جابر عصفور في ذاكرة للشعر

بقلم : أحمد فضل شبلول

لأن الشعر هو الذاكرة التي تحفظ الحياة العربية في تجلياتها اللانهائية "في خَلْقها وخُلقها من حال الطفولة إلى حال الهرم، ومن حال الحياة إلى حال الموت"، فإن الناقد الكبير الدكتور جابر عصفور يواصل مشروعه النقدي حول الشعر العربي، والذي أكده في كتابه السابق "استعادة الماضي"، ويواصل تأكيده في كتابه الجديد "ذاكرة للشعر" الذي صدر مؤخرا عن مشروع مكتبة الأسرة 2002، ووقع في 492 صفحة.
ولعل المقدمة النظرية التي كتبها الناقد، والتي وقعت في إحدى عشرة صفحة، تضع الأساس، لما ينطوي عليه مشروع جابر عصفور النقدي، حيث يفرق الناقد بين ذاكرة الشاعر، وذاكرة الناقد، فالأولى مجالها الرؤيا، والثانية مدارها التصور، الأولى يمتزج فيها الحدس بالشعور، بينما الثانية لا يفارق فيها التحليل منطق العقل الذي يضع كل شيء موضع المساءلة، غير مستثنٍ ذاته بوصفها مفعولا للفعل في عملية المساءلة نفسها.
ومن ثم تبدأ الرحلة النقدية، ابتداء من عصر الإحياء، أو من النص الإحيائي. فهل يشتمل النص الإحيائي على فعل التناص؟ حيث التناص ـ عند عصفور ـ هو تحول من نسق (أو أنساق) علامة، إلى نسق آخر (أو أنساق) على نحو يستلزم منطوقا جديدا، تحدده العلاقة المتوترة بين الأنساق.
يجيب عصفور قائلا: إن الإحياء عود على بدء، في فعل الاستدارة التي يتحول بها الماضي إلى حاضر، والحاضر إلى ماضٍ، وفي هذا العود ما يؤكد انغلاق كل عمل على نفسه، واكتماله حول معنى بعينه، والتناص لا يمكن اختزاله في علاقة وحيدة البعد أو الاتجاه بين لاحق وسابق، أو حاضر وماض.
ويخلص جابر عصفور ـ في هذا الفصل من الكتاب ـ إلى أن المسافة الكبيرة التي تفصل بين معنى التناص، ومعنى التذكر، هي نفسها المسافة التي تفصل بين معنى التناص، ومعنى الإحياء أو البعث. فالتناص فعل يعتمد على التذكر، ولكنه لا يتطابق معه، ويبدأ من الذاكرة، لكنه لا يتوقف عندها، بينما الإحياء فعل من أفعال التذكر أحادي الجانب والاتجاه.
ثم أنه يفرق بعد ذلك بين التقليد والتقاليد، فالتقليد عود على بدء بما يفضي إلى التكرار الذي تنطوي عليه أفعال المحاكاة الاتباعية، تلك التي لا تعرف سوى أن تنسخ من الأصل ما يؤكد شبهها، أما التقاليد فهي العلاقات التي لا تدني بأطرافها إلى حال من الاتحاد، والتي يقوم فيها كل طرف لاحق بإعادة إنتاج السابق بطريقة تصله به، وتفصله عنه.
ومن النص الإحيائي، ومشاكله التناصية التي عالجها بدقة ناقدنا جابر عصفور، إلى تجليات الوجدان، وولادة أبولو عام 1932، وهو عام رحيل قطبي الكلاسيكية، ورمزي حركة الإحياء الشعري العربي: أحمد شوقي (1886 ـ 1932) وحافظ إبراهيم (1872 ـ 1932). وبلفتة ذكية من ناقدنا يحلل بها مشهد حَمْلِ طليعة أبولو نعش شوقي في جنازه المهيب، حيث ساروا به إلى أن غيبوه في قبره. إن هذا المشهد لا يخلو من دلالة رمزية، يتولد بها الحي من الميت، والمستقبل من الماضي. وكأن طليعة شعراء أبولو (إبراهيم ناجي، وعلي محمود طه، ومحمود حسن إسماعيل، من مصر، وأبو القاسم الشابي من تونس، ويوسف بشير التيجاني من السودان، وغيرهم) ستبني مجدها على أنقاض أو رفات أمير شعراء الإحياء أحمد شوقي.
