جامعات خاصة في سوريا.. لمنْ؟

بقلم: د. عمار قربي

نشر في الإعلام منذ فترة أخبارا عن إبرام عقود خاصة لإنشاء جامعات خاصة في سوريا وليصبح التعليم الجامعي عندئذ في حيص بيص بعد إنشاء التعليم الموازي والتعليم المفتوح إضافة للجامعة الافتراضية على شبكة الويب ناهيك عن التعليم الحكومي في جامعات الدولة.
في الوقت الذي تتجه فيه شعوب وحكومات العالم إلى مزيد من الديمقراطية في التعليم عبر توسيع قاعدة المتعلمين الجامعيين من أبناء الفقراء والطبقات المسحوقة، وفي الوقت الذي ترتفع فيه صيحات المنظمات الدولية مؤكدة على مبدأ تكافؤ الفرص في تلقي الخدمات التعليمية، وفي الوقت الذي تنادي فيه هيئات حقوق الإنسان العالمية على حق الفرد في التعلم دون تمييز لتنزع القناع عن الدلالة الطبقية لنظريات التعليم القديمة المحنطة، وفي الوقت الذي يعلو فيه صوت اليونيسكو منبها" إلى أن الطبقات الفقيرة قد حرمت زمانا طويلا من حقها في التعليم، مؤكدة أن مبدأ تكافؤ الفرص ليس معناه مجانية التعليم للفقراء فقط، وإنما معناه – أيضا – منح هؤلاء الفقراء مساعدات مالية تكفل لهم القدرة على الاستمرار في متابعة تحصيلهم العلمي دون تسرب.
.. في هذا الوقت استغرب فعلا" طرح موضوع الجامعات الخاصة في سورية، لنسجل تراجعا آخر إلى الوراء على طريق الديمقراطية المنشود.
بداية وقبل مناقشة موضوع الجامعات الخاصة أسجل هنا تناقضا آخر للسلطة السورية في نظامها السياسي والاقتصادي، فمن المعروف أن الاستثمار في مجال التعليم الجامعي يعد من أبجديات المجتمعات الرأسمالية، وهنا نسأل عن جدوى الخطاب الاشتراكي الذي نمجه كل يوم، كما أتسأل عن كلمة اشتراكي التابعة لحزب البعث العربي حيث أنه وحسب الدستور السوري يعتبر قائدا للدولة وللمجتمع كما تنص مادته الثامنة.
ومادامت الحكومة تهلل لإقامة الجامعات الخاصة وتعتبره فتحا عظيما وتكرمة سلطانية، فلماذا لا تقوم بإزالة القطاع العام، ولماذا تبقي على الاقتصاد السوري بصيغته الموجه؟
كلنا يعرف أن الجامعات الخاصة تحتاج أموالا خاصة، ولكن هل هذه الأموال هي أموال وطنية فقط أم أنها ستخضع إلى تشجيع من الرأسمال الأجنبي، أم أنها ستبنى من حساب الدولة ومن ميزانية الشعب لكي يحتلها الأثرياء وأبناء المسؤولين بأرخص السبل.
بدأ الترويج لفكرة إنشاء الجامعات الخاصة باعتبارها مصدر مهم لجلب العملة الصعبة، نتيجة تسجيل الطلبة العرب فيها، والواقع أن الدول العربية ومن ضمنها مشيخات الخليج تحتوي كل منها على أكثر من جامعة، كما أن اغلبها قد حقق الاكتفاء الذاتي من الجامعات. بل الصعوبة الآن هي البحث عن العدد الكافي للطلاب الدارسين في تلك الجامعات، ففي الخليج لا توجد لديهم مشكلة الأرض ولا الهندسة ولا التمويل ولا الأساتذة، فالنفط وموارده يسمح بجلب أفضل العقول والإمكانيات الموجودة في العالم، وتبقى الأزمة في وجود خليجيين يرغبون في التعليم العالي في الخليج، ومثال آخر في ليبيا، فهناك كلية لهندسة النفط والمعادن تحوي ستة أقسام حديثة أكبرها يضم خمسين طالبا، فدعونا من التمسح في الطلاب العرب كمدخل لإقامة تلك الجامعات الخاصة.
