ثورات عبيد الخراب... لن تبقي زرعاً ولا ضرعاً!

بقلم: حمد المزروعي

شهدت مدينة البصرة، جنوب العراق، ثورة عرفت بثورة الزنج، خلال القرن الثالث الهجري (القرن التاسع الميلادي)، وهم الذين ثاروا على الحكم العباسي وأسسوا حكومة محلية لهم في البصرة، ليتوسعوا منها إلى الأصقاع والأطراف، وكانت عاصمتهم تسمى بالمختارة، تلك التي سماها صاحب الزنج، أي قائد الثورة، بهذا الاسم. استمرت الثورة خمسة عشر عاماً (200 - 270 هـ)، وذلك عندما جندت الدولة العباسية كل الامكانيات لصدها، فكانت واحدة من أطول وأخطر الثورات التي قامت ضد العهد العباسي.

قاد الثورة علي بن محمد، الذي ادعى له نسباً علوياً يحرك به الأتباع كيفما يشاء، نسبٌ يستثمره في التعاطف معه، وجذب التأييد من الناس البسطاء، وقد أحله اتباعه من أنفسهم منزلة كبيرة، فجبي له الخراج، وهذا هو بيت القصيد.

نتج عن هذه الثورة خراب ودمار كبيران في البصرة، من حرق المنازل وقتل الناس بدون وجهة حق، وسلب وسرقة كل ما كان في متناول الأيدي. وامتدت هذه الثورة إلى مناطق واسعة، واتصف محمد بن علي بالشدة مع أعدائه إلى حد التطرف، ووعد اتباعه أن يملكوا كل ما تقع عليه أعينهم، وتحريرهم من العبودية، وهذا التناقض يفرغ الحركة من أية صبغة عقائدية، ويجعلها مجرد حركة مسلحة ضد النظام ذات أهداف ضيقة لا تتعدى الطموح بنيل السلطة.

يعيد التاريخ نفسه اليوم، وبدأت ثورة "الزنج" الجدد في عدة دول عربية، مما نتج عنها من فوضى عارمة، اجتاحت عدة دول عربية، من سرقة الأموال وحرق المقرات الحكومية، ونهب وتصفيات جسدية، ويتكرر المشهد في عدة دول، فتكاد لا تصدق عينك ما يحدث في تونس ومصر، والمشهد يتكرر في اليمن بالعقلية والدقة نفسيهما، وكل من يخالف هذا السلوك المشين، يحسب على النظام السابق.

ما يراهن عليه "الزنج" الجدد هو الأنظمة الغربية، والجمعيات الحقوقية ومفهوم الحرية والتحرر من التبعية، والاضطهاد النفسي، والمطلب الوحيد المعلن هو الإصلاح، والعدل والمساواة، لكن المستور غير ذلك. ما يحدث الآن يطرح عدة تساؤلات، منها: إلى أي مدى ستصمد هذه الثورات؟! ومتى تعي وتستوعب الشعوب بأن الثورات الحقيقية، التي تنفع الأجيال، هي ثورات العلم والمعرفة، والاقتصاد والتنمية، وما عداها هي ثورات عبيد السلطة والمال وخطف الجاه، عن طريق أخذ الناس بالشعار الديني والإغراء الدنيوي، فقد اثبت التاريخ إن مثل هذه الثورات زائلة، تمر بعد أن تدمر ما أصلحه الصلحاء في هذه الأرض، وعمره المعمرون، وعندها لا تختلف في هياجها عن هياج الأعاصير الجارفة، التي لا تبقي زرعاً ولا ضرعاً!

حمد المزروعي

كاتب من الإمارات