والسؤال الذي يقفز إلى الوجود الآن بعد قراءة هذا الفصل من "ذاكرة للشعر" هو: هل يا ترى لو امتد العمر قليلا بشوقي، لوقع تحت غواية الأبناء في مسيرتهم نحو الرومانسية، أو نحو الوجدانية؟ أم العكس؟ أي .. هذا النزوع الأبوي لشوقي في ظل قبوله رئاسة أبولو، كان سيفرض نفسه محاولا غواية الأبناء باتباعه؟ أ م ماذا ..؟ أغلب الظن أن شوقيا كان سيتحول إلى اتجاه الأبناء، ليحتمي بهم، من ضربات العقاد (1889 ـ 1964) ومدرسة الديوان.
إن أهم هؤلاء الأبناء كان علي محمود طه (1902 ـ 1949) ، الذي كتب عنه ناقدنا فصلا بعنوان "ميلاد شاعر"، وهو عنوان قصيدة للشاعر يقول في مطلعها: هبط الأرض كالشعاع السني
بعصا ساحرٍ وقلب نبي
لقد نُشرت تلك القصيدة في مجلة أبولو في الشهر التالي لوفاة شوقي، وكأنها كانت تبشر بولادة شاعر جديد، تؤسس به القصيدة العربية عهدا جديدا من الشعر.
ومن شعراء أبولو أيضا محمود حسن إسماعيل (1910 ـ 1977) الذي رثا شوقيا عام 1933 بقصيدة عنوانها "مأتم الطبيعة" وكتب تحتها إنها "مرثية من الشعر الحر". وبذلك يعد محمود حسن إسماعيل ـ في رأي ناقدنا ـ واحدا من شعراء أبولو الذين ارتبطوا بدعواتها المعتدلة إلى التجديد، وطرائقها المتميزة في التأصيل.
أما أبو القاسم الشابي (1909 ـ 1934)، تلك العاصفة الشعرية الجميلة، وصاحب الخمسة والعشرين ربيعا، والذي لم يغادر تونس قط، فقد خصه ناقدنا بأربعة فصول من كتابه، هي: ذكرى الشابي، وإرادة الحياة، وصلوات في هيكل الحب، وما قد لا نعرفه عن الشابي. وأعجبني في عنوان الفصل الأخير، إضافة (قد) للعنوان، والتي أفادت الاحتمالية، فجابر عصفور لم يقل: ما لا نعرفه عن الشابي، فينفي بذلك المعرفة الكلية عن القراء في هذا الجانب، ولكنه أضاف (قد) التي تفيد في هذا المقام احتمالية المعرفة، وعدم احتماليتها.
بطبيعة الحال في الفصلين الثاني والثالث، يتحدث الناقد عن أشهر قصيدتين للشابي: إرادة الحياة، وصلوات في هيكل الحب. أما في الفصل الأول، فيذكرنا جابر عصفور، (ولنتذكر دائما أن عنوان كتابه هو "ذاكرة للشعر") أن الشابي أقام الحياة الثقافية ولم يقعدها في تونس، بمحاضرته التي ألقاها في نادي قدماء الصادقية عن "الخيال الشعري عند العرب"، وكانت هذه المحاضرة في جانب منها معارضة لما سبق أن قدمه محمد الخضر حسين (1875 ـ 1958)، زعيم المدرسة القديمة في تونس الذي كتب عن "الخيال في الشعر العربي" عام 1922 في القاهرة. أما ما قد لا نعرفه عن الشابي، أنه عندما اشتد عليه المرض، عهد بمخطوط ديوانه ""أغاني الحياة" لأحمد زكي أبي شادي، الذي ترك مصر إلى الولايات المتحدة الأمريكية وتوفي بها عام 1955، ويبدو أن المخطوط لم يصل لأبي شادي، وظل حبيس منزل الأسرة، إلى أن طبعه في القاهرة محمد الأمين الشابي (شقيق الشاعر) عام 1955 ـ بتمويل تونسي ـ في العام نفسه الذي توفي فيه أبو شادي.
