جحا العربي، حبيب الشعوب

بقلم: السيد نجم
لا يبدو عليه انه افندي

نالت شخصية "جحا" حب الشعوب, وتعددت تلك الشخصية في أكثر من شعب, خصوصا شعوب منطقة الشرق العربي . ونال جحا العربي حب فاق الجميع.
ففي البدء تفاعلت شعوب المنطقة العربية مع الشخصية بحيوية لافتة, وتألقت أخيلتهم بالنوادر والطرائف. وان أشارت الكتب التراثية الى حقيقة تلك الشخصية وأنها واقعية ,اسمه " دجين أبي الغصن بن ثابت الفزاري البصري", يحتمل أن عاش خلال الفترة من 60هجرية حتى 160هجرية.
الهام الآن أن كل الدراسات أكدت أن تلك الشخصية ذات دلالات طريفة, وقد أضاف إليها جموع الناس من مخيلتهم الكثير ..جيلا بعد جيل , بل ومن منطقة الى أخرى. بل وأصبح "جحا" معبرا عن هموم وأحلام الناس, فصلا عن كونه وسيلة للنقد الذاتي, ووسيلة من وسائل الترويح الشعبي في السمر بين الشباب والكبار.
تعدد النوادر والمواقف والأحوال التي عاشها جحا, بحيث أصبحت الشخصية مجموعة من الأزمات والحلول الحياتية اليومية لأفراد الشعب العاديين. كثيرة هي المواقع التي ارتادها..الحانات, الأسواق, الدور, الحقول, وغيرها. وفى كل مكان تكون معه المفارقات الطريفة والحلول الأطرف.. من الهزل الى المأساة, ومن الفكاهة الى الحكمة.
يعتبر جحا امتدادا للنوادر الكثيرة بالتراث العربي , حيث تعددت:
-إما لشخصيات بأسمائهم.
-واما لطوائف أو فئات من الناس"الأعراب, القضاة..وغيرهم".
من أشهر الكتب التراثية التي تضمنت تلك النوادر.."المستطرف من كل فن مستطرف" و"ثمرات الأوراق" و"الفرج بعد الشدة" و"عيون الأخبار" و"العقد الفريد", وغيرها الكثير.
وقد تخصص البعض من أصحاب القلم في ترديد النوادر,وقد تصل الى أكثر من عشر رواة في التراث العربي البعيد.. منهم : ابن النديم, أبي زياد الكلابي، دهمج بن محرز, أبي مسحل عبدالوهاب بن حريش, وأبوالمضرجي, واللحياني غلام الكسائي, وعبدالله بن سعيد الأموي, والفراء, وقطرب , وأبي زيد الأنصار, والأصمعي, والأثرم والتوزي, وأبى عمر الزاهد وأبي اليقظان النسابة , والهيثم بن عدي والمدائني, وأحمد الأشعري..وغيرهم.
الا أن السؤال القديم المتجدد دائما ..من هو جحا؟
اقدم من نسبت اليه النوادر ودون كثير منها في كتب هو دجين أبو الغصن بن ثابت الفزاري البصري..عاش في الكوفة وتوفى عام 160هجرية.
وقد جرت دراسات عديدة عربية وأجنبية تتناول الشخصية , مقارنة وتحليلا بين "جحا" العربي والأجنبي. من هؤلاء: "رينيه باسيه, وهارتمن, وا.فاسليكى, هونزكرايمسكي.." ومن العرب "عبدالستار أحمد فراج, أنيس فريحة, د. عبدالحميد يونس, عباس محمود العقاد, د. محمد رجب النجار". ولعل الأخير هو آخر من أعاد تصنيف النوادر حسب أحدث المناهج على ثلاث نواح:
1- الناحية التاريخية .. وترصدها من الأقدم الى الأحدث.
2- الناحية الموضوعية .. وتهتم بالجانب الفكري أو الفلسفي.
3- الناحية الفنية .. بتناول الشكل الفني للنادرة.
وقد خلصت أغلب الدراسات الى عدد من الحقائق:
- نوادر جحا تعتبر أقدم النوادر التي سجلتها القريحة الإنسانية في العالم كله.
- أمكن جمع النوادر العربية التي تخص جحا , ولا توجد أية نادرة دخيلة بعد أن أمكن الباحثون الكشف عن خصوصية نوادر جحا العربي.
- الا أنه من المؤكد أيضا أنه توجد نوادر عربية أدخلت على نوادر جحا الأصلية.
- تتسم النوادر العربية لجحا ..أنها تخلو من التفاصيل الجزئية الكثيرة , وهو ما يجعلها أقرب وأنسب الى الإلقاء الشفاهي.
- لم يدخل على نوادر جحا العربية الكثير من التغييرات الجوهرية , على العكس من الكثير التي دخلت على "جحا" الأجنبي للشعوب المختلفة.
- تلاحظ اقتراب بعض المواقف في جحا الأجنبي بنوادر جحا العربي , ولأن العربي هي الأقدم فهي مصدر الأخرى.
- شخصية جحا الصيني، والمدعو " الأفندي نصرالدين" هي أقرب شخصية لجحا العربي, يكاد البعض يؤكد أنها ترجمة عن العربية.
- الطريف أن جحا الحبشة ومنطقة السواحل الشرقية بأفريقيا هي العربية إلا أنهم نسبوها الى أبى نواس.
- "أيسو ب" أو جحا أوروبا تكاد تكون عن الأصل العربي في تفاصيلها للسمات العربية . نموذج مقارن من جحا الصيني "اقتحم لص ذات يوم دار الأفندي, اختبأ في صندوق. فتش اللص كل مكان في البيت ولم يجد شيئا يستحق السرقة , فجاء أخيرا الى الصندوق وفتحه فرأى الافندي فيه. فقال له:
"ماذا تفعل في داخل الصندوق يا هذا؟"
فقال الأفندي:
" خجلت لعدم وجود شئ في بيتي يروقك فاختبأت هنا؟!"
وقارئ جحا العربي يجد الصور والحكاية والتفاصيل , وربما الحوار بإحدى النوادر العربية الشائعة لجحا العربي.
أما وقد أصبحت شخصية جحا عالمية الانتشار/عربية المنشأ , فلا يمكن القول بأن الشخصية عدلت من سماتها وملامحها بعض الشيء بما يتناسب مع كل شعب كل على حدا , وربما هذا هو السر الخفي وراء استمرارها وطرافتها للكبير والصغير , بل وعند كل الشعوب شرقا وغربا. السيد نجم