جدار أمل سعد الحزين

بقلم: أحمد فضل شبلول

هذا ديوان محظوظ من حيث إلقاء الضوء النقدي عليه، فقد أُلحقت به دراستان نقديتان، الأولى للدكتور السعيد الورقي، في بداية الديوان، والثانية لمحجوب موسى في نهايته. وعلى الرغم من إطلاق السعيد الورقي عنوان "كلمة صغيرة" على دراسته الكاشفة، وإطلاق محجوب موسى عنوان "دراسة متواضعة" على دراسته العروضية (التفتيتية حسب تعبيره)، وتطبيق نظريته في الفصل والوصل التفعيلي على بعض قصائد الديوان، إلا أن الدراستين ـ رغم اختلافهما البيّن ـ تحتفلان بالديوان وشاعرته، بطريقة تنم عن سعادة الناقدين باكتشاف موهبة شعرية جديدة في حديقة الشعر المصري، هي الشاعرة أمل سعد.
احتوى ديوان "جدار حزين" الذي صدر عن فرع ثقافة الإسكندرية ـ وهو الأول لصاحبته ـ على سبع عشرة قصيدة، اعتمدت فيها الشاعرة على عناصر البوح والمناجاة، في ظل غنائية شفيفة، إلى جانب بعض عناصر الدرامية، من تعدد الأصوات، أو دخول أكثر من صوت واحد في القصيدة، فضلا عن وجود بنية صراع فكري ما، بينها وبين طرف آخر من الأطراف الذين تحاورهم، ويتحقق ذلك في مثل قولها، في قصيدة "لمحتان من وداع": بحيرةٌ، وزورقٌ، وعاصفة
وأنتَ فوق الشطِّ
آمنٌ، وجارح
وكفُّنا التي ما ضمَّها لقاء
ما ضمَّها عناق
ما ضمَّها ..
تقولها:
وَدَاعْ
هذا العالم الذي تشيده الشاعرة على أنقاض الرومانسية القديمة، وتبدأ في رسم معالمه المضطربة: البحيرة غير الهادئة، والزورق الذي تتقاذفه الرياح، والعاصفة الهوجاء، هذا العالم الذي يكاد يودي بحياة الشاعرة التي لا تجيد السباحة فيه، يقابله على الطرف الآخر من الصراع هذا الحبيب ـ أو الذي كان حبيبا ـ في وضعه الآمن المطمئن ـ لنفسه ـ فوق الشط، والجارح للشاعرة التي تصارع الموت في بحيرتها المضطربة، ولا يريد أن يمد يد المساعدة لكي ينقذها، وهي تشرف على الغرق، وكأنه شخص غريب عنها، يريد الانتقام منها. ونفي الشاعرة لتلاقي الأكف فيما سبق، أو لعناق هذه الأكف، عن طريق تكرار (ما ضمَّها) ثلاث مرات، مع ملاحظة إطلاق الأخيرة من أسر الفاعل، هو نفي الإثبات، أو هو النفي الذي أرادت به الشاعرة إثبات العلاقة الحميمة ـ بينها وبين الحبيب السابق ـ من خلال تلاقي الأكف، وعناقها، أي من خلال بنية عاطفية ملتهبة، يقابلها بنية جاحدة، قاسية، تنتهي بكلمة وداع حاسمة، (تقولها: وداع). أي مفارقة درامية قاسية يوحي بها هذا المشهد الشعري الذي احتوى على حوالي عشرين كلمة فقط، والذي شاركت الطبيعة في رسمه، أو في نقله لنا من خلال: البحيرة والزورق والعاصفة والشط.
ومن خلال الاعتماد على الأسماء، أو الجمل الاسمية في الصراع، يتضح حجم المأساة، فلا فعل يساعد على إنقاذ ما يمكن إنقاذه. والأفعال الأربعة التي وردت وسط الكلمات العشرين، ثلاثة منها ـ مكررة ـ سبقتها ما النافية للضم، والمؤكدة له، في الوقت نفسه (ما ضمَّها)، والفعل المضارع (تقولها) التي تعني قدرة الطرف الآخر على التلفظ بكلمة الوداع كنهاية حاسمة من طرفه، إنما تؤكد على استمرارية نفي الحبيبة من عالمه، إلى عالم آخر يُشرف على الغرق في هذه البحيرة المضطربة التي ترمز إلى الحياة بكل ما فيها من صراع وحشي وضياع فكري.
