جامعات بغداد تتلقى ضربات موجعة والجامعات الكردية اكبر المستفيدين

السليمانية و بغداد
استهداف العقل العراقي

تلقى التعليم العالي في بغداد وبقية المدن العراقية المضطربة ضربة قاسية بسبب هجرة الاساتذة والمحاضرين الى الشمال الكردي الهادئ نسبيا لتفادي العنف الطائفي المستشري في البلاد.
وهو الامر الذي يكاد يفرغ جامعات بغداد من أساتذتها واكاديميها، وعلى سبيل المثال فقد اعتاد علي عبد الوهاب (50 عاما - شيعي) تدريس مادة الهندسة في الجامعة التكنولوجية، لكن كل ذلك تغير يوم استلم فيه رسائل تهديد من المتطرفين السنة الذين يسيطرون على منطقة حي الجامعة ذات الاغلبية السنية.
وقال الاستاذ المحاضر الذي قتل المتطرفون اثنان من زملائه "لا استطيع بعد الان ان اعمل او اعيش هنا". فقرر ان يترك العاصمة الى السليمانية في كردستان العراق حيث يعمل الان بالتدريس في جامعة السليمانية هناك.
وتكاد تتوقف الحياة الاكاديمية في بغداد وبقية المدن المضطربة بسبب هجرة الكادر الاكاديمي اما الى خارج البلاد او الى المحافظات والمناطق العراقية الاكثر امنا مثل المنطقة الكردية في شمال العراق.
وقد هجر اكثر من 200 استاذ ومدرس عراقي العاصمة بغداد الى المنطقة الكردية في الشمال التي تتمتع بهدوء نسبي.
ويبدو ان المسلحين اعلنوا حربا على النخب التربوية والتعليمية في البلد حيث تشي الاحصاءات الى مقتل اكثر من 280 استاذا واكاديميا منذ الاطاحة بصدام في نيسان/ابريل 2003.
وكان هناك الكثير من الضحايا خلال الشهر الماضي، حيث هاجم المسلحون الجامعة المستنصرية وقتلوا 70 طالبا ومنتسبا في الاقل وجرحوا 138 اخرين في واحدة من اعنف موجات العنف في هذا العام.

وفي تشرين الاول الماضي، اعلن المسلحون انهم سيستهدفون الطلبة والاساتذة اذا استمروا بالدوام في الكليات، وبعد اسابيع قل عدد الطلبة المداومين بشكل دراماتيكي وبالتدريج، ورغم ان البعض صار يواظب على الدوام الا ان الهجمات والتهديدات لم تتوقف.

وفي تشرين الثاني الماضي تقام مسلحون باغتيال عميد كلية الادارة والاقتصاد وبعد ذلك بايام قليلة تم اختطاف عددا من منتسبي وزارة التعليم العالي في وضح النهار من قبل مسلحين يرتدون ملابس قوات تابعة لوزارة الداخلية العراقية.

ورغم ذلك استمرت الجامعات مفتوحة الابواب، لكنها ظلت مهجورة بشكل او باخر بسبب خوف الطلاب والاستاذة من عمليات العنف التي تستهدفهم، هذا رغم ان هناك جيش وشرطة تقوم بحماية حرم الجامعات الا ان الطلبة والمنتسبين يشعرون انهم طرائد سهلة للمسلحين عند خروجهم منها.

واستأجر عبد الوهاب بيتا لعائلته في السليمانية ويقول انه استقر هناك "احس بالراحة بالعمل هنا، الزملاء يثقون بي والعلاقات بين الاساتذة العرب والاكراد رائعة".

ويذكر أن بعض الكليات في بغداد على شفا الاغلاق بسبب هجرها من قبل الاساتذة والطلاب على حد سواء، وتقلص عدد الكادر في كلية الصيدلة من 12 موظفا الى اثنين فقط، وتم تعويض الفرق من الخريجين الجدد.

وظلت جامعة صلاح الدين في اربيل لسنين عديدة هي الجامعة الوحيدة في الجزء الشمالي من البلاد، وبعد الانتفاضة الكردية في مارس/اذار 1991، حصلت محافظات السليمانية واربيل ودهوك على شبه استقلال ذاتي تم افتتاح جامعتين جديدتين في دهوك والسليمانية.

