'جائزة محمد شكري العالمية' ترى النور أخيرا

رائد أدب الهامش

افتتح الخميس 14 اغسطس/آب بطنجة شمال المغرب، مهرجان "ثويزا" الذي تنظمه مؤسسة المهرجان المتوسطي للثقافة الامازيغية والذي اتخذ هذه السنة شعار "إفريقيا للأفارقة". وبعد عشر سنوات من رحيله تم تكريم اسم الكاتب محمد شكري من خلال "مؤسسة محمد شكري"، والتي تم تأسيسها في أغسطس/آب من العام الماضي.

وتعتبر مؤسسة محمد شكري قيمة إضافية لعروس الشمال المغربي طنجة. مدينة الثقافة والتعدد والحرية والتنوع، والتي استضافت جميع المشارب والجنسيات والثقافات والحضارات على مر التاريخ. بعد مرور عام على التأسيس، تم افتتاح أبواب المؤسسة رسميا الجمعة وبحضور أسماء كبار في الحقل الثقافي ونقاد من اسبانيا وأميركا وعرب وإفريقيا.

في الندوة الخاصة بالافتتاح ضمن الفقرة القارة بمهرجان ثويزا، المسماة "خيمة شكري”. والمستوحاة من مجموعته القصصية "الخيمة"، وذلك بحدائق مندوبية الثقافة بطنجة أُعلن عن جائزة محمد شكري العالمية وذلك لمنافسة مختلف الأعمال الأدبية والسردية التي "ستكون قيمتها المادية عالية جدا"، حسب مدير مؤسسة محمد شكري، عبد اللطيف شكري.

جائزة سيتم منحها سنويا في إطار دورات المهرجان، إذ سيشرف عليها كتاب عالميون وعرب معروفون، ضمنهم الكاتب المصري صنع الله إبراهيم.

هذه البادرة الثقافية تأتي كمحاولة من أصدقاء شكري ومحبي أعماله الأدبية لتخليد ذاكرته الثرية. محمد شكري الطنجي نسبة إلى مدينة طنجة التي كبر فيها وتعربد بين حاناتها وصنع مجده بين دروبها وشخوصها. فكان أن أكل من "الخبز الحافي" على مائدة أدبية غنية بأعمال وسيرة كان فيها البطل والضحية.

الوجه المتميز على الساحة الأدبية العربية الكاتب والروائي المصري صنع الله إبراهيم كان حاضرا بقوة في "خيمة شكري". حيث كان اللقاء عفويا دون بروتوكول ولا رسميات مفتعلة كصاحب المؤسسة ومبدعها. الكل قال كلمته فجاءت عفوية صادقة ومعبرة عن قوة اللحظة وشخصية شكري كما قال عبداللطيف بنيحيى رئيس المؤسسة "نرفض البروتوكول لأن محمد شكري كان يرفض البروتوكول والعادات والتقاليد الزائفة ".

عاش محمد شكري بعفويته وتمرده ونضاله، وأراد من المؤسسة أن تعبر عن أفكاره فعمل صديق عمره رئيس المؤسسة على تحقيق هذا الحلم الهدف، بقوله: "أنا صديق مقرب لشكري لأربعين سنة وأعرف جيدا"، ويضيف موضحا "أسسنا المؤسسة رفقة نخبة ثقافية وخليط من المبدعين والأدباء". وكان الغرض من المؤسسة حسب بنيحيى "الاهتمام بكتابات محمد شكري وإرثه الفكري".

وتحدث الروائي صنع الله إبراهيم المصري الذي التقى شكري عام 1979 بمدينة فاس، "فاجأني محمد شكري في جموحه وتمرده على كل البروتوكولات والقواعد السخيفة، وهذه كانت مفاجأة جميلة بالنسبة لي في تمرد شكري على كل القواعد والسلوكيات المزيفة وغير الحقيقية، بحيث استمرت العلاقة فيما بيننا والتقينا مرات عديدات بالمغرب والخارج ".

واعتبر الروائي المصري أن مبادرة تأسيس مؤسسة محمد شكري هي "بادرة مهمة سترسي قواعد في العالم العربي للاعتراف بالمثقفين والكتاب الكبار"، مضيفا أنه "مستعد لتقديم استشارات ومساعدات وكل ما في وسعه أن يعمله لصالح إرساء هذه المؤسسة على أسس متينة".