ويلاحظ أن البنية الموسيقية لهذه اللمحة الأولى من قصيدة (لمحتان من وداع) اعتمدت في معظم تفعيلاتها على خبن مستفعلن ( الخبن = حذف الثاني الساكن) لتصبح متفعلن، عدا (قالشطآ) في قوله [فوق الشط آمن]، و(ما ضمَّها) التي جاءت على وزن مستفعلن الكاملة، ليصبح عدد مستفعلن (الكاملة) أربع تفعيلات من بين ست عشرة تفعيلة هي قوام اللمحة الأولى من القصيدة. ولهذا تفسيره النفسي الذي تحدث عنه باقتدار ناقدنا محجوب موسى في دراسته العروضية (التفتيتية) في نهاية الديوان، والذي لا أريد أن أكرره هنا.
ثم يجئ القسم الثاني من القصيدة، أو اللمحة الثانية من هذا المشهد الوداعي، والذي تحافظ فيه الشاعرة على تلك البنية الموسيقية المتمثلة في تفعيلة بحر الرجز (مستفعلن ومخبونها)، ولكن من خلال صراع درامي مغاير، أو بنية درامية مغايرة. فبعد أن كُتب لها النجاة من هذه البحيرة المضطربة، أو من تلك الحياة المليئة بالشرور، تتلفت الشاعرة حولها فتجد الفتنة نائمة، فلا تريد أن توقظها، ولو برفرفة اليمام حولها: يمامتي .. تنبهي
فعندما ترفرفين حوله
تضمِّدين جرحه القديم
فيختفي الأنينُ والطنين
لا توقظيه .. إنه إذا صحا
سيعلنُ النزال
ويفتحُ الميدانَ للنزيفِ والذبابْ
مباهيا بجرحك الجديد.
إن هذه الفتنة النائمة التي لا تريد الشاعرة إيقاظها، هي هذا الحبيب القديم، الذي تحول إلى عدو من طراز خاص، فتنبه اليمامة، أو تنبه نفسها، متخذة من اليمام معادلا موضوعيا لها، بألا تهدل أو تسجع، أو حتى ترفرف حول هذا الغريم الجديد، لأنه في حالة اليقظة سوف يعلن النزال، وهي لا تقوى عليه، وسوف يفتح الجراح من جديد، في مباهاة وتلذذ. إنه الصراع الذي تريد الشاعرة أن توقفه حتى لا تتحول الحياة إلى مكابدات نفسية من نوع خاص. ولماذا اليمامة (يمامتي)؟. اليمام ـ كما قال لسان العرب (مادة يم) ـ طائر، وقيل: هو أعم من الحمام، وقيل هو ضرب منه، وقيل: اليمام الذي يستفرخ، والحمام هو البري الذي لا يألف البيوت، وقيل: اليمام البري من الحمام الذي لا طوقَ له. وقال الجوهري ـ صاحب الصحاح ـ اليمام: الحمام الوحشي، الواحدة يمامة. وقال الكسائي: اليمامة هي التي تألف البيوت. والياموم: فرخ الحمامة كأنه من اليمامة.
ونحن في هذا الحالة سنعتمد على قول الكسائي: إن اليمامة هي التي تألف البيوت، لأن هذا هو الأنسب لطبيعة التجربة، أو القصيدة التي بين أيدينا، فالرمز أو المعادل الموضوعي، يدل على أن الشاعرة من النوع الذي يألف الحياة الكريمة، ويحبها، فالبيوت التي يقصدها الكسائي، من الممكن أن تكون الحياة الكريمة، الهادئة المطمئنة التي تبحث عنها اليمامة / الشاعرة طوال تجربتها، لقد قاست من اضطراب الحياة، وجنون العواصف، وفقدان الزورق الآمن الذي يعبر بها إلى الجانب الآخر من الشط. لذا فقد كانت الشاعرة موفقة في اختيار لفظة (يمامتي) ـ مع إضافة ياء الملكية الخاصة ـ كمعادل موضوعي أو رمزي لشخصها.
