جاسم بن محمد وحسن بن علي.. هذا ما جناه علي أبي في العراق

الاسماء المألوفة.. مشاريع معتقلين

بغداد - أسماء الأشخاص المألوفة في العراق كثيرة ومصادرها أسماء شخصيات دينية أو عشائرية، ويلجأ العراقيون إلى هذه الأسماء ليسموا بها ابناءهم طلبا للبركة أو للحفاظ على التقاليد، لكن هذه الأسماء قد تقود بصاحبها إلى السجن.

أثناء مرور محمد جاسم محمد في أحدى نقاط التفتيش المفاجأة التي عادة ما تقوم بها قوات خاصة في منطقة سكنه (الغزالية) في بغداد، طلب أحد عناصر القوة الأمنية الهوية الرسمية الخاصة به ولسائق الأجرة الذي كان برفقته.

يقول محمد لموقع "نقاش" الاخباري "ابلغني عنصر الأمن بأنني مطلوب للقضاء بتهم إرهابية، عندها لم أعرف ما أقول، أما صاحب سيارة الأجرة الذي كان يقلني لمكان عملي تبرأ مني بسرعة وقال بصوت عالٍ، أنا لا أعرفه أنا مجرد سائق تاكسي".

وبعد دقائق من محاولات محمد الاستعلام عن سبب هذه التهمة، أجابه الضابط المسؤول عن الوحدة الأمنية وهو يحمل ورقة بيده مكتوب فيها أسماء أشخاص فقط، وبخط غير مفهوم، أما الورقة فكانت تالفة لكثرة ما تداولتها الايدي والجيوب، كما يقول محمد.

قال الضابط للشاب الذي تكفّل إثنان من عناصر الأمن بتكبيل يديه، بان اسمه ورد في قائمة لمتهمين بالإرهاب صادرة من القضاء العراقي، ورغم محاولات جاسم إقناع الضابط بأنه بريء وأن شخصاً أخر هو المطلوب لكن الضابط أجابه "دافع عن نفسك أمام القاضي".

بعد أسبوعين على اعتقال محمد في حي المنصور واحتجازه في أحد مراكز الاحتجاز التابعة لوزارة الدفاع في الكرخ تم إطلاق سراحه بعدما تبيّن للقوات الأمنية بإنه ليس الشخص المطلوب للقضاء، والمشكلة أن اسمه واسم أبيه وجده تشابه الاسم الثلاثي لشخص آخر مطلوب فعلاً للقضاء.

المشكلة التي واجهها محمد هي اسمه المألوف كثيراً بين أوساط العراقيين وقد كان وراء اعتقاله واتهامه بالإرهاب، وكذلك بسبب الوضع الأمني المضطرب في بغداد هذه الأيام فالاعتقالات تكون عشوائية ودون أدلة واضحة.

محمد ليس الشخص الوحيد الذي عانى من المشكلة، بل أن المئآت من الأشخاص تعرضوا لذات الأمر، كما أن سكان بغداد ممن يحملون أسماء مألوفة يخافون هذه الأيام عند المرور من نقاط التفتيش والطلب منهم إبراز الهوية الشخصية الخاصة بهم خوفاً من اعتقالهم.

الغالبية العظمى من أسماء العراقيين مألوفة وهي تسميات لشخصيات دينية تاريخية أو شخصيات عشائرية تعود إلى عقود وقرون ماضية، ويتداول الآباء هذه التسميات طلباً للبركة أو للتمسك بالعادات والتقاليد.

وعلى سبيل المثال إذا كان اسم الأب جاسم عندما يتزوج وينجب صبياً يطلق عليه اسم محمد وعندما يكبر محمد ويتزوج ويرزق بصبي يطلق على ابنه أسم جاسم، والأب الذي اسمه علي يطلق على ابنه اسم حسين، والأب الذي اسمه حسن يطلق على ابنه اسم فلاح، وهنالك العشرات من الأمثلة الأخرى.

ولكن هذه الظاهرة أدت ألى كثرة الأسماء المتشابهة بين العراقيين ويصل التشابه إلى نفس اسم الشخص وأبيه وجده وحتى جده الرابع، وحاملو الأسماء المألوفة كثيراً ما يعانون أثناء المعاملات الحكومية، ولكن المشكلة الجديدة التي أضيفت إلى معاناتهم هي احتمال اعتقالهم بتهم إرهابية.

