيل الشكل الجديد والمفترض للدولة اليمنية وهذا إسهام رائع لنشر الوعي ولكن ليس كل ما يتم التنظير حوله ومعمول به في أرقى الأمم سيثمر بالضرورة في اليمن. فقد جربنا الديمقراطية وشكل الوحدة الاندماجية كوجبة واحدة في عهد واحد فتصدى لها دهاقنة السياسة وأصحاب المصالح الضيقة الأنانية بإقصاء الآخرين وتمحور السلطة في دائرة ضيقة يغلب عليها الطابع القبلي الأسري والمصالح بين بعض رموز من هنا وهناك، فانتجت نظاما مسخا فقد شرعيته رغم تطبيل الإعلام ليل ونهار للزعيم الفذ، وهذا ما كان للأسف فوأد الوحدة وأجهض مفهوم ومعنى الديمقراطية وعبث باليمن لنحو ثلث قرن أو يزيد.

وحقيقة لم تحضَ جزئية خلافية في مناقشات الحوار الوطني الدائر منذ ستة أشهر كما هي قضية الفدرالية. فبدلا من أن تكون إحدى مفردات حلول مشاكل اليمن غدت بذاتها مشكلة فقد انعكس ذلك على الرأي العام والأعلام فتم تناولها من أوجه وأشكال متعددة، رغم جدل إقرار الفدرالية والذي بدأ لدى البعض كـ"فوبيا التقسيم" قد بدأ كفكرة منذ الأعداد للوحدة وكان حينها رائياً صائبا ولكن حماقة من قاموا بها فوتوا تلك الأفكار التدرجية فقفزوا للوحدة الاندماجية دفعة واحدة مقرونا بروح إقصائية فجة، وكان لذلك محاذير ندفع اليوم ثمنها وغيرت مزاج الشارع اليمني الذي كفر بالوحدة، وكانت بعض القوى الجنوبية تنادي بها بل وحتى أكثرهم تشددا، وهو علي سالم البيض الذي في بيان الانفصال أثناء الحرب التي كانت تدور رحاها في العام 1994 كان يؤمن بالوحدة وتصحيح مسارها ولم يسمِ دولته المقترحة التي لم ترَ النور بغير المسمى اليمني بينما اليوم كل التيارات ترنو لأبعد من هذا ويتنصلون من يمنيتهم وكأنها عار. ومن هنا يبدو أن المخرج من هذه السفسطة المصيرية ليس بالسهولة المتوقعة وقد تكون الحلول الجاهزة بإيعاز خارجي أنجع الحلول رغم محاذيرها طالما تفرقت أيدي سباء.