ثورة تونس‮.. ‬وجراح ذاكرة‮ المسدي (1)

بقلم: مصطفي عبدالله
الديكتاتورية ظاهرة معقدة جدا

ما زالت تونس الثائرة مثل مصر، تحاول الخروج من براثن الماضي القريب،‮ ‬وفساده الضارب بجذوره في أغوار المجتمع،‮ ‬متحفزة طوال الوقت للمتربصين بثورتها،‮ ‬والمتسلقين عليها،‮ ‬الراغبين في جني ثمارها وخطف مكاسبها‮.‬

وما زالت ارتباكات ما بعد الثورة تتصدر المشهد ـ هنا وهناك ـ وشهادات الثائرين،‮ ‬والمثقفين،‮ ‬والسياسيين،‮ ‬تتوالى،‮ ‬سواء عبر الفضائيات وبرامجها العديدة،‮ ‬أو الصحف التي تتلقف أي كلام عن الثورة والثوار لتبرزه وتضعه في صدر صفحاتها الأولي،‮ ‬أو الكتب التي كسدت سوقها،‮ ‬فبدأ المؤلفون والناشرون يحشدون أسلحتهم لإصدار كل ما يتعلق بالثورة من قريب أو بعيد،‮ ‬باعتباره بضاعة رائجة هذه الأيام‮.‬

وكنت قد بدأت سلسلة مقالات عن شهادات الثوار،‮ ‬واليوم أتوقف قليلا أمام شهادة مختلفة،‮ ‬لا تتعلق بثورة‮ ‬25‮ ‬من يناير في مصر،‮ ‬وإنما تدور حول ثورة‮ ‬14‮ ‬من يناير في تونس،‮ ‬تلك الثورة الشعلة،‮ ‬التي وصل ضوؤها سريعا إلي القاهرة،‮ ‬فتأجج الشعب،‮ ‬وخرج رافعا بعض شعاراتها،‮ ‬وأشهرها‮: "‬الشعب يريد إسقاط النظام‮".‬

والشهادة التي أعرضها اليوم،‮ ‬لواحد من أهم المثقفين التونسيين والعرب،‮ "‬تقاطعت تجربته السياسية مع الذي حكم البلاد بأمره‮" ‬في تونس،‮ ‬ورأي "‬أن يتكلم،‮ ‬وأن يروي،‮ ‬وأن يبوح‮" ‬الآن،‮ ‬معتبرا أن هذا البوح إنما يأتي‮ "‬لأداء حق الوطن عليه،‮ ‬وحق أبناء وطنه عليه،‮ ‬وحق الثورة بشهدائها وبأبطالها عليه‮".‬

أتحدث عن الكاتب التونسي د‮. ‬عبدالسلام المسدي،‮ ‬الذي دفع إلى المطبعة بأحدث كتبه‮: "‬تونس وجراح الذاكرة‮"‬،‮ ‬مؤكدا في مقدمة كتابه حق الناس علي المثقف في‮ "‬أن يتكلم كي يصف ما رآه داخل السجن الذهبي ولم يكن‮ ‬غيره يراه‮"‬،‮ ‬واضعا بينه وبين قارئه‮ "‬ميثاق بوح‮" ‬أشبه بالقسم،‮ ‬أهم بند فيه‮: "‬أن أقول الحقيقة،‮ ‬كل الحقيقة،‮ ‬ولا شيء‮ ‬غير الحقيقة‮".‬

والكتاب شهادة فرضتها الثورة التونسية،‮ ‬التي حرّكت القلم‮ - ‬كما يقول المسدي‮ - ‬بسبب‮ "‬تلقائية اللحظة التي جاد بها التاريخ فيما سماه الناس ثورة الياسمين،‮ ‬ثم استبدلوا بذاك الاسم اسما ربطوه بتاريخ زمنه كما يحصل عادة،‮ ‬ثم آثروا ثورة الكرامة‮".‬

ومع المسدي،‮ ‬في كتابه الذي لم يصدر بعد،‮ ‬نقرأ شهادة يسعى الكاتب من خلالها إلي إيقاد شمعة في فضاء مُدلهمٍّ‮ ‬غائمٍ‮ (‬ص ‮٥١) ‬كان لي‮ "‬حظ‮" ‬استثنائي،‮ ‬لا أدعي فيه أي فضل خاص،‮ ‬ولا شك أن لغيري في هذا المجال فضلا يفوق ما لي منه مرات ومرات‮. ‬لقد كنت شاهدا على ما به رأيت كيف يتخلق جنين الاستبداد ثم يولد ثم يترعرع ثم يقطع المراحل حتى يمسي عملاقا بين العمالقة‮. ‬هذه هي إضافتي،‮ ‬يسيرة ولكنها كاشفة،‮ ‬ربما تكمل وجها‮ ‬غائبا،‮ ‬فالدكتاتورية ظاهرة معقدة جدا،‮ ‬تشتمل على ظواهر متوالجة يصفها الواصفون ويحللها المحللون،‮ ‬وتشخيصها عادة ما يتم من خارجها‮.‬

ولكنني أرتسم منذ الآن‮ ‬غاية أخرى تكمل الأولى ولا أراها شائعة في هذا الضرب من الشهادات،‮ ‬لقد عشت التجربة بوعي حاد،‮ ‬وألتمس منك العذر أيها القارئ في ما أقول،‮ ‬فلا أنوي أبدا ادعاء الموهبة،‮ ‬ولكني أسوق لك ما أسوق كي تتبين منذ الآن لماذا أنا أروي تفاصيل الأحداث عن سنوات بعيدة خلت،‮ ‬وكيف أقف عند جزئيات متناهية‮. ‬ستري معي أن ذلك كله قد كان مصدر شقاء نفسي لا حد له،‮ ‬وإذ أستنجد به الآن فأراه يغدق علينا معا بثمره فما ذلك إلا من سخاء الأقدار‮. ‬إني أعتزم أن أطرح قضية أخرى لن تقل أهميتها عن أهمية المسألة الجوهرية الأولى،‮ ‬إنها قضية الوعي بانتصاب الحكم المطلق،‮ ‬أعني‮: ‬متى ينجلي الوعي بالظاهرة؟ وكيف يتشكل إدراك الناس لها؟ ماذا يحصل لدى المثقف النقدي من مترتبات ملازمة لذاك الوعي؟ وفي المقابل‮: ‬لماذا يغيب الوعي؟ وكيف تتروض النفوس على مداراة الظلم والطغيان؟ ولكن السؤال الأوجع‮: ‬كيف تتحدد مسؤولية المثقف بعد إدراكه اليقيني أنه أمام حكم دكتاتوري كأشد ما تكون الدكتاتورية؟