من سيدق أبوابنا من الوافدين العرب هم أساسا أولاد الطبقات المتوسطة في بلادهم واعتقد أن جامعاتنا الحكومية تقوم باستيعابهم حاليا جنبا إلى جنب مع أخوتهم السوريين، ولم يطالبوا فيما اعلم أن تكون لهم جامعة مستقلة، وهم على أية حال ليسوا من الكثرة التي تسوغ ذلك، وبإمكان الحكومة السورية أن ترفع رسوم هؤلاء الطلبة بما يوازيها مع ما سيدفعونه في الجامعات الخاصة.
أما التباكي على طلابنا الملتحقين بالجامعات العربية في بيروت ومصر، أو في الجامعات الأجنبية يجب ألا يثير نخوتنا، لأنه أولا: ليس عيبا أن يطلب أبناؤنا العلم في الدول العربية، خاصة وان مروجين الجامعة الخاصة يضعون الطلاب العرب كسبب رئيسي لإنشاء تلك الجامعات، وإذا اعتبرنا، أن في السفر لا توجد سبعة فوائد، فعلينا أن نطالب الدولة بتوسيع فرص التعليم الجامعي لتستوعب الهياكل التعليمية في المراحل الثانوية عبر إنشاء جامعات جديدة في المحافظات التي لا توجد فيها جامعات، وعبر إحداث كليات عصرية تتوافق مع متطلبات الحداثة، إضافة إلى تطوير بعض الأقسام، ناهيك عن الاهتمام بالمعاهد الفنية.
إن اغلب طلابنا المسافرين قد صدرهم أهليهم إلى بيروت ودول أوربة الشرقية، لأنهم لم تعجبهم الفرص أو الكليات التي اتيحت لهم داخل القطر وفقا لقدراتهم الذهنية، ولان بعضهم من جهة أخرى قادرون على البذخ أو الترف التعليمي بدءا من المدرس الخصوصي وانتهاء بالماجستير الخصوصي.
ربما البعض، داهمتهم بعض الأحلام حول أن الجامعات الخاصة سوف تستقطب خيرة الطلاب ونوابغهم كي تجنبهم الاستنزاف الذي يتعرضون له في الجامعات الحكومية، وهنا اذكر هؤلاء المتفائلين بالمدارس الخاصة والمشافي الخاصة، واترك لهم المقارنة مع مثيلاتها الحكومية رغم تدهور مستوى الأخيرة.
طبعا هناك جوقة من المطبلين والمزمرين لهذا القرار – وأي قرار يصدر عن السلطة – تقول أن هذه الخطوة هي على مسيرة التشبه بالغرب المتحضر، ولكن هل التعليم في الغرب مأجور؟ وإذا كان مأجورا فهل يدفع الأهالي المصاريف، أم تدفعه الهيئات والمنح الحكومية؟ ثم، على أي أساس يتم قبل الطلاب في الجامعات الغربية؟ هل من يدفع أكثر يدخل أولا ...؟
لاشك ان نظام المسابقات المطروح للتطبيق في الجامعات السورية بما فيها الحكومية فكرة جيدة، لأنها تفرز المؤهل أكثر والاكفأ للمقعد الدراسي، لكن الواسطات والضغوطات والرشاوى لاشك بأنها ستفسده.
لا يوجد في أوربا صراع حياة أو موت على دخول الجامعة، إذ أن مجتمعاتهم تعطي الدخل والاحترام الاجتماعي لأصحاب المؤهلات المتوسطة وأصحاب المهارات اليدوية وعمال الجهد العضلي، بنفس القدر أو بفارق بسيط عن أصحاب الشهادات العليا والدكتوراه، أما عندنا فإن دخول الجامعة هو جواز سفر للوصول إلى الاحترام الاجتماعي والوظائف العليا في الدولة، ولذلك فإن دخول الجامعة في الدول الغربية لا يتم عن طريق المؤهلات الاقتصادية للوالدين أو نفوذهم بل عن طريق القدرات الذاتية للطالب.
