ثلاثية الشعب... الدستور... الاحزاب الكردستانية

في ظروف معقدة كالتي يمر بها العراق خارجيا وداخليا تثار في كواليس السياسة في كردستان قضية اقل ما يمكن ان يقال عليها انها بطر سياسي يصب في خدمة بعض الاحزاب الصغيرة والتي تريد ان يكون لها مكان تحت شمس السياسية في كردستان وان كان على حساب استقرار الوضع السياسي فيها وهي مشكلة الدستور ورئاسة الاقليم لتعم بظلالها على المسيرة الديمقراطية الواعدة فيها.

بعيدا عن الاهواء والأمزجة الصفراء وليس دفاعا عن السيد مسعود البارزاني اقول ان الوضع الكردستاني لا يزال يعيش حالة ثورة كما كان قبل ثلاث عقود. فكردستان ما زالت تواجه تحديات كبيرة تقليدية ومستحدثة فيما يتعلق بالتطورات التي تمر بها دول المنطقة العربية، وليس من المنطق تحميل انفسنا اعباء سياسية اضافية تثقل كاهلنا عن الوقوف ضد هذه التحديات. ومع عدم وجود ثورات ديمقراطية على مر التاريخ البشري إلا ان ما نشهده في كردستان يعبر عن حقيقة تطلع القادة الكرد وعلى رأسهم البارزاني الى مجتمع سياسي ديمقراطي رغم وجود الكثير من المعوقات.

يبدو ان بعض الاحزاب الصغيرة العاملة في الاقليم تحاول استيراد التجربة المالكية من بغداد وتطبيقها في كردستان. تلك التجربة التي تعتمد على استغلال اثارة الازمات للحصول على مكاسب سياسية من خلال خلط الاوراق مهما كانت تبعات تلك الازمة وإلا فما الداعي من اثارة هذه الازمة حاليا؟

ان اصرار هذه الاحزاب على احالة دستور الاقليم الى البرلمان للتصويت عليه وتعديله ليس له سند قانوني او شرعية سياسية كما يدعون، فهذه الاحزاب هي من شاركت في صياغته قبل سنين ولا توجد احزاب جديدة دخلت المعترك السياسي في كردستان حتى تكون لديها افكار جديدة تخدم توجهات الدستور والديمقراطية في كردستان، وليس هناك مستجدات ظرفية تحتم تغير بعض بنود الدستور على اساسها فما الداعي من عرضها على البرلمان مرة اخرى؟ ولماذا يمنعون الشعب الكردي من ان يدلوا بدلوه في القبول بالدستور او رفضه، وما الضير من عرضه على الاستفتاء الشعبي وتقبل ما يرتئيه الشعب سواء بالرفض او القبول وفي حالة الرفض فان ارجاعه الى البرلمان بغية التعديل والتصويت عليه من جديد سيكون خيارا ديمقراطيا لن يرفضه.

الغريب ان كل الاحزاب الكردية الداعية الى تعديل الدستور في البرلمان قبل عرضه على الاستفتاء تمتلك ايدلوجيات سياسية تعتمد في اساسها على الفكر الواحد والذي يلجا الى الخيار الدموي في سبيل التمسك بالسلطة، ولا اعرف كيف يجتمع الفكر المتأثر باليسارية مع فكر الاسلام السياسي على تجذير الديمقراطية في كردستان وكلاهما لا يؤمن بهذه الديمقراطية في ايدلوجياتهم؟ وكيف يمكن لأحزاب ان تدعي التطلع الى مجتمع ديمقراطي وهي منغمسة الى اذانها في المناطقية وكيف بأحزاب اسلامية تؤمن بحاكمية الهية ان تدعي تناوبا ديمقراطيا للسلطة؟ اسئلة تدور حولها الكثير من علامات الاستفهام.

على الحزبيين الكرديين الرئيسيين (الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني) ان ينتبها الى الابعاد الاقليمية في هذه الازمة ، فليس من المستبعد تورط دول اقليمية في الحراك السياسي الموجود حاليا في كردستان في محاولة لاستعمال الاحزاب الصغيرة والدفع بالأمور الى حافة الهاوية فيها وخاصة الدول المتورطة في الربيع العربي من الجانبين. فالدول العربية التي شهدت فوضى الربيع العربي كانت الثورات فيها تبدأ بمشاكل سياسية تتطور بعد ذلك لتتخذ شكل العصيان المدني ينتقل بعدها الى العصيان المسلح. والاتصالات التي جرت بين قادة بعض هذه الاحزاب وبين ايران او حتى بغداد والزيارات المتبادلة لا يمكن فصلها عما يجري حاليا في كردستان من توتير للوضع السياسي.. وكذلك العلاقات الوطيدة بين بعض الاحزاب الاسلامية الكردية وبين تركيا لا يمكن وضعها بعيدا عن الاجندات هذه.

كردستان هي الاقليم الوحيد الذي تمكن من تجاوز اسباب فوضى الربيع العربي ولم تطاله تأثيراتها لا من قريب ولا من بعيد في الوقت الذي تأثرت اغلبية الدول العربية بما يسمى بالربيع العربي، ومحاولات بعض الدول والقوى لجر المناطق العربية في العراق الى اتون هذه الفوضى يعتبر جرس انذار لحكومة الاقليم وأحزابها من امكانية وصول شرارة هذه الفوضى الى كردستان حتى وان كان بأسلوب اخر. وان كان التباين المذهبي غير موجود في كردستان فهذا لا يعني اننا في مأمن وإثارة مشكلة الدستور قد تكون بداية لتوتير الاجواء للدخول في صراع سياسي، فكردستان شأنها شان كل مناطق الشرق الاوسط فيها نقاط ضعف معينة تتعلق بانتماءات حزبية او مناطقية وحتى دينية يمكن استغلالها من قبل اطراف خارجية وترسيخها لما يصب في اثارة الفوضى فيه ناهيك عن وجود تيارات الاسلام السياسي والتي تمتلك استعدادا ذاتيا للانسلاخ عن العملية السياسية في كردستان ان سنحت لها الظروف ذلك.

للأسباب المذكورة اعلاه اجد ان القادة الكرد مطالبون الان اكثر من أي مرحلة سابقة للابتعاد عن الاجندات الخارجية وإعطاء المصلحة القومية اولوية في الصراعات السياسية الداخلية لان اللعب بالنار في هذه المرحلة ستحرق الجميع دون ان يسلم منها احد.