ثورة محمد البوعزيزي ولا احد

بقلم: خليفة فهيم الجزائري

قد تتجرأ بعض المخلوقات السباتية، واقصد بها هنا ما يسمى بالمعارضة التونسية التي ظلت ملازمة لجحورها تستعرض عضلاتها لعقود من الزمن في الداخل والخارج وكان ذلك في حقيقة الأمر دعما منها لذلك النظام الذي استمات لوجودها الضعيف وموتها في جحورها، اليوم وبعد أن أطاح محمد البوعزيزي "الخضار" بـ"الجنرال" قد ترغب هذه المخلوقات الخروج وفي هذا الوقت وعلى غير العادة "لتغتنم" الغنائم بعد نوم عميق في شتاء طويل وبارد أبا الشاب التونسي محمد البوعزيزي أن يجعل من جسده حطبا يوقد به نارا حامية يتدفأ عليها الشعب التونسي كافة بعد معاناة قاسية وبدم بارد مع الظلم والقهر والطغيان، طغيان احرق دماء الشعب التونسي وهي سارية في الأجساد لمدة الربع قرن من الزمن، فما كان لمحمد البوعزيزي أن يقوم بإضرام النار في نفسه لو لم يكون أصلا محترق من داخله، ظلم وقهر وإذلال ذلل وسهل على محمد البوعزيزي القيام بذلك العمل المنفرد وبدون سابق إنذار بل في لحظة غضب كان يكنه في صدره، فلم يكون الشاب التونسي محمد البوعزيزي متطرفا أو متشبعا بأي فكر عقائدي أو غيره كما قد يدعي البعض في المستقبل وكما قد تروج له بعض المخلوقات السباتية لغايات أخرى.

لقد انفرد محمد البوعزيزي بعمله وضحى بنفسه بعدما لم يجد عملا يلهيه ويقتات منه، حيث لم تترك له زبانية الحكم أي فتات ولو من ما تدره عائدات تونس الخضراء الخلابة التي تجلب ملايين السياح سنويا للتمتع بسحرها وجمالها، جمال لم يره محمد البوعزيزي فيها جميلا للبقاء فقام بذلك العمل الفردي من تلقاء نفسه بعدما هانت عليه الحياة التي أهين فيها ولم يكون يقف من ورائه أي احد سوى الفقر والظلم ومن أمامه الظلام الدامس ولا بصيص أمل يشد إلى البقاء.

لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تنسب هذه الثورة وهذا المكسب الكبير الذي حازه الشعب التونسي في ظرف 26 يوما لأي احد، إلا لذلك الشاب ذو 26 ربيعا محمد البوعزيزي الذي يعز على كل الأشقاء في تونس أن تبقى صورته ملازمة ومرفوعة على جدران بيوتهم وشوارع مدنهم، ذلك الشاب الذي اختزل الزمن النضالي الطويل والثورات الشعبية عبر العالم في حركة احتجاجية نادرة، كانت لتحرك البشر والحجر لو لم يتحرك الشعب التونسي، نعم لقد اختزل البوعزيزي زمن النضال وطرق التغيير وصحح الصورة الحقيقية لقادة الثورة والمناضلين في التضحية والشجاعة اللازمة، فأعطى لهم الدرس في كيفية قيادة الثورة وإشعالها، وسوف تسجل على أنها أسرع واقصر ثورة على الإطلاق في التغيير بأقل الخسائر يقتدي بها ويستلهم منها في بلوغ الأهداف لتقرير المصير الغامض كالمصير الذي قرره محمد البوعزيزي لشعبه، شعب لا ننكر انه تعاطف مع محمد البوعزيزي في بداية الأمر، وما كان يدري حقيقة حينها أن تعاطفه مع ابنه سوف يصل به وفي نهاية المطاف إلى أمام أبواب قصور قرطاج لإزاحة من زين كل شيء في تونس لنفسه وحده ولحاشيته إلا شعبه الذي "غالطوه حوله ورغبته وقالوا له أن هذا الشعب لا يريد الحياة"، حتى عشية انجلى فيها الليل وانكسر القيد وفر الزين و"تاه وليلاه" في جنح الظلام ولا يهمنا هنا مصيره ووجهته، أكانت الربع الخالي أو "نجد"، المهم أن نعترف حتى يؤرخ على أن هذه الثورة ثورة محمد البوعزيزي وحده ولا يسطو عليها احد.

خليفة فهيم الجزائري

صحفي

fahimkhelifa@yahoo.fr