جامعة الدول العربية: الإخفاقات وسبل التجاوز

بقلم: د.خليل حسين

في الثاني والعشرين من الشهر الحالي تبلغ الجامعة العربية الرابعة والستين من العمر، وهو العمر المفترض للتقاعد في غالبية النظم القانونية للدول، ومن باب المقاربة هل أدت الجامعة قسطها للعلا؟ وما هي إخفاقاتها؟ وما السبل للخروج من مأزق تقاعدها الفعلي منذ زمن طويل؟
طبعا لم تتمكن الجامعة من تحقيق الحد الأدنى من المبادئ والأهداف التي قامت من أجلها، ولنكن منصفين أولا للقول، أن أسباب الفشل ليست مسؤولة عنه بطبيعة الأمر، فالمطلوب منها لم يكن ليتناسب مع آليات عملها، ولا هو منسجم أو متطابق مع تطلعات أعضائها وفي ذلك يذكر الكثير أبرزها:
1ـ النظام الأساسي للجامعة الذي بُنيَّ على معطيات وظروف لا تتوافق مع المعطيات الجديدة ولا مع أحوال العالم العربي وهو ما يحتِّم على الجامعة القيام بمراجعته لاسيما ما يتعلق بأسلوب وآلية التصويت حيث يشترط الميثاق إجماع الآراء، الأمر الذي يصعب حدوثه في ظل الخلافات السياسية والأيديولوجية والتاريخية بين الدول الأعضاء؛ ويؤدي في النهاية في كثير من الأحيان إلى العجز عن التوصّل إلى قرارات في العديد من القضايا العامة والمحورية. فعلى الرغم من تأكيده على التعاون بين البلدان العربية في عدد من المجالات بخاصة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (المادة 2) إلا أنه لم يتعرّض لآليات التعاون سواءً على مستوى اللجان التي يتم إنشاؤها لهذا الغرض (المادة 4) أو فيما بين الدول. كما أن الميثاق لم يتضمن النص على كيفية إعادة هيكلة الجامعة كما لم يشمل على فصل خاص أو حتى بعض المواد التي تتناول المنظمات العربية المتخصصة وعلاقتها بالمنظمة الأم على غرار ميثاق الأمم المتحدة، ولا تملك أمانة الجامعة صلاحيات تنفيذية أو عقابية على غرار ما لدى المفوضية الأوروبية في بروكسل من صلاحيات داخل الاتحاد الأوروبي والتي استطاعت في بضع سنوات أن توحِّد الشارع الأوروبي خلف قرارات قيادات الاتحاد فضلا عن توحيد الجانب الاقتصادي عبر بوابة اليورو على عكس جامعة الدول العربية التي ظلت في مكانها دون الوصول بفعل واحد يشعر بجدواها. كما يأتي أسلوب التصويت على قرارات الجامعة ليقف الإجماع سببًا وراء صدور قرارات غير جازمة بهدف الوصول إلى حلول وسط تحظى بموافقة الأطراف كافة.
2 ـ تمسّك الدول العربية بسيادتها الخاصة بينما يتطلب تطوير الجامعة الدخول في نظام إقليمي تخلي الدول الأعضاء عن جزء من السيادة الخاصة لصالح الجماعة، كما أنَّ الدول الأعضاء ذاتها كانت حريصة بداية على التأكيد في الميثاق على سيادتها واستقلالها دون أي ذكر لضرورة تنسيق السياسات بصورة ملزمة، بل تم حذف مادة بهذا الشأن من البروتوكول التأسيسي للجامعة الأمر الذي جعل مسألة اتخاذ مواقف التضامن بين أعضاء الجامعة مسألة خاضعة لإرادة كل دولة. هذا التمسك بالسيادة ترتّب عليه عدم التزام الدول الأعضاء بتنفيذ القرارات التي تصدر عن الجامعة، حيث أن هذه القرارات تظل مجرد توصيات قد تنفذها وقد تتخلى عنها. ما أدى إلى فقدان الثقة في قدراتها على حل القضايا والمشكلات التي يتم عرضها على الجامعة، ما يدعوها إلى اللجوء لمنظمات أخرى لاسترداد حقوقهم أو حل نزاعاتهم ومشكلاتهم.
3ـ انشغال الجامعة العربية بالسياسة في حين انشغلت التجمعات الأخرى بالاقتصاد فأخفقت الجامعة فيما نجح فيه الآخرون لأنهم ربطوا مصالحهم الاقتصادية واعتمدوا على بعضهم البعض عبر شبكة من المصالح الاقتصادية والصناعية والخدمية. ويرتبط بهذا الأمر الضعف الشديد للعلاقات الاقتصادية العربية وفي هذا الإطار يكفي الإشارة إلى أن حجم التجارة البينية العربية تدور حول 8% فقط من حجم التجارة العربية الإجمالي، أما بالنسبة للاستثمارات فتقدر بـ1% من رؤوس الأموال العربية المودعة في الخارج والتي تدور الأرقام المتداولة بشأنها حول تريليون دولار. كما أن الجامعة لم تعوّل كثيرًا على الأهداف الاقتصادية والتي تعتبر الأيسر في طريق الوحدة.
4ـ فضلا عن الممارسات السابقة نجد الدول العربية لا تفي بالتزاماتها المالية تجاه الجامعة في الوقت الذي تلتزم فيه هذه الدول بالتزاماتها كاملة تجاه المنظمات الدولية الأخرى كالأمم المتحدة.