ومع انحسار الرومانسية، وظهور الواقعية، كان لابد لناقدنا أن يتجاوز تلك المدرسة، وينتقل إلى الجديد في عالم الشعر في ذلك الوقت، فيتوقف عن القصيدة المعروفة من "أب مصري إلى الرئيس الأمريكي" لعبد الرحمن الشرقاوي (1920 ـ 1987) تلك القصيدة التي قد تجد فيها الأجيال الجديدة، نوعا من الخطابية الزاعقة، وقدرا من الخلط الانفعالي بين السياسي والجمالي على حساب القيمة الشعرية، خاصة في أزمنة الحداثة وما بعد الحداثة، ولكن تبقى في "الرسالة" ـ فضلا عن شكلها الذي برع في تكراره الشرقاوي، واختص به في كتابتها ـ دلالتها على محاولة صياغة خطاب شعري غير مفارق لهموم البشر البسطاء، في الواقع المطحون، المقموع، ودلالتها على حلمنا المتكرر بالحرية والعدل.
ومن الشرقاوي إلى بدر شاكر السياب (1926 ـ 1964)، وصورة الشاعر الحديث، وأسطورته، حيث استبدل السياب بالخطاب القومي خطابا إنسانيا عاما، وبنموذج الشاعر التقدمي النضالي، نموذج الشاعر التموزي. فلم يعد أمام الشاعر سوى العودة إلى الأساطير التي لا تزال تحتفظ بحرارتها، لأنها ليست جزءا من العالم الذي يحكمه منطق الذهب والحديد. وهو الشيء نفسه الذي سيفعله تقريبا عبد الوهاب البياتي، بعد ذلك. ففي توديع عبد الوهاب البياتي (1926 ـ 1999) يقارن ناقدنا بين بدايات البياتي الماركسية الثورية، ونهاياته الهادئة التي قدمها في تؤدة الشيخ الذي أكسبته تقلبات الأزمنة العربية حكمة إدراك النهايات. وبين هذا وذاك كانت عائشة البياتي وبستانها، وكأنها حقيقة الثورة التي نضجت على نار القصائد، فتجوهرت في معبد الحب المقدس، رمزا فريدا من رموز الشعر المعاصر.
أما صلاح عبد الصبور (1931 ـ 1981) ، فمن خلال حياته في الشعر، وقناع الحلاج، فإنه يقترب من عالم التصوف، حيث الحدس الذي يحيل الوثبات الوجدانية إلى أحوال الكشف الذي يستضيء بنور الرؤيا، والخيال الذي هو علم البرزخ وعلم ظهور المعاني التي لا تقوم بنفسها، وواسطة العقد الذي تعرج إليه الحواس، وتتنزل المعاني. وأخيرا المقامات التي ترتقي فيها الذات إلى أن تصل، فإذا وصلت اتصلت، وإذا اتصلت انقطعت.
وفي مقال بعنوان: لماذا أدونيس؟ يتحدث ناقدنا عن الأسباب التي دعت إلى إصدار عدد خاص من مجلة "فصول" للنقد الأدبي عندما كان رئيسا لتحريرها، عن أدونيس.
