جدلية العلاقة بين المشروع الوطني الفلسطيني والبعدين العربي والإسلامي

لم تحظَ قضية وطنية أو تحررية عربية باهتمام عربي وإسلامي، شعبي ورسمي، مثلما حظيت به القضية الفلسطينية، فهي الوحيدة التي لها امتداد قومي وإسلامي سمح بالحديث عن البعد القومي والبعد الإسلامي للقضية الفلسطينية، لدرجة أن المشروع الوطني الفلسطيني في منتصف الستينيات، وخصوصا مع الميثاق القومي لمنظمة التحرير 1964-1969، كان خلاصة انضواء أبعاد أو أربعة مشاريع: الوطني والقومي والإسلامي والأممي. ولم يحدث تمييز الهوية والبعد الوطني إلا بعد حرب 1967 وتغيير الميثاق مع سيطرة الفصائل الفدائية وخصوصا حركة التحرر الوطني (فتح) على منظمة التحرير.

الحضور المكثف للبعدين القومي والإسلامي في الخطاب السياسي العربي والإسلامي، الحزبي والرسمي، قد يوحي بغير ما يفترض أن يكون عليه الحال من تَحّمُل العالمين العربي والإسلامي المسؤولية عن القضية الفلسطينية، حيث لم يتم التدخل سلبيا في الشؤون الداخلية لشعب او حركة تحرر عربية كما كان وما زال يجري التدخل في القضية الفلسطينية، بحيث بات التدخل باسم هذين البعدين عبئا على القضية الوطنية بدلا من ان يكون سندا لها.

إلى وقت قريب، ما كانت تُعقد قمة عربية او إسلامية أو يَخطب زعيم أو رئيس عربي أو مسلم إلا كانت القضية الفلسطينية على سُلم الاهتمامات. وبالمقابل كان كثير من الفلسطينيين يتطلعون لهذه القمم ويبنون عليها آمالا كبيرة. كيف لا، وقد كانت الانظمة والأحزاب العربية والإسلامية تُهدد وتتوعد إسرائيل وترفع الشعارات الكبيرة عن تحرير فلسطين والخطر الصهيوني ومقاطعة إسرائيل والواجب العربي والإسلامي في نصرة الفلسطينيين الخ، دون ممارسة فعلية على أرض الواقع. أما الجماهير العربية والإسلامية فهي صادقة في مشاعرها المُحِبة للفلسطينيين والمتعاطفة معهم ولكنها ليست صاحبة قرار ومغلوبة على أمرها.

بداية، رهن الفلسطينيون قضيتهم بالقضية العربية والمصير العربي نظرا لأن بداية القضية في بداية القرن العشرين ارتبط بالقضية العربية الناهضة وبالمخططات الاستعمارية لتقسيم المنطقة العربية وزرع الكيان الصهيوني في قلبها – تزامنت ثورة الشريف حسين على العثمانيين 1915، مع مخطط سايكس - بيكو 1916، مع وعد بلفور 1917، ثم الانتداب البريطاني على فلسطين. واستمرت القضية الفلسطينية قضية قومية عربية إلى بداية تراجع المد القومي الوحدوي بعد حرب حزيران 1967 وانشغال الشعوب والأنظمة العربية بمشاكلها الداخلية.

واجه الوطنيون الفلسطينيون في بداية حقبة المد القومي كثيرا من العنت والممانعة بل والتشكيك من طرف القوى القومية، وذلك عندما رفعوا شعارات الهوية والكيانية الوطنية الفلسطينية، حيث اعتبرت القوى والأنظمة القومية إن الحديث عن الهوية والدولة الوطنية يتعارض مع الفكر القومي ويمثل دعوة لتعزيز "القُطرية المقيتة"، والتي في نظرهم نتاج التقسيم الاستعماري واستمرارها يخدم الاستعمار والصهيونية، وهو الامر الذي انعكس في ملابسات تأسيس منظمة التحرير وفي ميثاقها، حيث تم تسمية ميثاق المنظمة بـ "الميثاق القومي الفلسطيني" وكأن الوطنية سبة أو خطيئة. ولم يتغير الحال إلا بعد حرب حزيران حيث تم تغيير اسم الميثاق بـ "الميثاق الوطني الفلسطيني" كما تم إدخال تغييرات في نصوصه ليعكس الوطنية الفلسطينية المغيبة عن الميثاق السابق.