5ـ وتأتي الممارسات بين الدول الأعضاء سببًا ربما الأكثر أهمية في وهن الجامعة فبرز الصراع العربي ـ العربي في أكثر من موقع ثم جاء احتلال العراق للكويت والاحتلال الأميركي للعراق والتي عكست عجز الجامعة عن القيام بدورها، فضلا عن عجزها التام في معالجة القضية الفلسطينية بشكل خاص والصراع العربي الإسرائيلي بشكل عام. فضلا عن رفض الدول الأعضاء فكرة التدخل الحميد للجامعة لحل النزاعات فيما بينها في حين توافق عليه داخل منظمات أخرى، وفي بعض الأحيان باتت الجامعة طرفا مع محور عربي بمواجهة الآخر.
أن واقع الأمر يتطلب جملة خطوات إصلاحية لتفادي التقاعد السياسي الذي دخلت به منذ زمن، ومنها:
يتعين علينا في إطار الحديث عن جوانب القصور في عمل الجامعة العربية والعوامل التي تدفع باتجاه الإصلاح، الإشارة إلى متطلبات هذا الإصلاح، وفي هذا الإطار ثمة شروط ينبغي تحقيقها أولا حتى يمكن بناء النظام العربي المراد، وأولى هذه الشروط الحفاظ على طبيعة النظام وهويته والجوانب البنيوية فيه ورسم حدوده. ونقصد بذلك الحفاظ على خصوصيته لجهة عروبته. ويعد هذا الشرط ردًا على مطامح ومساعي الولايات المتحدة وإسرائيل اللتين ترغبان في ضمِّ دول أخرى إلى النظام العربي وتحويله إلى نظام شرق أوسطي. ويلي التمسك بالشرط الجوهري السابق الإشارة إليه، معالجة جوانب القصور في عمل الجامعة ذلك من خلال:
1ـ إصلاح نظام اتخاذ القرارات، عبر ضرورة التوسّع في إعمال قاعدة الأغلبية، سواء البسيطة أو المطلقة مع جعل القرارات التي تحظى بموافقة الأغلبية ملزمة للجميع ولا تقتصر على من قبلها فقط.
2ـ إصلاح ومعالجة عدم التزام الدول العربية بتنفيذ تعهداتها إزاء العمل العربي المشترك، وهو قصور مردّه افتقار الجامعة لآلية تمكنها من إلزام أعضائها بتنفيذ ما يتفقون عليه، وذلك باستحداث آلية تشرف على تنفيذ القرارات.
3ـ إعطاء مجلس الجامعة حق مواجهة ومنع الدول التي تنفرد باتخاذ قرارات وإجراءات تؤثر على الدول العربية الأخرى، إذ أن هذه القرارات لا تؤثر فقط على الدولة القطرية متخذة القرار وإنما تؤثر على جميع الدول العربية، على أن يكون الميثاق حاسمًا في هذا الشأن في مواجهة انفراد الدول بالقرارات إما بالفصل أو بمواجهتها بما يحول دون هذا الانفراد.
4ـ إصلاح الهيكل التنظيمي للجامعة، عبر توطين الوظائف وفتح المجال للأفراد من الشعب العربي من دون تدخل الوساطات الحكومية درءاً للتهاوي الإداري الذي تعاني منه غالبية أجهزة الحكومات العربية. ويظل نجاح الجامعة في إجراء هذه الإصلاحات رهنًا بأمرين أولهما توافر الإرادة السياسية، وثانيهما إصلاح الأنظمة العربية ذاتها.
وفيما يتعلق بتوافر الإرادة السياسية، فمع أهمية إجراء هذه الإصلاحات، فإن أي عمل إقليمي مشترك لا يستقيم دون إرادة العمل المشترك. ويلي توافر الإرادة السياسية اللازمة لبدء العمل المشترك ضرورة وضوح الرؤية لدى الدول العربية الراغبة في تطوير هذا العمل ليصبح العمل على رأس أولويات الدول العربية. وفيما يتعلق بإصلاح الأنظمة العربية نفسها، فهو مطلب أساسي فرضته حقيقة مهمة مؤداها أن الجامعة العربية في واقع الأمر لا تمتلك إرادة حرة وأنها عصبة من إرادات الدول الأعضاء، ومن ثم فإن هذه الدول ستظل المسؤولة عن قصور الجامعة لأن سلبيات هذه الأخيرة وإيجابياتها هما من صنع الدول الأعضاء.
5 ـ ينبغي تدوير منصب الأمين العام لإشعار الدول بأن الجامعة بيت العرب بالواقع والممارسة ولابد أن يستقيم عمل الأمين العام مع توافق الدول الأعضاء، فلا يمكن للأمين العام أن يتخذ مواقف معبرة عن مشاعر خاصة دون اعتبارات لسياسات الدول ومصالحها. .
6 - على الجامعة أن تسعى بالتراضي والتوافق لوضع مبادئ عامة للسياسات الاقتصادية للدول العربية تستند على سياسات تراعي مصالح شعوبها.
ثمَّة ضرورة قصوى لتخطي الكوما السياسية التي دخلت بها الجامعة، إما بالمبادرة إلى إصلاحها أو إعلان أعضائها تخليهم عنها ،ليفسحوا لمن يؤمنون بضرورة وجودها محاولة النهوض بها. باتت جميع المنظمات الإقليمية في مصاف أصحاب القرارات الوازنة دوليا، وما زلنا نحن العرب خارج تاريخنا، وقريبا سنطرد خارج جغرافيتنا، وربما إلى المريخ حيث نعيش فعليا وافتراضيا! د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية www.drkhalilhussein.blogspot.com