إن جامعاتنا الحكومية تفتقر إلى الكادر ألتدريسي وخاصة بعد النزيف المستمر الذي تعاني منه البلد بهجرة الأدمغة، وهنا من حقنا أن نسأل عن المكان الذي ستأتي منه الهيئات التدريسية لتباشر عملها في الجامعات الخاصة؟ كل ما أخشاه أن ترحل الهيئات التدريسية في الجامعات الحكومية باتجاه الجامعات الخاصة بعد أن تتعرض إلى المغريات المادية، خاصة إذا علمنا أن رواتبهم الحالية تجعلهم من الناس الذين تجوز عليها الصدقة.
وقد يقول قائل وما المشكلة في وجود التعليم الخاص بجانب التعليم الحكومي؟ والجواب يحمل شقين :
1- كلنا يعلم أن سورية تعاني من بطالة معلنة وسافرة وأخرى مقنعة لدى خريجي الجامعات، وندلل على ذلك بمراجعة بسيطة لآلاف الطلبات المقدمة من الجامعيين إلى مكاتب التشغيل والعمل في المحافظات السورية، إضافة إلى هجرة الجامعيين من مهندسين وأطباء ومحامين .... إلى دول الخليج، بحيث أصبح عددهم هناك يكفي لتشكيل نقابات مهنية توازي الموجودة عندنا في العدد إن لم تزد عليها، وكلنا يعلم أن سياسة الاستيعاب بقيت حبرا على ورق ولم تستطع أن تقارب الواقع بتسارعه المذهل، ولهذا ستتفاقم المشكلة وتتعقد أكثر مع أول دفعة تتخرج من تلك الجامعات المزعومة ، وهذا بدوره سيؤثر على مستوى دخل أولئك الخريجين نتيجة المنافسة غير الشريفة وهذا بدوره سيؤثر على السوية العلمية والخدمية لجامعيي المستقبل.
2- أما إذا كانت هناك خطة جديدة للاستيعاب، بحيث تراعي عدد الخريجين من كل اختصاص ومن كل الجامعات بأسمائها الملونة، فإن هذا سينعكس سلبا ولاشك على عدد المقبولين في الجامعات الحكومية وسيتسبب في رفع درجات القبول للكليات، فيصبح الطالب المقبول في كلية ما تتطلب مجموعا معينا من الدرجات أدنى من كلية أخرى يمكن أن يقبل فيها نفس الطالب فيما لو أن الجامعات الخاصة غير موجودة، وهنا نضرب مبدأ تكافؤ الفرص بعرض الحائط، ويصبح الحديث عن ديمقراطية التعليم كلاما أجوفا لا معنى له على ارض الواقع.

إن إنشاء جامعات خاصة للقادرين ماديا والفاشلين دراسيا سيساهم في خفض المستوى العلمي وسيعمل على زيادة التناقضات الحدية بين طبقات المجتمع وخاصة على حساب الطبقة المتوسطة المسحوقة أصلا.
إن سورية وقبل الجامعات الخاصة تعاني ومنذ سنوات من مشاكل حادة في التعليم دون أن تكون لدينا الشجاعة للاعتراف بذلك... فلقد أصبحت الدروس الخصوصية كابوسا مرعبا لدى أبناء شعبنا من ذوي الدخل المحدود وخاصة بعدما أصبحت تلك الدروس هي الفيصل في الحصول على مجموع كاف لدخول الجامعة، وبعدما امتد هذا الوباء إلى الجامعة، وبعدما ارتفع اجر المدرسين في هذه الدروس إلى الحد الذي لا يقدر عليه أغلبية المواطنين، وبعدما أصبحت امتحانات الثانوية العامة والجامعات مجرد اختبار ممل متكرر للقدرة على الحفظ الصم، دون اختبار للمهارات والقدرات العقلية والقدرة على مواجهة الموقف الجديد.
كل هذا يطرح مراجعة شاملة للملف التعليمي في سورية بشقيه التربوي والعالي لا بإقامة جامعة خاصة سيرتادها على الأغلب أبناء المسؤولين. د. عمار قربي، سياسي سوري - حلب