ثنائية العلم والخيال العلمي في "حبّ خارج البرد"

سلام كمال أبوقيس تؤكد أن رواية "حبّ خارج البرد" لكامل فرحان صالح من الرّوايات الحديثة الّتي تناولت إشكاليّة الوجود الإنسانيّ في مواجهة ما استجدّ على صعد مختلفة.


سلام ترى أن رواية "حبّ خارج البرد" تنضوي تحت ثنائيّة العلم والخيال المتفشيّة في ثنايا الرّواية


الرّواية تحفل بالعلم وبالخيال العلميّ. كما أن ما تقدّمه الرواية هو الخيال العلميّ المتمثّل برؤية العالم في العام 2032 حتّى العام 2071

أكدت الباحثة اللبنانية سلام كمال أبوقيس أن رواية "حبّ خارج البرد" للشاعر والروائي د.كامل فرحان صالح من الرّوايات الحديثة الّتي تناولت إشكاليّة الوجود الإنسانيّ في مواجهة ما استجدّ على صعد مختلفة، ومنها: العلم والتّكنولوجيا والرومانسيّة والخيال العلميّ والكوارث الطبيعيّة  والنّظرة إلى الحاضر والمستقبل، وفق هذا المستجدّ من زوايا مختلفة: موضوعيّة وغير موضوعيّة، إيمانيّة وغير إيمانيّة. الأمر الذي دفعها لاختيارها محورا لأطروحتها المعنونة بـ "مرايا الذات في ثنائيّة العلم والخيال في رواية "حبّ خارج البرد" لكامل فرحان صالح ـ دراسة بنيوية نفسية" والتي نالت عنها درجة الماجستير أخيرا من الجامعة اللبنانية ببيروت.
وقالت إن أهمية أطروحتها تتأتى من كونها تتناول ما في الرواية من قلق وجوديّ على مصير الإنسان، في زمنٍ بات فيه الارتكاز على الرقميّة أمرًا أساسيًا في حياتنا المعاصرة، وتحوّل الإنسان نفسه إلى رقم، وتغيّر مفهوما الزّمان والمكان، وعمّت ثورة الاتّصالات في كلّ شيء، وبات البشر أمام المعضلة الكبرى المتركّزة في القلق على المشاعر الإنسانيّة: هل يحيا الإنسان من دون مشاعر وأحاسيس؟ هل يتحوّل إلى آلة مسيّرة بتكنولوجيا محضة؟ وهل يُستغنى عنه؟ وهل صحيح أنّ الإنسان يخلق مثيله؟ أمور تطرحها الرّواية، والوقوف لمناقشتها يحتلّ أهميّة بارزة في هذا الزّمن على غير صعيد. 
ولفتت سلام إلى أن رواية "حبّ خارج البرد" تنضوي تحت ثنائيّة العلم والخيال المتفشيّة في ثنايا الرّواية، حيث إنّ الرّواية تحفل بالعلم وبالخيال العلميّ. كما أن ما تقدّمه الرواية هو الخيال العلميّ المتمثّل برؤية العالم في العام 2032 حتّى العام 2071، بالإضافة إلى مسألة الإيمان والإلحاد وقضيّة الموت والحياة.