وعن الشاعرين أحمد عبد المعطي حجازي، وأمل دنقل، يخصص د. جابر عصفور النصف الثاني من الكتاب ـ تقريبا ـ للحديث عنهما، وعن إنجازاتهما الشعرية. فيتحدث عن الجائزة التي حصل عليها حجازي باسم الكاتب الكونجولي تشيكايا أوتامسي للشعر الأفريقي التي يمنحها المنتدى العربي الإفريقي بأصيلة بالمغرب. وعن قصيدة المشروع القومي عند حجازي، ونموذجها "أوراس"، تلك القصيدة التي لم تكن مجرد قصيدة ألقيت في مناسبة قومية، وانتهى أمرها في وعي الشاعر، وإنما ظلت قصيدة مفتوحة الأفق في حالة صنع مستمر، إلى أن حدث تحول في قصيدة المشروع القومي عند الشاعر، حيث انكسر شيء ما في هذه القصيدة، اعتبارا من عام 1963 فكتب الشاعر قصيدتي "موعد في الكهف" و"الأمير المتسول". وقد أخذ هذا التصاعد في التحول، فقد كان المشروع القومي ينطوي على بذرة دماره، وعوامل فنائه، فهذا الزحام حول المشروع .. لا أحد.
أما عن أمل دنقل (1940 ـ 1983) فقد أهداه جابرنا كتابه الذي بين أيدينا بمناسبة ذكراه التاسعة عشرة (مرة أخرى يطل عنوان الكتاب في الإهداء ـ ذكرى، ذاكرة، ثم ذكريات أمل دنقل في نهاية الكتاب) وقد أفرد له الصفحات من 341 إلى 490، أي ما يقرب من مائة وخمسين صفحة، لذا كنت أفضل أن تكون الفصول المكتوبة عن أمل دنقل في كتاب مستقل بذاته.
عن بدايات أمل يكشف ناقدنا احتضان مجلة "صوت الشرق" التي تصدرها السفارة الهندية بالقاهرة، والتي كان يرأس تحريرها الأديب خليل جرجس خليل، لبدايات أمل دنقل، حيث كان يراسل تلك المجلة وهو في بلدته بالصعيد، قبل نزوحه إلى المدن الكبرى: القاهرة، الإسكندرية، السويس. وكانت أولى قصائد أمل المنشورة في هذه المجلة، قصيدة مطولة بعنوان "راحلة"، في عدد يونيو 1958، تحمل أنفاس أبي القاسم الشابي وعبد الرحمن الشرقاوي وشيئا من طريقة نزار قباني في استبطان مشاعر المرأة. وكان طبيعيا أن تأتي هذه البدايات الأولى من الشعر العمودي، ولكن بعد تطور رؤية الشاعر وأدواته وبلاغته الشعرية، يصبح بعد العام السابع والستين فارس الحضور القومي، بل يصبح المجلى الحداثي الأخير للرؤية القومية في الشعر العربي المعاصر، خاصة بعد أن دوَّت قصيدته "لا تصالح" كالقنبلة التي لم تتوقف عن الانفجار على امتداد الوطن العربي كله، من المحيط إلى الخليج. لقد ارتبطت هذه القصيدة بتجسيد موقف عربي قومي من الصلح مع العدو الإسرائيلي، وظلت معلقة من المعلقات القومية التي يتناشدها الباحثون عن الكرامة الوطنية، فغدًا: سوف يولد من يلبس الدرع كاملةً ،
يوقد النار شاملةً ،
يطلب الثأرَ ،
يستولد الحقَّ ،
من أضلع المستحيل
هكذا حلَّق بنا جابر عصفور في آفاق الشعر العربي، منذ عصر الإحياء وممثله أحمد شوقي، وحتى عصر أمل دنقل الشعري. لذا أراني ـ بعد هذا العرض لكتابه المهم ـ أسأل ناقدنا الكبير، هل مازلت تؤمن أننا نعيش عصر الرواية؟ أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية