ثمانون ساعة بين الاردن وقطر.. الوجه الاخر للحبيب الصيد

ساعات قليلة فصلت بين زيارة رئيس الحكومة الى كل من الاردن وقطر وبين زيارته امس الى العاصمة الايطالية روما ثاني أهم شريك اقتصادي في اوروبا لتونس بعد فرنسا وفي مقدمة المانحين لبلادنا في السنة الماضية. ثمانون ساعة أو يزيد وبرنامج مزدحم باللقاءات والمواعيد من السياسة الى الاقتصاد الى الثقافة بعضها مفتوح وبعضها خلف الابواب المغلقة ولكنها ساعات قد تبدو كافية لاكتشاف الوجه الاخر للسيد الحبيب الصيد السياسي أحد الرؤساء الثلاث والمسؤول الاول عن خطط وبرامج واولويات البلاد في هذه المرحلة المعقدة وعلاقته بمستشاريه ومرافقيه. ولكن الحبيب الصيد الانسان والمسؤول الذي تقلب عديد المناصب على مدى نحو ثلاثة عقود وصولا الى الحبيب الصيد الفلاح الذي تولى ادارة المجلس التنفيذي لزيت الزيتون باسبانيا وخبر من قبل معدن تونس وتربتها وجهاتها وزيتها وزيتونها الذي كان ولا يزال رمز لتونس وجواز عبور الى الاسواق العربية والعالمية.

الوجه الاخر لرئيس الحكومة

ولعله من المهم الاشارة الى أنه عندما حطت بنا الطائرة الخاصة على أرض تونس في اعقاب رحلة استمرت اكثر من ست ساعات في اختتام المحطة الثانية من زيارة رئيس الحكومة الى قطر وبعد فترة صباحية مكثفة في الدوحة بدأت بتدشين معمل تعليب زيت الزيتون التونسي التابع للشركة التونسية القطرية للصناعات الغذائية مرورا بالمدرسة التونسية ولحظات ممتعة مع التلاميذ هناك الذين حولوا الموعد الى لقاء حميمي وهم يرددون النشيد الوطني الى لقاء مع الاولياء وحديث عن مشاغل التونسيين في قطر والصعوبات التي يواجهونها هناك لا سيما ما يتعلق بتحسين ظروف المدرسة الابتدائية للجالية التي بلغت عشرين الف تونسي يعيشون هناك وصولا الى المحطة الثالثة وكانت محطة ثقافية في زيارة للمتحف الاسلامي ورحلة عبر التاريخ في فضاء يجمع بين الابداع الفني والهندسي في أروع مظاهره جمع بين التكنولوجيا الحديثة وبين ارقى انواع الابداع الهندسي الفاخر ليقدم للزائر ما يمتع النظر ويغذي الروح من لوعات ورسومات واثار من مختلف انحاء العالم الاسلامي من مختلف العصور. زيارة كان الانطلاق بعدها مباشرة الى المطار للعودة الى تونس في رحلة استغرقت اكثر من ست ساعات انطلق بعدها رئيس الحكومة الى مجلس النواب في انتظار التحليق مجددا في الغد الى ايطاليا.

فبماذا عاد الحبيب الصيد وما هي حصيلة الزيارة التي تأتي قبل ثلاثة أسابيع على نهاية العام؟

طوال خمسة أيام وهي الفترة التي استغرقتها الرحلة من الاردن الى قطر ظل الحبيب الصيد طوال النهار حاضرا دوما بين اعضاء الوفد المرافق له واقتصر اختفاؤه على اللقاءات الثنائية بعيدا عن الانظار. وقد علمنا من مصادر مقربة أنه فضل الاقامة في نفس الفندق الذي يقيم فيه الوفد على الاقامة في القصور الفاخرة وكان منفتحا على الجميع. ولعل ما يمكن التوقف عنده أن للرجل الذي عرفناه عبر تلك اللقاءات التلفزية والحوارات التي قدمته للرأي العام التونسي في أغلب الاحيان بمظهر المسؤول المتردد أمام الكاميرا وهي مسألة مرتبطة بالتأكيد بالفريق المحيط به وربما بعدم الانتباه الى الاشكال في التعامل مع مثل هذه المواعيد التي من شأنها ان تعزز موقع أي مسؤول او على العكس من ذلك ان تفقده المكانة التي يستحق رغم ما يتمته به الرجل من ارادة وقدرة على ادارة فريقه حتى ان المقربين منه يجمعون على أنه أشبه بمحرك لا يكل ولا يمل ولا يتوقف عن العمل وهي حقيقة قائمة.

رأيناه طوال الرحلة وحتى على متن الطائرة كثير الاصغاء لمرافقيه مستمعا جيدا للصحفيين ولكل ما يقال له دون أن يمنح المتبع لحركاته الفرصة ليقرأ ما يدور في ذهنه. خلال زيارتنا الى البحر الميت وجدناه في نزهة مبكرة قبل الجميع يستطلع المكان في مختلف اللقاءات وجدناه متأهبا حازما ولكن دون تعسف او استعلاء أو تكبر في توجيه انتقاداته متى اراد ذلك محبا للاكل والحلويات ولا سيما الكنافة اردنية عندما تعد على الطريقة التقليدية تماما كما رأيناه خبيرا في المسائل الفلاحية وخصوصيات الزيت والزيتون وكل ما يتعلق بالفسائل والمشاتل. وخلال تدشين المشروع الزراعي المشترك التونسي الاردني فاجأ الامنيين الاردنيين بالنزول الى الجزء الاسفل من المزرعة والتي لم تكن ضمن الزيارة ولم ينجو الحارس المكلف من انتقادات قائده غير اقراره "بأن الرئيس من طلب ذلك ولم يكن بامكانه منعه من النزول الى ذلك الجزء غير المؤمن من المزرعة".

ملاحظات قد لا تغيب عن أعين ملاحظ ولكن الاكيد أيضا أن ما لا يمكن أن يفوت أيضا أن كل الاجواء المتفائلة والترحيب الرسمي والشعبي طوال الجولة من الاردن الى قطر لا يعني أن المهمة هينة أو أن ثمارها أينعت. ولا شك أن الايام القادمة وحدها كفيلة بأن تقدم النتائج الملموسة وحقيقة الوعود والبشائر التي كان يسرب لها من الاجتماعات المغلقة في الدوحة عن مفاجأة مرتقبة قد تتعلق بالوديعة القطرية وتخفيف الشروط والقيود المجحفة التي ارتبطت بها.

ماذا بعد اذابة الجليد؟

كان من الواضح أن العاصمة الاردنية التي احتضنت أشغال اللجنة العليا التونسية الاردنية المشتركة هي محور أساسي في الجولة الثانية في رحلة رئيس الحكومة. وكان للقاءاته مع العاهل الاردني الملك عبدالله ومنها لقاءه مع نظيره رئيس الحكومة الاردني ووزير الدفاع عبدالله النسور وما تلاها من اتفاقات تعاون في العديد من الميادين وما تلى ذلك من اجواء متفائلة بشان مزيد تعزيز افاق التعاون بين البلدين خاصة خلال اللقاء الذي جمع رجال الاعمال من البلدين في افتتاح فعاليات الشراكة التونسي الاردني واستعراض مجالات الاستثمار بتونس والاردن وخاصة في المجال الزراعي والاستثمار في صناعة زيت الزيتون والصناعات الغذائية وصناعة الادوية والنسيج، بمعنى أن المحطة الاردنية كانت أشبه بطبق الافتتاح في هذه الجولة العربية لاحياء العلاقات التونسية القطرية وتجاوز صفحة لم تكن من دون تداعيات سلبية على العلاقات الاقتصادية والمشاريع الاستثمارية مع الغموض الذي رافق في حينه الدور القطري في المشهد السياسي في دول الربيع العربي منذ البداية ورهانات الدوحة أو دعم للجماعات الاسلامية في مصر وليبيا وتونس وسوريا وما اثاره ذلك من فتور الى درجة الجمود في العلاقات خلال السنوات القليلة الماضية في بلد يحتضن عشرين الف من التونسيين وبينهم من الخبرات والكفاءات الذين كانوا وما زالوا أفضل سفراء لتونس ولما تتمتع به من طاقات وثروات بشرية في شتى الاختصاصات والمجالات وهو البلد الذي يصح وصفه بالحظيرة المفتوحة وكل يوم ترتفع فيها ناطحات السحاب اكثر واكثر وتتوفر فيه مراكز الدراسات والبحوث ومراكز التفكير التي تستقبل على مدار السنة كبار المفكرين والخبراء السياسيين والدبلوماسيين لعقد الندوات الدولية والفكرية ومن بين تلك المراكز مركز "كاتاريا" تلك المدينة الثقافية أو الفضاء الذي يشمل مسارح مفتوحة واخرى مغلقة وقاعات لاحتضان اللقاءات والندوات الدولية وهي التي تحتضن الى غاية نهاية الاسبوع فعاليات ايام تونس موعد مهم لاعادة مد الجسور والمبادرة ربما بوضع الكثير من النقاط على الحروف واصلاح ما يستوجب الاصلاح والمراجعة في تحديد مستقبل العلاقات بما يجعل المصلحة الوطنية فوق كل الاعتبارات والحسابات ويدفع الى فتح افاق جديدة امام الاف الباحثين عن فرص للتشغيل في هذا البلد الغني بامكاناته وثرواته وقد تجاوزت مشاريعه الاستثمارية في اكبر اقتصاديات العالم مجالات التعاون التقليدي لتشمل التكنولوجيا الحديثة والسياحة والرياضة وتنقذ اقتصاد الكثير من تلك الدول من ازمات خانقة.

عمان الدوحة روما والتحديات القادمة

مقاومة الارهاب وتعزيز التعاون الاقتصادي وملف الهجرة السرية تلك هي العناوين المعلنة في زيارة رئيس الحكومة أمس الى ايطاليا والتي تاتي قبل اربع وعشرين ساعة على مؤتمر روما حول الازمة في ليبيا بمشاركة وزيري الخارجية الاميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف إلى جانب بقية دول مجلس الأمن ودول أوروبية وشرق أوسطية بهدف استئناف الضغوط على الأطراف المتصارعة في ليبيا للتوصل إلى اتفاق بشأن تشكيل حكومة وحدة وطنية وسط تصاعد المخاوف من مزيد توسع تنظيم "داعش" الارهابي للسيطرة على مواقع جديدة في هذا البلد المخترق على اكثر من جبهة بما يهدد أكثر من أي وقت مضى الدول المجاورة.

الصيد الذي بحث في روما كذلك العلاقات الثنائية مع ثاني أكبر شريك اوروبي لتونس بعد فرنسا امامه اكثر من ملف بدءا بمستقبل العلاقات الاورومتوسطية مرورا بملفات الهجرة غير الشرعية وما تحمله في طياتها من ملفات متداخلة وصولا الى ملفات تجار البشر وعصابات تهريب المخدرات والسلاح.

قد يكون من المبكر وضع حصيلة لرصد نتائج جولة الصيد الذي التقى في محطته الثالثة في روما الرئيس الايطالي سارجيو ما تاريلا ووزير الاقتصاد والتنمية فيديريكو غيدي ورئيس الحكومة ماتيو رنزي ووزير الداخلية انجلينو الفانو، لكن الاكيد ان بعض مرحلة التقاط الصور التذكارية وتوزيع الابتسامات والتصريحات المتفائلة والتعريب عن حسن النوايا سيأتي موعد اختبار الارادة السياسية وما تحقق أو ما لم يتحقق من كل الاتفاقات والبروتوكولات الموقعة من الاردن الى الدوحة الى روما قبل اسبوعين على نهاية عام وحلول اخر بكل ما يعنيه ذلك من تطلعات وطموحات شعبية واسعة بعد سلسلة من الخيبات والفشل في تحقيق النمو المطلوب.

الصيد يدرك جيدا أن صفحة جديدة مع الدوحة الدوحة تعني بالنسبة للتونسيين ان تأتي بمزيد الاستثمارات والمشاريع الاقتصادية المثمرة على قاعدة الند للند وبدون تفويت في مصالح البلاد وتعني فتح المجال امام المزيد من الكفاءات للبحث عن فرصة افضل للحياة بناء على ما تتميز به من طاقة وخبرة وهي تعني ايضا للجالية التونسية اشارة واضحة للمساعدة على توفير ظروف افضل لابناء الجالية في الدراسة وتجديد العهد مع الرحلات الجوية التونسية والتصدي لكل تلك الصفقات غير القانونية وعمليات التحايل على الراغبين في الهجرة الذين يوقعون عقودا يعتقدون أنها واعدة وستحقق حلمهم في الحياة ولكنهم يجدونها اما وهمية أو غير تلك التي كانوا يعتقدونها وهي تعني بالنسبة لرجال الاعمال التعجيل باصدار القوانين والضمانات التي تيسر لهم الاستثمار والتعجيل أيضا ببحث سبل انشاء الخط البحري المعلن وتفعيل الاتفاقات المعلنة حتى الان.

الحقيقة أن وسائل الاعلام القطرية تولت تغطية زيارة رئيس الحكومة بتفاصيلها وافردت للقاءاته موقعا بارزا في الصحف كما في القناة القطرية وقد خصصت صحيفة "الراية" مساحة مهمة للحدث التي استقطب اهتمام العالم في العاشر من ديسمبر وحصول تونس على جائزة نوبل للسلام وهي اشارات مهمة لن تكتمل قبل تفعيل الاتفاقات وتحويل الوعود الى واقع ملموس.