جدل اللذة والمقدس

فاز باللذات من كان جسورا

الحياة تمنحك في بعض الاحيان فرصا هائلة لتفعل ما يحلو لك دون أن تعترض، فقط عليك ان تتحلى بقوة وارادة، وأن تكون صلباً ومغامراً للاكتشاف، ومستعداً للمقامرة بكل شيء على طاولة عريضة من المقايضات.

عليك إن أردت اغتنام فرص الحياة ولذاتها، ان تجعل نفسك محل سكير ثمل جداً، لديه استعداد أن يذهب خلف ثمالة كأس الى جبهة مشتعلة، عندها فقط تتمكن من اكتشاف أي متعة تمنحك الحياة، وأي شخص قادر على صناعة الفرح لنفسك ولربما للآخرين، لربما!

العرب تحدثوا عن هذا ايضاً حتى قال مثلهم "فاز باللذات من كان جسورا"، هم يدركون اهمية ان يكون المرء مقامراً ومحباً للاكتشاف، هذا فقط يمكنهُ ان ينجح في اصطياد اللحظات الثمينة التي تشبه انثى فائقة الجمال، لكنها تتمنع كثيراً ولا تُنال الا بجهد استثنائي، وبعد ان يكسر الذكر أطواق الخوف ويجتاز بحار التردد المخيفة ينال ما يريد لكن بعد عناء.

في كتب التراث السردي العربي على وجه الخصوص تجد أن المرأة التي تقف خلف حدود شاسعة من الخطر، ويحتاج الوصول اليها الكثير من المجازفة، هي الصورة النمطية في ذلك السرد.

اللذة بنت المجازفة والمغامرة والسعي، انها مترفعة لدرجة الغياب، ومحرمة لدرجة القداسة، لا يصل اليها الانسان الا بعد ان يبذل جهداً ويكسر مقدسات، ويعبر فوق مخاوف، ولذا فهي صراع داخلي قبل ان تكون صراعاً خارجياً، وتحتاج الى ان يصطدم المرء الباحث عن لذة بادئ الامر مع ذاته، ثم يتوجه الى المحيط الممتنع الذي يخفي لذات الحياة، تحت أكوام من الحجارة التي تحتاج الى حفر مضن، للوصول الى النبع وارتشاف كأس لذة تحيي الجسد والروح معاً.

في الأديان تجد ارتباطاً وثيقاً بين اللذة والمقدس، هو ليس ارتباطاً بالأحرى، بل تلازماً ضديّاً بالضرورة، فاللذات تقف بالضد من المقدسات، الوصول اليها لا يتم الا عبر خرق المقدس، وتجاوز نسقه الحاكم!

اللذة ليست طرفاً في هذا التضاد والعداء، بل أن العداء الديني لـ "اللذة" نابع من خوف وتوجس، إنّه تناقض أصيل بين الاثنين، فاللذة بحث، والمقدس مُسلم، اللذة اكتشاف، والمقدس نتيجة، اللذة لحظة عبور، والمقدس لحظة متوقفة، اللذة خرق للطبيعة، والمقدس حارس امين عليها.

العلاقة ملتبسة تماماً بين اللذة والمقدس، الاخير يصنفها في حدود ضيقة، ويرمي البقية منها في خانة الموبقات والآثام، فيما تقوم منظومة الأخرى الفلسفية على معنى توسيع التفكير الانساني بذاته وارتباطه مع محيطه وتفاعله مع مكوناتهِ بشتى الاتجاهات، لذا تجد أن الشعوب المتدينة تعيش صراعاً حاداً بين القبول والتسليم المطلق للمقدس المعادي للذة، وبين بحثها الغريزي عن اللذة واكتشافها، تناقض افضى في كثير من الاحيان الى انقسام الشخصية المتدينة الى شخصيتين، واحدة ملزمة علناً بالمقدس، فيما الأخرى تخرقه عبر منظومة سرية لـ "لذات" منافية في بعض الاحيان، حتى للعرف والناموس الانساني، وهذا سببه التطرف الديني، والغلو في الحصول على ما مُنع!

كاتب وصحافي عراقي