'جامع أبو العباس'.. واجهة تاريخية دينية

تحوّل إلى مرتع للباعة الجائلين والمتسولين

جامع "أبو العباس المرسي"، أو كما يُطلق عليه "المرسي أبو العباس"، أحد أشهر وأقدم المساجد في مدينة الإسكندرية، تمّ تشييده في القرن الثالث عشر الميلادي، ويقع في حي الأنفوشي بالقرب من قلعة قايتباي.

وُلد أبو العباس المرسي في منطقة مرسية بإسبانيا في عام 1219، من عائلة ثرية، وعقب سيّطرة المسيحية على الأندلس بعد انهيار الإمبراطورية الإسلامية غادر وعائلته إلى تونس عام 1242، وذهب في وقت لاحق إلى الإسكندرية التي كانت وقتها مقصداً لكثير من علماء المسلمين.

وعاش أبوالعباس في الإسكندرية نحو 43 عاماً كباحث ومدرس وحتى وفاته في عام 1286، ودُفن في مبنى صغير بالقرب من الميناء الشرقي بالإسكندرية، وفي 1307 زار الشيخ زين الدين بن القطان – واحداً من أغنى تجار الإسكندرية – قبر المرسي أبي العباس، وقام بتشييد ضريح وقبة للقبر وضمها إلى مسجد صغير، ومن وقتها أصبح قبر أبي العباس مزاراً لكثير من المسلمين من مصر والعالم العربي.

والشيخ أبوالعباس المرسي وُلد عام (616هـ – 1219) في مدينة مرسية إحدى مدن شرق الأندلس (إسبانيا حالياً)، وقضى طفولته وصباه فيها وتعلّم بها أصول الفقه والقراءة والكتابة وحفظ القرآن وهو صغير، وكان أبوه تاجراً وكان يعمل معه، وأمه السيدة فاطمة بنت الشيخ عبدالرحمن المالقي، وعقب سقوط الإمبراطورية الإسلامية بعد فتح الأندلس سافر أبو العباس مع أسرته إلى تونس، واشتغلوا بالتجارة واتخذ أبوالعباس داراً متواضعة قام فيها بتعليم الصغار القراءة والكتابة والحساب وحفظ القرآن الكريم، وتتلمذ أبوالعباس على أيدي الحسن الشاذلي، وكان من أنبغ تلاميذه، وأخذ العهد في التصوّف من الشيخ الشاذلي، وتزوج من ابنة شيخه وأنجب منها ولدين وبنتاً، وأصبح شيخاً للطريقة الشاذلية بعد وفاة أبي حسن الشاذلي.

وخلال فترات التاريخ مرّ مسجد أبي العباس بعدة تجديدات، ففي عام 882 هـ كان المسجد قد أُهمل فأعاد بناءه الأمير قجماش الإسحاقي الظاهري أيام ولايته على الإسكندرية في عصر الملك الأشرف قايتباي، وبنى لنفسه قبراً بجوار قبر أبي العباس ودُفن فيه عام 892 هـ.

وفي عام 1005هـ جدّد بناءه الشيخ أبوالعباس النسفي الخزري، وفي عام 1179هـ وفد الشيخ أبوالحسن علي المغربي إلى الإسكندرية وزار ضريح أبي العباس المرسي فرأى ضيقة فجدّد فيه المقصورة والقبة ووسّع في المسجد، كما تمّ تجميل المسجد مرة أخرى في عام 1943 في عهد الملك فؤاد الأول على الطراز العربي، وفي عهد الملك فاروق كان هدفه جعل الإسكندرية جوهرة البحر الأبيض المتوسط، وأمر ببناء ساحة واسعة تُعرف باسم "ساحة المسجد"، مساحة تصل إلى 43 مترا مربعا، وأُعيد تجميل وبناء المسجد على الطراز العربي الذي كان شائعاً خلال الفترة الأيوبية.

ويتميّز المسجد بالطراز الهجين الذي يجمع بين النسق المعماري لحقبة المماليك والطراز الأندلسي وحتى ملامح العمارة في الدولة الفاطمية، وداخل المسجد تسيّطر الزخارف الهندسية على أسقف المسجد، كما يمتاز بواجهة من الحجر الاصطناعي مع مئذنة على الجانب الجنوبي يصل ارتفاعها إلى 73 متراً، والمسجد له مدخل في الشمال وواحد في الشرق، وكلاهما يطلّ على الساحة، وتمّ تزيين سقف المسجد بالأرابيسك، ويحتوي على كوة مثمنة تُعرف بـ "الشخشيخة"، وكل جانب منها لديه ثلاث نوافذ من الزجاج الملون والأرابيسك مع إطارات الألومنيوم، وتمتاز أرضيات المسجد بالرخام الأبيض، والأبواب والنوافذ مصنوعة من خشب الساج وخشب الجوز، ومنبر المسجد مزيّن بآيات من القرآن الكريم مكتوبة في الجزء العلوي من الذهب الفرنسي، كما يوجد بالمسجد محراب يشير إلى اتجاه مكة المكرمة، وبجانب المحراب عمودان من الجرانيت المصري، منحوت عليهما آيات قرآنية وعبارات دينية.

ويوجد بالمسجد أيضاً 25 عمودا نحاسيا ورخاميا، وهي أعمدة مثمنة الشكل، وبها زخارف ذات طراز عربي وأندلسي و4 قباب، وتحت كل قبة شيخ، ويعلو القبة الغربية ضريح الشيخ شهاب الدين أبي العباس أحمد بن حسن بن علي الخزري الأنصاري المرسي، الذي يتصل نسبه للصحابي سعد بن عبادة.

يقول د. أحمد كريمة، أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر: إن مسجد أبي العباس هو واحد من أشهر معالم الإسكندرية، حيث يحظى بمكانة كبيرة في قلوب المصريين، وتابع: المرسي أبوالعباس كان من أبرز شيوخ الصوفية خلال عهده، ولذلك قام أحد أغنياء الإسكندرية ببناء ضريح ومقام لأبي العباس ليكون مزاراً لمريديه ومحبيه من كافة أقطار الوطن العربي.

ويؤكد أنه واحد من الأولياء الصوفيين الأكثر شهرة في مصر، جنباً إلى جنب مع سيدي أحمد البدوي (طنطا)، إبراهيم الدسوقي (دسوق)، وأبو حجاج (الأقصر)، وعبدالرحيم القناوي (قنا)، ويحتفل مريدوه بذكرى مولده من كل عام من كافة أنحاء الجمهورية.

ويوضح أن المسجد تحوّل إلى مرتع للباعة الجائلين والمتسولين، لدرجة أنهم يضايقون المصلين قبل وأثناء الصلاة، ويضيف: أن الأمن والأوقاف يحاولون بشتى الطرق ترسيخ منظومة سلوكية داخل المسجد، ولكن الثقافة العامة لهؤلاء الفئات منعدمة تماماً.