"عمار ياسر" يعمل في بغداد اعتقل بداية العام الحالي وأطلق سراحه بعد تسعة أشهر من اعتقاله بسبب تشابه اسمه مع اسم آخر مطلوب للقضاء.

ويقول عمار بخصوص ما جرى له "عندما اعتقلوني قلت للقاضي بأنني برئ ويجب التأكد من اسم أمي الموجود في الهوية الشخصية ومقارنته مع اسم أم المطلوب لديكم لأنه من الصعب إن يصل تطابق أسماء الأشخاص إلى اسم الأم".

ويضيف عمار "القاضي كان متعاوناً وطلب من أحد الضباط المسؤولين عن اعتقالي تزويده بأسم أم المطلوب للقضاء، وهنا تعرضت للصدمة عندما أجاب الضابط بأنه لا يعرف التفاصيل الكاملة للمطلوب للقضاء وكل ما يعرفه أن اسمه عمار ياسر".

بعدها قرر القاضي إطلاق سراح عمار لعدم كفاية الأدلة، ولكن القرار جاء بعدما قضى عمار تسعة أشهر كاملة في السجن دون أي ذنب، وبسبب اكتظاظ السجون بآلاف المعتقلين كان عليه أن ينتظر كل هذه المدة ليصل دوره في العرض على القاضي.

ويعترف النقيب في الشرطة جعفر محمد وهو ضابط تحقيق في قضايا إرهابية، بأن مشكلة تشابه الأسماء أدت إلى اعتقال مئآت الأبرياء، بسبب فوضى عمل بعض عناصر القوات الأمنية، كما أن الوضع الأمني المضطرب وتهديدات تنظيم "داعش" لا تترك المجال أمام القوات الأمنية للتأكد من المطلوبين للقضاء، وتنفذ الاعتقالات بشكل عشوائي.

النقيب جعفر قال إن "هذه المشكلة خطيرة ومن أسبابها غياب قوانين ينبغي تشريعها، وتدريب القوات الأمنية المكلفة بالاعتقالات على احترام حقوق الإنسان والتأكد من الأشخاص قبل اعتقالهم".

المشكلة الأكبر التي تؤدي إلى اعتقال أشخاص أبرياء هي المخبرون السريون للقوات الأمنية، لأنهم لا يقومون بعملهم على نحو صحيح، وهؤلاء يكتفون بتزويد القوات الأمنية بأسماء المشتبه بهم دون باقي التفاصيل مثل أوصاف الشخص المطلوب لأنهم لا يكترثون بأن هناك أبرياء قد يتم اعتقالهم دون ذنب.

مؤخرا، عقد رئيس السلطة القضائية العليا في العراق القاضي مدحت المحمود مؤتمراً صحافياً كان الغرض منه الرد على عدد من الانتقادات التي يوجهها السياسيون للقضاء متهمينه بالانحياز، وقال المحمود بان "القضاء كشف عن وجود 498 مخبر سري كاذب".

وهذا التصريح سبب صدمة في الأوساط السياسية والشعبية، لأن عمل الأجهزة الأمنية المختصة بالإرهاب يرتكز منذ سنوات على مخبرين سريين خصوصاً في قضايا اعتقال الأشخاص، وهذا العدد الكبير من المخبرين السريين الكاذبين يعني أنهم كانوا سبباً في اعتقال المئآت من الأبرياء.

القاضي المحمود أكد إحالة المخبرين السريين إلى القضاء، كما قال أيضاً بأن هنالك قرارات جديدة اتخذها القضاء لحل مشكلة اعتقال الأشخاص بسبب تشابه أسمائهم.

ومن ابرز هذه القرارات أن يتم التأكد من اسم والدة المتهم وأبيها وجدها، إضافة إلى مكان سكنه، وضرورة حضور المخبر السري إلى المعتقل في اليوم الأول لإعتقال الشخص للتأكد بنفسه من أنه الشخص المطلوب.

وعلى الرغم من الإجراءات الأخيرة لمعالجة مشكلة تشابه الأسماء، إلا أن بعض العراقيين بدأوا منذ فترة بتسمية أولادهم بأسماء غير مألوفة وبدأو يلجأون إلى أسماء أجنبية أو عربية غالبيتها من الأفلام والمسلسلات التي يشاهدونها، من اجل تجنيب أولادهم التعرض إلى المشكلات في المستقبل.