ثورة معرفية هادئة تنطلق من ابوظبي

أبوظبي - من بيرند ديبوسمان
المال للثقافة وليس للسلاح

الانباء الطيبة سلعة نادرة في الشرق الاوسط ولكن هاهي شريحة من هذه الاخبار.. للمرة الاولى في تاريخها تخصص دول الخليج الغنية أموالا للتعليم أكثر من الاموال المرصودة للانفاق العسكري.
وتعتزم الامارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وحدهما انفاق أكثر من 22 مليار دولار على مشاريع طموحة لتضييق الفجوة المعرفية مع الغرب.
كما تنفق البحرين والكويت وعمان وقطر وهي بقية دول مجلس التعاون الخليجي مبالغ كبيرة على التعليم.
ويتجاوز اجمالي الانفاق على المشاريع التعليمية مبيعات الاسلحة لدول المجلس التي يجري التفاوض بشأنها حاليا والتي تبلغ قيمتها 20 مليار دولار.
ويشير ترتيب الاولويات المستنتج من تخصيص أموال على العلم أكثر من الميكنة العسكرية الى ثورة هادئة في منطقة وصفت في وقت من الاوقات بأنها "صحراء علمية".
ويذكر هذا الوصف الوارد في اصدار علمي أميركي بتقرير صدر عام 2002 عن برنامج للتنمية تابع للامم المتحدة أعده خبراء عرب وليس باحثون غربيون.
وصور التقرير المنطقة العربية وكأنها تعيش في عزلة عن عالم الفكر ويتخلف عن ركب العالم في كل شيء تقريبا من التعليم الى احترام حقوق الانسان وحالة المرأة.
وقدم أسبوع في شهر أكتوبر/تشرين الاول عرضا لكيفية التغيير الذي يحدث بفضل مزيد من الطموح العظيم والثراء الكبير والرغبة في التفوق على الجيران.
وفي أبوظبي ترأس وزير التعليم العالي في دولة الامارات العربية المتحدة الشيخ نهيان بن مبارك ال نهيان "مهرجان المفكرين" الذي جمع 16 من الفائزين بجائزة نوبل والمفكرين من مختلف أنحاء العالم مع طلاب من الامارات العربية المتحدة وغيرها من دول الخليج.
وفي السعودية أرسى العاهل السعودي الملك عبد الله حجر الاساس لجامعة للبحث بقيمة 2.7 مليار دولار تكسر الجمود في مجال المحظورات حيث سيجلس الطلاب والطالبات في نفس القاعة الدراسية وسيسمح للنساء بقيادة السيارات الى الجامعة التي ستكون خارج نطاق ولاية الشرطة الدينية.
ولم يكن هناك اعلان رسمي بشأن حجم هذا المشروع.
ولكن من المرجح أن يضارع مشروع رئيس وزراء الامارات الشيخ محمد بن راشد ال مكتوم الذي تبلغ قيمته عشرة ملايين دولار والذي أعلن في مايو/أيار لبناء مجتمع قائم على المعرفة في المنطقة ولتعزيز موقف الباحثين والمثقفين في العالم العربي.
وربما لم يغادر كثير من المفكرين القادمين من مختلف أنحاء العالم أبوظبي حينما احتشد باحثون وخبراء عرب لحضور مؤتمر المعرفة في دبي من أجل تعزيز التعليم.
وأعلن الشيخ محمد خططا لاعادة تأسيس دار بيت الحكمة العربي وهو معهد تعليمي ازدهر في بغداد في العصر الذهبي للعالم العربي بين عامي 800 و1500 للميلاد.
وقال أحد المشاركين في مؤتمر أبوظبي "هذا الامر يستحق أن يقف المرء عنده.. ولو كانت لجنة نوبل موجودة قبل 700 عاما لذهبت معظم الجوائز لعلماء عرب."
وأنشأ العرب أولى الجامعات والمستشفيات. وتراوحت الاكتشافات العلمية بين الجبر وعلوم البصريات. ويمكن أن يقاس تردي الحضارة العربية في الوقت الحالي بعدد جوائز نوبل.. فمن بين 750 جائزة منحت منذ العام 1901 لم تذهب للعرب الا خمس جوائز.
وذهبت الجوائز الى كل من.. أحمد زويل في الكيمياء ونجيب محفوظ في الادب وأنور السادات وياسر عرفات ومحمد البرادعي في السلام.
وخلال العصر الذهبي للعرب كانت اللغة العربية هي لغة العلم كما هو الحال مع اللغة الانجليزية اليوم. وصارت الانجليزية لغة مهمة جدا بالنسبة للجامعات العربية مثل الكليات العليا للتكنولوجيا في الامارات العربية المتحدة. وستكون الانجليزية أيضا لغة التعليم في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا.
وهذا النزوع للتعليم الحديث فيه ابتعاد عن النهج المتزمت للتعليم الذي أتى بالتشدد مما أثمر 15 سعوديا واثنين من الامارات من ضمن 19 شخصا نفذوا هجمات 11 سبتمبر/أيلول في نيويورك وواشنطن عام 2001.
وبينما يرى القائمون على قطار التعليم ما يحدث على أنه بدء لنهضة عربية يعتبر المحافظون الدينيون ذلك هجوما على القيم التقليدية. ولكن التغيرات الاجتماعية تحدث بصورة سريعة ومن الصعب أن تشهد توقفا أو نكوصا.
وفي الكلية العليا للتكنولوجيا في دولة الامارات يزيد عدد النساء عن عدد الرجال بنسبة عشرة الاف الى ثمانية الاف. ومن واقع المناقشات التي جرت في مؤتمر المفكرين تعتبر الكثيرات الشهادات العلمية التي يتحصلن عليها جوازات سفر لمزيد من الحرية.
وقالت احداهن "هذا مارد لا يمكنكم اعادته للقمقم." وبالمثل فهل ستكون الطالبات في جامعة الملك عبد الله المعتزم انشاؤها مستعدات للعودة الى الحياة الصارمة خارج أسوار الجامعة.... يبدو هذا مستبعدا.