الإيمان بات سمة نادرة لدى غالبيّة البشر، حيث أصبحوا ملحدين ولا يخافون من الله

وأضافت "أيضا تعود أهمّيّة الأطروحة إلى إفادة القرّاء والباحثين في هذا المجال، من ناحية العلم وسيطرته على الإنسان وتحويله إلى آلة، وموت القيم والمشاعر الإنسانيّة بين البشر، في زمن الفوضى والسّرعة. سأتطرّق إلى مرآة الذّات في الرّواية، كون لها علاقة بالشّخصيّات والإشكاليّة، فمرحلة المرآة تقع من عمر الإنسان بين الشهر السادس والشهر الثامن عشر، وهي فترة يتمتّع فيها الإنسان الصّغير بالقدرة للمرّة الأولى، بالرّغم من افتقاره للقدرة على السّيطرة على نشاطات جسمه، على أن يتخيّل نفسه كيانًا مترابطًا يهيمن على نفسه. وتتعيّن له هذه الصّورة حين يرى صورته في المرآة. بالإضافة إلى ثنائيّة العلم والخيال، كون بعض الشخصيّات تؤمن بأنّ العلم يحلّ جميع ألغاز الكون، لذلك لجأ جزء منها إلى الخيال، ولجأ جزء آخر إلى العلم للهروب من الواقع. 
في ضوء ذلك يهدف هذا البحث إلى الكشف عن ثنائيّة مهمّة تقوم عليها بنية الرّواية، ألا وهي العلم والخيال العلميّ من خلال حوادث وشخصيّات وتنبّؤات يضعها الكاتب، وينظر إليها من خلال ذاته الّتي تتحوّل إلى مرآة تعكس التصوّرات والتّأثيرات المتبادلة بين الحدث الواقعيّ والنّفس الرومانسيّة الحالمة بمستقبل أفضل تتحقّق فيه الأمنيات. إلاّ أنّ الخيبة والاتّجاه إلى التّقوقع، والعودة إلى الواقع بمشكلاته الحادّة، وعاداته وتقاليده تشدّ الإنسان إليه وتجعله يتقاسم الرّؤية بينه وبين الذّات، في زمنٍ لم يحدث بعد، وبخيالٍ علميّ يندفع ما يزيد على خمسين سنة إلى الأمام.
وأشارت سلام إلى دافعين كان وراءا اختيار موضوع أطروحتها: الأول الدّافع الذاتي: ويتركّز على قراءتي القصص والرّوايات العلميّة والخياليّة الّتي تفتح آفاق الذّهن من أجل التخيّل والإبداع. والثاني الدّافع العام: ويتأتّى من كون الرواية غنيّة بالعلم وبخيال علميّ واسع تستهوي من يعجبه هذا النّوع، علاوةً على أنّ هذه الرّواية تطال مستقبل حياتنا نحن العرب، فأين نحن من التطوّرات الكونيّة الحديثة؟ وما مصيرنا في الرّقعة الرقميّة الّتي جعلت العالم قرية كونيّة؟
وأوضحت أن فرضيّة الموضوع تتمحور في تطوّر النّظرة إلى موضوع مرايا الذّات في ثنائيّة العلم والخيال، فالإشكاليّة السّابقة تفرض مجموعة من الفرضيّات الّتي يمكن تبويبها على الشكل الآتي: أولا قد يكون الخيال هو الحلّ الأخير للذّات للخروج من مآزقها. ثانيا ربّما ظهرت الذّوات المريضة في الرّواية من خلال عقدها النفسيّة، وربّما الحزن سيطر على حياتها. ويطرح الكاتب نفسُه فرضيّات وإشكاليّات بُغية الإجابة عن سؤال نفسه: ما هو المصير الإنسانيّ أمام التطوّر العلمي؟ ولِمَ الارتباك الّذي داخل المؤلّف وهو يستشرف المستقبل الإنسانيّ؟ ولِمَ يلجأ إلى الخيال كما يلجأ إلى العلم؟ ولِمَ لَمْ يُجب عن سؤاله النهائيّ: الذات أو الخيال أو العلم؟ ولِمَ أخفق في الإجابة عن أسئلته، وترك تساؤلاته كلّها، وانطوى على نفسه متأمّلاً المستقبل؟
وكشفت سلام أنه بعد القراءة المعمّقة لرواية "حبّ خارج البرد"، وجدت من المناسب اتّباع المنهج البنيوي السّردي مع الاستعانة بالمنهج النفسيّ التحليليّ. وقالت "السرديّة هي المنهج البنيويّ المختصّ بدراسة الرّواية، وحين التحدّث عن البنيويّة يكون المقصود مكوّنات العمل الإبداعيّ، وهي: المنظور الروائيّ والشخصيّات والزّمان والمكان. وإنّ مكوّنات البنية ليست تجميعًا كمّيًّا، لكنّها اجتماع وظيفيّ يأخذ كلّ مكوّن منها مكانه الوظيفيّ بما يتناسب مع الوظيفة الأساسيّة للبنية الكليّة، والمكوّنات مستقلّة لا قيمة لها، بل تستحوذ على قيمتها من دورها داخل البنية.
الرواية موضع التطبيق في الأطروحة "حبّ خارج البرد"، للشاعر والروائي د.كامل فرحان صالح صدرت للمرّة الأولى عام 2010، وقد أهداها "إلى المستقبل كن أكثر إنسانيّة"، وهي تتألّف من مئة وإحدى وخمسين صفحة من الحجم المتوسّط. يضع الرّوائي نبذة عنه وعن أعماله الشعريّة والرّوائيّة، وتُستهلّ الرّواية بكلمة لبطلها كتبها في "بيروت" صباح يوم الأحد 18 / 1 / 2071.