لقد كان هناك تحذير سابق أوردته الشاعرة في قصيدة سابقة عن هذا الحبيب، الذي كان من قبل صديقا ـ ثم رُقِّيَ إلى رتبة الحبيب بعد ذلك ـ وكان هذا التحذير على لسان الآخرين (يقولون). فماذا كانوا يقولون؟: صديقي
يقولون إنك ممتلئ بالعواصف
إنك تملك سيف الغضب
وإنك فرقت جمع المجرة
أوقعت بين النجوم .. وبين القمر
وإنك أنت المعارك
إنك أنت الخطر
ولكن لم تقتنع الشاعرة بكل ما قيل عن هذا الصديق، فمنحته لقب الحبيب، ثم اكتوت بناره بعد ذلك، كما رأينا.
***
وللحمام نصيبٌ في قصائد الشاعرة ـ وبه ترتفع عن ذاتها ـ وقضاياها العاطفية أو الحياتية الصغيرة ـ لتحلق في أجواء القضايا الوطنية الكبرى، فمن خلال قصيدة "خُدعة من الحمام"، نلاحظ أن الحمام الذي يُرمز به دائما إلى السلام، يصبح عند الشاعرة رمزا للخداع، فهذا الحمام تكشَّف عن طير غريب الجناح، طير مخادع: إلى الملتقى يا بلادي
فمن أين تأتي بهذا النسب ..؟
ومن أين يأتي الوثوق المبين ..؟
وكيف أصدق خدع الحمام ..؟
وكم من قميرٍ شفيفٍ خفي ..!!
وكم من شهيدٍ ..!!
فطر إن أردت
وضم الوجود الرحيب بملء جناحيك
عَرْبدْ
وردِّدْ جلال التراتيل في كل فج ووادي
وقل يا بلادي
فما أجمل الحلم يا أيها المستهام
وما أبعد المستحيل
حوارية من نوع خاص، تكشف بها الشاعرة عن موقفها من قضايا السلام المخادع التي دخلت في طريق مسدود، وهي بهذا لا تشذ عن جموع الشعراء والفنانين والمثقفين العرب الرافضين للتطبيع، والذين يرون السلام مع العدو خدعة كبرى في تاريخنا المعاصر، ولكنها تعبر عن ذلك بطريقتها الخاصة.
***
في قصيدة "أبي ما عاد في الدار" تفتقد الشاعرة أباها وسندها في الحياة، وتشبهه بجنة الدَّردار التي ماتت في أحضان كرمتها. وتبدأ قصيدتها بقولها: لقد جاء فتكون المفارقة الأولى بين عنوان القصيدة، وأول سطر فيها، لنكتشف أن الضمير في (لقد جاء) عائد على ملاك الموت (عزرائيل) الذي خطف أباها، فماتت جنة الدَّردار، والدَّردار ـ كما يدلنا المعجم الوسيط ـ: شجر عظيم من الفصيلة الدردارية، له زهر أصفر وتمر كقرون الدفلى، يغرس على حافة الطريق للزينة والظل. هذا الأب الذي كان يظلل الشاعرة، وأسرتها، بحنانه ورعايته وأبوته، خطفه ملاك الموت فغرس الجدب واليتم وصب الحزن ألوانا في عالم الشاعرة: لقد جاء
فماتت جنة الدردار في أحضان كرمتها
لقد جاء
وغرس الجدب واليتم
وصب الحزن ألوانا
وكاد البرقُ يخطف لب أهل الدار
والأبصار لولا آية ردَّت
فحط الصبر فوق القلب قرآنا
أبي .. من ذاق طعم الموتْ
أنا أم أنت ؟!!