وهكذا بعد حرب 1967 انقلبت الأمور بحيث لم تعد القضية الفلسطينية القضية الأولى للعرب، لا رسميا ولا شعبيا، وتراجعت المراهنات الفلسطينية على الانظمة والأحزاب العربية، من مراهنة وصلت لحد انتظار الجيوش العربية لتشكل كماشة تُطبق على إسرائيل وتحرر فلسطين، إلى مراهنة خجولة واستجدائية على بعض المساعدات المالية، او دعم الموقف الرسمي الفلسطيني في المنظمات والمحافل الدولية، بل بات الفلسطينيون يتوجسون مع انعقاد كل قمة عربية من أن تكون قراراتها على حساب الحق الفلسطيني.

بعد توقيع مصر لاتفاقية كامب ديفيد 1978 والتي تزامنت مع المد الإسلامي الاصولي مع ثورتي أفغانستان وإيران وظهور تنظيم القاعدة وتفرعاته، حل محل المراهنة على العرب مراهنة على الأمة الإسلامية وأنظمتها وأحزابها على وجه الخصوص، إلا أن حال هؤلاء الأخيرين لم يكن افضل من حال السابقين، بل كانت الصدمة والخيبة اكثر إيلاما على الفلسطينيين، ليس فقط بسبب تجاهل الأمة الإسلامية، أمة المليار والنصف مليار، للقضية الفلسطينية وللقدس حيث ذهب "المجاهدون" ليقاتلوا في كل مكان في العالم من قندهار إلى البوسنة، دون ان يفكروا بالقدوم للجهاد في فلسطين، بل لأن من تَدخَّل منهم سياسيا في الشأن الفلسطيني كان تدخله فجا ومسيئا للقضية الوطنية، حيث تدخلوا لا لتحرير فلسطين ودعم المشروع الوطني، بل لتوظيف القضية الفلسطينية لخدمة مشاريعهم وأجندتهم الخاصة، وعلى حساب المشروع الوطني الفلسطيني. وكان ما يسمى بالربيع العربي وتداعياته مثالا على استعداد جماعات الإسلام السياسي التضحية بفلسطين والقدس لخدمة مصالحها.

وهناك نقطة تقاطع ما بين إسرائيل وجماعات الإسلام السياسي، فإذا كانت إسرائيل لا تريد قيام دولة فلسطينية مستقلة، فإن سلوك غالبية جماعات الإسلام السياسي يقول بعدم ضرورة وجود دولة للفلسطينيين، أو أنها ليست في أولوية سلم اهتمامها.

لم يكن الخلل في فكر القومية والوحدة العربية ولا في حقيقة العلاقة الجدلية بين القضية الفلسطينية والعالم العربي، كما لم يكن الخلل في الإسلام كدين بما يتضمن من دعوات للجهاد ونصرة المسلمين ووحدتهم، ولكن الخلل يكمن في أدلجة هاتين الهويتين والبُعدين، فعندما تتحول الهوية والفكرة القومية إلى أيديولوجيا لحزب او نظام فإنها تفقد ماهيتها وقيمها الجوهرية المتسامية على الأشخاص وحسابات السلطة الضيقة، وتتحول لأداة لخدمة الحزب وبالتالي السلطة ورجالاتها، وعندما يتم أدلجة الدين ويتم تطويعه تفسيرا وتأويلا بما يتماشى مع التطلعات السلطوية لأحزاب تدعي أنها إسلامية، آنذاك يفقد الدين جوهرتيه وقيمه السامية التوحيدية ويتحول لأداة للأحزاب والقوى المتصارعة على السلطة. أيضا النخب السياسية الفلسطينية مسئولة نسبيا عن هذا التراجع عندما تراجعت عن نهج المقاومة لتحرير فلسطين وباتت مطالبها مالية أو في حدود دعم السلطة القائمة سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة، وهو الامر الذي سمح للأنظمة العربية التهرب من مسؤولياتها القومية تحت شعار أنهم لن يكونوا فلسطينيين اكثر من الفلسطينيين انفسهم، وأنهم يقبلون سياسيا ما يقبل به الفلسطينيون.

البعدان القومي والإسلامي كانا صادقين وضروريين من حيث المنطلقات، ولكنهما انحرفا عن أهدافهما وخرجا عن مبادئهما الأولى عندما حدث الانفكاك أولا ما بين الهوية أو الفكرة من جانب وأدواتها التنفيذية التنظيمية والحزبية من جانب آخر. وعندما حدث الانفكاك ثانيا ما بين الشعب المؤمن بصدق بهذين البعدين والمستعد للكفاح من اجل تجسدهما عمليا، من جانب، والأنظمة والأحزاب التي صادرت هاتين الفكرتين والهويتين وحولتهما لأدوات في صراعها من اجل السلطة حتى بين من يحملون أو يزعمون انهم ينتمون لنفس الهوية، من جانب آخر.

فشلت وانكشفت الايديولوجيات والتوظيف السياسي للقومية العربية وللدين الإسلامي في التعامل مع القضية الفلسطينية، بل فشلت هذه القوى حتى في حل إشكالات المجتمعات الوطنية التي تنتمي لها وتعمل في إطارها. لكن الواقع وبعد حالة الفتنة والحرب الاهلية التي تعم العديد من الدول العربية، يؤكد على أن المخرج للقضية الفلسطينية من مأزقها، والمخرج لكل إشكالات العالم العربي لن يكون إلا بالعودة لتصحيح وتقييم العلاقة ما بين الوطنية – هوية وكيانا سياسيا - من جانب والفكر القومي العربي والحاضنة العربية من جانب آخر، ولكن على أسس ومنطلقات جديدة تُحرر الفكر الوحدوي العربي من أوهام الايدولوجيا والمصالح الحزبية والسلطوية، وتُحرر الدولة الوطنية من الدكتاتورية والاستبداد.

أيضا لا يمكن أن نفك القضية الفلسطينية عن العالم الإسلامي ما دامت القدس في قلب القضية الفلسطينية، وما دام الصهاينة يوظفون الدين في صراعهم مع الفلسطينيين والعرب والمسلمين، بل يطالبون بدولة يهودية، ولكن ايضا نحتاج إلى إعادة موضعة العلاقة أولا بين السياسي والديني، وثانيا ما بين الوطني والديني، أو المشروع الوطني الفلسطيني والمشروع/المشاريع الموسومة بالإسلامية، بحيث يتم توظيف الدين لصالح المشروع الوطني فكرا ودولة وليس إلحاق المشروع الوطني بهذه المشاريع المغامرة والغامضة، والتي فشلت حتى الآن ليس فقط في تحقيق دولة الخلافة الموعودة، بل كانت سببا في تدمير الدولة الوطنية في اكثر من بلد عربي وخلق فتنة وحرب اهلية مدمرة.

إن كنا نتمنى من الانظمة والقوى السياسية العربية والإسلامية تصويب علاقتها مع القضية الفلسطينية واحترام الهوية والشخصية الوطنية الفلسطينية والتوقف عن توظيف الفلسطينيين ومعاناتهم لخدمة صراعاتها الداخلية على السلطة ولخدمة مصالحها ومشاريعها الإقليمية، فإنه مطلوب في نفس الوقت من القوى السياسية الفلسطينية بكل مشاربها، وخصوصا بعد ما كشفه العدوان الإسرائيلي الاخير على غزة من حقائق، مطلوب منهم عمل مراجعات استراتيجية لفكرها وسياساتها، والتوقف عن الحديث عن انتصارات مُبالغ فيها، أو إلقاء المسؤولية عما حدث فقط على العدو الإسرائيلي وتخاذل العرب والمسلمين، أو إلقاء كل طرف فلسطيني بالمسؤولية على الطرف الفلسطيني الآخر وينزه نفسه عن كل خطأ.

لا يمكن للرئيس والسلطة المراهنة فقط على واشنطن والغرب في تحركهم السياسي وتجاهل الرأي العام العربي والإسلامي، وتجاهل القدرات الكامنة عند الشعب الفلسطيني التي ظهرت خلال العدوان على غزة، حتى وإن كانت قدرات الصمود والصبر. أيضا لا يمكن لحماس والجهاد الإسلامي المراهنة على جماعات الإسلام السياسي والأنظمة الإسلامية، وتجاهل المصلحة الوطنية التي لها الأولوية على اية انتماءات أو ارتباطات أيديولوجية آخرى، حيث كشفت الحرب محدودية ما يمكن أن تقدمة الأنظمة والحركات الإسلامية.

على القوى السياسية الفلسطينية بكل مشاربها أن تعرف انها لن تكون قوى قومية حقيقية أو إسلامية حقيقية إلا إذا انطلقت من حاضنة وطنية حقيقية، وسيكون موقعها هامشيا وذيليا في أي مشروع سياسي قومي عربي أو اممي إسلامي إن لم تنطلق من منطلق وطني ومن قاعدة وجود الدولة الوطنية الفلسطينية المستقلة.