أما رجاء بومدين المشرفة على ترجمة أعمال الأديب محمد شكري فقد عبرت في كلمتها بالاسبانية أن المجهود الشاق في ترجمة الخبز الحافي الذي بذلته تجلى في إعادة تصحيح أخطاء الترجمات السابقة، وأضافت أنها بصدد العمل على ترجمة رواية مجنون الورد".

بالمناسبة صرحت وداد بنموسى، عضو اتحاد كتاب المغرب وأمينة المال بالاتحاد. أن اتحاد كتاب المغرب سيكون شريكا رئيسا لمؤسسة محمد شكري عن طريق عقد شراكة مع المؤسسة لتنظيم ندوات ومشاريع كتب نقدية لكتاب من المغرب أو خارجه.

كانت المؤسسة من بنات أفكار محمد شكري الذي ألح في أواخر أيامه على أصدقائه ومعارفه للعمل على إخراجها للوجود. فقد شارك في وضع القانون التأسيسي لها لكن الموت كان قريبا من الباب فلم يكمل المشروع.

يعتبر محمد شكري المولود سنة 1935 في منطقة آيت شيكر في إقليم الناظور شمال المغرب، والذي عاش طفولة صعبة وقاسية، رائد أدب الهامش والأحياء الفقيرة وكاشف الطابوهات في عالم البغايا والسكارى والمجون.

ونظرا لفقره وحاجته فقد عمل شكري كصبي مقهى وهو دون العاشرة، ثم حمّالاً، فبائع جرائد وماسح أحذية وبائعا للسجائر المهربة. ورصد تلك العوالم السفلى بشكل خاص في روايته الخبز الحافي أو الكتاب الملعون كما يسميها والذي ترجم سنة 1973 الى الانجليزية من طرف بول بولز. ونشر بالعربية عام 1982.

يذكر أنه في سنة 1966 تم نشر قصته الأولى "العنف على الشاطئ" في مجلة الآداب اللبنانية، واشتغل في المجال الإذاعي من خلال برامج ثقافية كان يعدها ويقدمها في إذاعة البحر الأبيض المتوسط الدولية بطنجة. ومن رواياته "زمن الأخطاء"، أو حسب عنوان آخر لها، "الشطار" وفي سنة 1985 نشر رواية "الخيمة". وقبلها "مجنون الورد"، ثم "ورد ورماد، وزارة الشؤون الثقافية 2000 وهو عبارة عن رسائل مع الاديب المغربي محمد برادة.

وعمل الكاتب على تخزين ذاكرة المدينة بأحيائها وشخصياتها وعمرانها من خلال أعماله وكتاباته وعلاقاته الشخصية مع أدباء وفنانين محليين وعالميين.

تمر عشر سنوات على وفاته وها هي إحدى أحلامه تتحقق رغم العراقيل التي تم وضعها في طريق هذه المؤسسة من طرف بعض مناهضي الثقافة. الذين قال فيهم رئيس المؤسسة وصديق الأديب الراحل عبد اللطيف بنيحيى" أقول دائما لا يمكن أن نقاوم المشروع الظلامي إلا بالثقافة".

في إحدى رسائله الجوابية على الأديب والكاتب محمد برادة التي جمعها في كتاب "ورد ورماد". جاءت الرسالة بتاريخ 1977 "عندما استلمت رسالتك كنت شبه فاقد وعيي: جد سكران، بدت لي رسالتك كأنها رموز هيروغليفية. وضعتها في جيبي ولم اقرأها إلا بعد يومين. عندما صحوت. كنت جد متخاصم مع نفسي وأيضا مع الناس الذين بدوا لي كأنهم (مصارين) محشوة بما يقرفني".

ويضيف شكري في رسالته مقطعا آخر يعبر فيه عما يختلجه "في كل عصر يوجد ناس من كل العصور وأنا لا أريد أكون نسخة من التكرار الأبدي. أريد أن أكون وحيد نفسي وعصري وحياتي ولعنتي ورضائي وموتي وتشبثي بما أنا وما لست أنا وما لست بعد إياه بالذي كان ولم يكن".

مات محمد شكري لكن أعماله بقيت خالدة. وها هي مؤسسة باسمه وجائزة عالمية أرادها احتفاء بالأدب والأدباء وقفزة كبيرة لطنجة الثقافية.