ولنا أن نحلق في جنة الدردار، ومع هذا الجذر اللغوي المشع الذي منحته الشاعرة حيوية وقدرة على الوجود الفعَّال في قصيدتها، فالجذر (درر) ـ كما يدلنا لسان العرب ـ يُشتق منه درَّ اللبن والدمع ونحوهما، ودرَّتِ السماء المطر درًّا ودُرورا إذا كثر المطر، ويقال: سماء مدرار وسحابة مدرار. والدُّرَّة: اللؤلؤة العظيمة. وكوكبٌ دُرِّي أو دِرَّي: ثاقب مضيء. ومن كل هذه المعاني والاشتقاقات السابقة من الممكن لنا أن نستنبط كيف كان الأب بالنسبة للشاعرة، وكم بكته بدمعها المدرار.
تنتقي الشاعرة تفعيلة معروفة بموسيقيتها العالية، وهي تفعيلة بحر الوافر "مفاعلَتن" والتي تصبح بتسكين الخامس المتحرك ( = العَصْب) مفاعلْتن، وتنطق مفاعيلن، والتي يمكن أن تنقلنا في هذا الحالة إلى بحر الهزج، فتتحقق أهزوجة الموت، ووفرته ـ برحيل الأب ـ في عالم الشاعرة، الأمر الذي يُثري تجربتها الشعرية، فنشعر أنها هي التي تذوق طعم الموت، وليس الميت نفسه، أو الأب. وسؤالها: أنا أم أنت؟ للدلالة على حجم الفجيعة، وضخامة المأساة، وكأنها هي الميتة، وليس الأب. وكثرة تساؤلاتها تدل على الحيرة والاضطراب الوجودي، الذي خلَّفه رحيل أبيها: ـ أبي من ذاق طعم الموت
أنا أم أنت؟!!
ـ أبي أأكون مخرجة
بأي خطيئة أخرجت؟!!
ـ فمن للزغب والعشِّ؟!!
ـ ومن يحمي حمى الكرمة؟
ـ أتسقى الروضة الثكلى
أبالفقدان أم بالهم؟!!
ومعظم هذه التساؤلات يكون بهمزة السؤال، والهمزة صوت شديد، مخرجه من الحنجرة، ولابد من تعيين الجواب عندما يكون السؤال بالهمزة، غير أن الشاعرة لا تستطيع تعيين الإجابة، فهي لا تملك بوصلة تستطيع أن تحدد بها الاتجاهات، أو تعيين الأشياء والأشخاص، فهي في عالم من الحيرة والاضطراب والقلق، وضاعت بوصلتها بفقدان الأب والدليل والمرشد والهادي، ومن هنا فلا تعيين في الإجابة عن السؤال الذي يبدأ بالهمزة في السطور السابقة، كما تشير علينا كتب اللغة.
يتضح أيضا من سطور هذه القصيدة، وغيرها من القصائد، ثقافة الشاعرة الدينية، وتساؤلها: أأكون مُخرَجةً؟ يذكرنا بموقف رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندما قال له ورقة بن نوفل ـ بعد أن نزل جبريل ـ عليه السلام ـ على رسول الله لأول مرة: (يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قَالَ وَرَقَةُ نَعَمْ. لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إلا عُودِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا ).
هذا إلى جانب ثقافتها العامة، وتوظيف الأساطير والحكايات الشائعة في تراثنا العربي والعالمي، مثل توظيفها لحكاية سندريللا، وشهرزاد، وقيس وليلى، وغيرها.
تقول في صياغة جديدة ـ من بنات أفكارها ـ لحكاية "سندريللا": سيداتي ..
سادتي
سندريللا لم تعد تهوى الأمير
صدَّت الأوهامَ من فيها الجميل
واختفت منه سرابا
سندريللا لم تعد تبغي الإيابا
والحذاءُ؟
ألفٌ بنتٍ قد يناسب
ألف بنتٍ تشتهي قلبا عقيما
تشتهي قصرا خطيرا
تشتهي ..
سندريللا
تَهدم الحلمَ وتجري
لحظةَ الكشفِ المرير
سيداتي
سادتي
سندريللا
لم تعد تهوى الأمير..!!
إن احتفاء النقد بالديوان الأول للشاعرة أمل سعد، يدل على أنها شاعرة مجيدة، تتباهى بها الإسكندرية، ونحن في انتظار الكثير منها في مستقبل أيامها. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية