ثلاثي أضواء السياسة... المالكي والشهبندر ومشعان

من الصعب كثيرا التنازل والكتابة عن شخوص دفعوا إلى السياسة دفعا دون أن يكون لهم مقومات السياسي الحقيقي وبقوا يعيشون على هامشها ليرتزقوا منها، ولكن عندما يتصدر المهرجون المشهد السياسي في أي بلد فستضطر للحديث عنهم بشكل أو بأخر عند تناولك لأي من الظواهر السلبية في هذا البلد. فقد ابتلي العراق اليوم بأشخاص يطلق عليهم (جزافا) "سياسيون" لا يملكون منها إلا الثرثرة الفارغة والتنقل بين زواياها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ويقفزون من موقف سياسي إلى آخر بشكل يدعو للتقزز في الكثير من الأحيان. وأمثال هؤلاء كثيرون إلا أن أكثر من ينطبق عليهم هذه المواصفات هما شخصان أصبحا رمزين لما يعانيه العراق من فساد وتخلف وهزال ونتجسد فيهم تماما كل المهازل الموجودة في العراق الجديد وهما المدعو عزت الشهبندر وزميله مشعان الجبوري ممن تنطبق عليهم النظرية القرآنية التي تقول "ويخلق ما لا تعلمون".

فعزت الشهبندر شخصية مغمورة طفت على السطح في الآونة الأخيرة مع ائتلاف دولة القانون بعد أن "لف" على كل القوائم العربية في العراق ولم يجد ضالته إلا في ائتلاف المالكي الذي كان يضم من أمثاله الكثير ممن لا يملكون تاريخا سياسيا أو خبرة في عالم السياسة. فأصبح ولائهم المطلق لولي نعمتهم المالكي. وفي المقابل فان المالكي رأى في شخص عزت الشهبندر هذا النموذج الأمثل الذي يستطيع أن يستعين به في القضايا والأمور التي تحتاج إلى شخص يكون وليد لحظته دونما تخوف على ارث سياسي يمتلكه ويحرص على عدم تشويهه، فلو تتبعنا أداء الشهبندر خلال السنة الأخيرة فسنقف أمام شخص بلا طعم ولا رائحة ولا لون تثير تصريحاته الضحك والسخرية.

يبدو أن الرجل في أعماقه يعتبر نفسه من فطاحل الساسة في العراق ويظهر هذا في تصنعه للهدوء والرزانة في معظم لقاءاته الصحفية على الفضائيات ذلك الهدوء الذي لم يستطع السيطرة عليه في الآونة الأخيرة لكثرة المواقف المحرجة التي ادخل نفسه فيها، فتصريحاته حول الشكوك التي أثيرت حوله في صفقة الأسلحة العراقية من روسيا وكذلك تصريحه بعد أن رفض السيد مقتدى الصدر مقابلته في لبنان وأخيرا انفجاره في وجه مذيع إحدى القنوات الفضائية العراقية بدون مبرر تكشف لنا عن شخصية متوترة مهزوزة لاتملك من الحكمة السياسية شيء وتعاني من عقد مركبة في دواخلها.

أما الشخصية الثانية فهو السياسي (المحنك جدا) مشعان الجبوري الذي تربطه بعزت الشهبندر علاقات قوية مكنته وبعد سنوات عديدة من اتهامه بقضايا فساد وإرهاب من إسقاط كل هذه التهم عنه ليكونا شاهدين على فرية استقلالية القضاء العراقي ونزاهته. فمشعان هذا وهو بعثي سابق كان قد هرب في التسعينات من العراق بعد خلافات شخصية مع نظام الحكم آنذاك وكان يتنقل بين كردستان العراق وسوريا أسس خلالها صحيفة تدرب بواسطتها على كيفية الارتزاق من الإعلام، وبعد دخول جيش الاحتلال الأميركي للعراق دخل معها لمدينة الموصل على أمل أن يحصل له على قطعة من الكعكة العراقية آنذاك إلا أن أهل الموصل لفظوه باعتباره شخصية غير مرغوب فيها ليدخل بعدها إلى البرلمان العراقي بتزكية من شخصيات سياسية عراقية. وقد انعكست نفسية الرجل على أدائه في البرلمان العراقي فتصور أن الصوت العالي والزعيق في أروقة البرلمان هما الوسيلة الناجحة للظهور، فقام باستعراضات فارغة في البرلمان ضد الخط الشيعي ظنا منه أن هذا التوجه سيزكيه عند أسياده الأميركان إلا أن السفن جاءت بما لا يشتهيه وكشفت التحقيقات تورطه في قضايا فساد وإرهاب لجا على أثرها إلى سوريا ليبدأ من هناك محاربة الحكومة العراقية عبر فضائيه هزيلة كانت تمارس الإعلام بنفس النهج الذي كانت وزارة الإعلام العراقية في وقت صدام تمارسه وعاد إلى لعبة الارتزاق من الإعلام حيال بعض الأنظمة العربية آخرها كانت وقوفه مع نظام القذافي ضد ثورة الشعب الليبي أملا في عطايا من نظامه، إلا أن سقوط القذافي السريع حطم آماله الكبيرة في استثمار هذا الحدث. وحدث ما لم يكن في حسبان الجبوري حينما بدأت الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد أوصلته لقناعة مفادها أن سقوط بشار سيجعل من الصعوبة عليه بما كان أيجاد موطئ قدم له في دولة أخرى فأخذت فضائيته تغير لهجتها الحادة تجاه المالكي وأعوانه إلى لهجة اقل حدة ثم إلى ولاء وطاعة مطلقتين ليصل الأمر به إلى وصف المالكي بالزعيم الوطني بعد أن كان يصفه بأبشع الصفات. في المقابل تلقف المالكي هذا التغير وبدأت الاتصالات بين الطرفين لتنتج عنها صفقة إسقاط كل التهم الموجهة إليه. وهكذا رجع الجبوري إلى بغداد في صفقة تظهر تماما مهزلة دولة القانون المالكية.

قد يتصور البعض أن مجيء مشعان الجبوري هو من اجل الوقوف ضد الإرادة الكردية في ضم الأراضي المستقطعة من إقليم كردستان وان المالكي سيستخدمه على هذا الصعيد وهو ما يحاول الجبوري نفسه إظهاره للرأي العام في العراق من خلال تصريحاته التي أدلى بها قبل أيام ليخفي ورائها السبب الحقيقي لمجيئه خصوصا في هذا الظروف الحرجة التي يمر بها العراق لا سيما وان الشارع السني يشهد انتفاضة لم تستطع حكومة المنطقة الخضراء إيقافها لحد الآن، وتوقيت مجيء مشعان في هذا الوقت بالذات وبهذا الشكل المفاجئ يظهر أن المالكي ينوي استخدامه لشق الصف السني وتشتيته أكثر ما هو مشتت ولاستمالة بعض الوجوه السنية وتحييدهم عن التظاهرات ممن لهم علاقات وثيقة مع الجبوري. لهذا أتصور أن مشعان الجبوري يعتبر خطرا حقيقيا على المكون السني العربي. وبمجيء مشعان الجبوري تكتمل حلقة حكومة علي بابا والأربعين حرامي لتحول العراق إلى فريسة تنهش منها جماعة دولة القانون وعملائها وإسكات الأصوات الوطنية التي تحاول إنقاذ البلد من براثن هؤلاء المهرجين.