واعتمدت الجامعات الكردية بشكل اساس على الكادر الاكاديمي الكردي المحلي والمغترب لانها لم يكن لها علاقات مع بقية جامعات العراق.

وبعد الغزو الاميركي للعراق عام 2003 انعش اعادة توزيع الاساتذة الحياة الاكاديمية هناك، مما حدى بالسلطات التعليمية الكردية بتوسيع العديد من الكليات لمواجهة تزايد الطلب المحلي على التعليم العالي.

وقال عميد كلية الادارة والاقتصاد اراس دارتاش "لو لم يأت هؤلاء الاساتذة العرب فان التعليم في جامعة السليمانية كان سيواجه متاعب ومشاكل". في هذه الكلية فقط هناك 11 استاذا واستاذا مساعدا جاءوا من وسط وجنوب العراق.

وقال انهم شكلوا عونا كبيرا خاصة بالاشراف على طلبة الماجستير والدكتوراه.

وتسعى حكومة اقليم كردستان لتشجيع الاساتذة العرب وجذبهم هناك من خلال تقديم اغراءات وحوافز مالية لهم. ويحصل الاساتذة على مخصصات مقدارها 300.000 دينار عراقي وهو ما يعادل 200 دولارا اميركيا، بينما يحصل الذين يجلبون عوائلهم على 500.000 دينارا اضافيا كمخصصات سكن.

ورغم الجوانب الايجابية الكثيرة الذي استفاد منها التعليم الجامعي في كردستان نتيجة هجرة الاساتذة العرب اليها فان هناك بعض الجوانب السلبية لهذه الموجة من أهمها مشكلة اللغة، حيث أن الكثير من الطلبة الاكراد لا يفهمون اللغة العربية لانهم وخلال فترة الحكم الذاتي وشبه الاستقلال في التسعينيات، درس الكثير منهم باللغة الكردية فقط.

وفشل اريان قادر طالب كلية الادارة والاقتصاد في احد المواد التي درسها احد الاساتذة العرب وقال " نعرف خبرة هؤلاء الاساتذة، لكننا لا نفهم عليهم لانهم يدرسون باللغة العربية".

ويدافع دارتاش عن توظيف الأساتذة العرب ويصر على ان البعض من الطلبة يعاني مشاكل اللغة وسيصار الى حل ذلك باستخدام مترجمين لمساعدتهم ويؤكد ان الكليات الاخرى تغلبت على تلك المشكلة بالتدريس باللغة الانكليزية.

وليست اللغة فقط هي مصدر المشكلة حيث يشكو سركوت خضر، طالب طب الاسنان "بعض الاساتذة العرب يثير قضايا سياسية وطائفية تؤذي احاسيس ومشاعر الطلبة الاكراد". ويتذكر الجدل الذي دار مع احد الاساتذة حول محاكمة صدام والتي وصفها الاستاذ بغير العادلة مما اثار حفيظة الطلبة الاكراد الذين ينحدرون من عوائل كانت ضحايا حملة صدام ضد الاكراد.

وبوحه عام يتفق الكثير هنا ان استخدام الاساتذة العرب له من الفوائد اكثر من المساويء بالنسبة للتعليم العالي في اقليم كردستان. ويثمن معاون عميد كلية طب الاسنان في السليمانية فريدون محي الدين اداء ومهارة الـ 12 استاذا عربيا بالقول "انهم ذو فائدة كبيرة" مشيرا الى انهم ملئو الفجوة ونقص الخبرات.

اما بالنسبة لطلبة بغداد فان هجرة الاساتذة تعتبر كارثة حقيقية لان الذين رحلوا حل مكانهم اساتذة من الخريجين الجدد الذين لا يملكون الخبرة، وحاليا لا يوجد كادر متقدم من الاساتذة للاشراف على طلبة الماجستير والدكتوراه.

وقال اياد عبد الله، احد طلبة الماجستير في كلية العلوم في جامعة بغداد ان ثلاثة مشرفين تقادموا عليه". الاول كان رئيس قسم البايولوجي والذي تم اغتياله والثاني انتقل الى جامعة اربيل، انها خسارة حقيقية وكبيرة للخبرات العلمية".