رواية
كامل فرحان صالح

وتتوزّع الرّواية الّتي وضع الكاتب اسمًا آخر لها بين قوسين "ابن الماء"، على أربعة فصول: خارج الموت - خارج البرد - خارج الماء وخارج الحياة، مدعّمًا بداية هذه الفصول ببعض قصائد ومقولات لشعراء وكُتّاب عرب وغربيّين. ووردت في الرّواية بعض الكلمات والأمثال العاميّة "ما تزعل"، "زريبة للطّرش"، "بعد الزّلزال أصبحت الحبّة قبّة".
توزّعت الأطروحة على مقدّمة وفصلين وخاتمة. تحدّثت الباحثة في المقدّمة عن أهميّة الموضوع وأسباب اختياره والإشكاليّة والفرضيّات والمنهج ونقد المدوّنة. وفي الفصل الأوّل تحدّثت عن البناء السردي للرواية من حيث سيمياء العنوان وبناها الكليّة والجزئيّة، ثمّ الوحدات السرديّة الأساسيّة والإدماجيّة، وصولاً إلى محرّك هذه الوحدات. 
وبحث الفصل الثاني في بناء الشخصيّات وهويّتها العقلانيّة، الرومانسيّة والمضطربة وبرامجها السّرديّة، وصولاً إلى البنية الدلاليّة.
وخلصت سلام في المحصّلة إلى جملة من الأمور استنتجتها نتيجة دراسة "مرايا الذّات في ثنائيّة العلم والخيال" في رواية "حبّ خارج البرد"، حيث إنّ البطل في صراعه الدّائم للبحث عن معشوقته وإعادتها إلى الحياة، يتعرّض لعراقيل جمّة تسدّ عليه الطّريق للوصول إلى الهدف المنشود. "

novel
العلم يحلّ جميع ألغاز الكون

"
قالت "ترسم الرّواية شخصيّات متنوّعة فمنها العلميّة ومنها الرومانسيّة ومنها المضطربة. تصارع مجموعة من المعوّقات بكلّ ما تمتلكه من تطوّر وتكنولوجيا وحداثة في جميع مرافق الحياة، في مجتمع متحضّر ومنفتح، وتتّصف بخصائص تشعرها بالنّقص على المستوى النّفسي، ما أثّر في برامجها السّرديّة وعلاقتها بثناثيّة العلم والخيال. وتاليًا، تتأطّر هويّة الشخصيّات النفسيّة تحت عناوين عديدة، يمكن حصرها بالعقلانيّة العلميّة والرومانسيّة والمضطربة. 
نرى أنّ شخصيّة البطل في الرّواية تدلّ على أنموذج الرّجل الّذي يفتك بأغوار حياته حبّه الرّاحل، وما يؤكّد ذلك أنّه يستمرّ في البحث عن بابٍ أملٍ يعيد الحياة إلى معشوقته، فهو يتخبّط منذ صفحات الرّواية الأولى على حبّه المفقود، فيعاني ويتألّم ويكتئب، حتّى تكاد صرخته المدوّية تصل إلى أعماق قلوبنا. وتتجلّى بعض النتائج منها، فقدان القيم الرّوحيّة وانعدام المشاعر الإنسانيّة بين البشر، الإيمان بات سمة نادرة لدى غالبيّة البشر، حيث أصبحوا ملحدين ولا يخافون من الله، عودة الإنسان إلى ذاته وإنسانيّته، العودة إلى اللّه والرّوحانيّات والتّسلّح بالإيمان، الإبتعاد عن الماديّات، ضرورة إيمان الإنسان بالقدر والمصير، العاقبة الوخيمة للتحكّم بالمصير وبمشيئة الله. إنّ التطوّر الحاصل في جميع مرافق الحياة سهّل معيشة الإنسان، كما وعمد إلى تقصير الحدود والمسافات بين البلدان، ولكنّه في الوقت عينه قضى على الإنسان، حيث بات بمقدور الآلة القيام بما يقوم به البشر.