ثلاثية التضاد والتلاقي تجمع كاميرون وكليغ وميليباند

لندن - من عبد الغني عويفية


كم سيستمر التحالف؟

يستعد قادة الأحزاب السياسية الثلاثة الرئيسية في بريطانيا لخوض غمار دخول سياسي جديد وسط أجواء من القلق والترقب مرتبطة بالأزمة الاقتصادية التي مازلت تجثم بظلالها القاتمة على حاضر البلاد وبدون أي يلوح في الأفق أي سبيل للخروج منها.

ويجد رئيس الحكومة وزعيم حزب المحافظين ديفيد كاميرون نفسه٬ إلى جانب وزيره في الاقتصاد والمالية جورج أوزبورن٬ في مرمى انتقادات الخصوم السياسيين٬ وكذا في مواجهة نيران صديقة منبعثة من بعض الأصوات الغاضبة من داخل حزبه٬ بسبب سياسة التقشف التي ينهجها منذ وصوله إلى السلطة في ايار (مايو) 2010٬ والتي لم تمكن لحد الآن من وضع اقتصاد المملكة المتحدة على سكة النمو بالرغم من كل التضحيات الجسيمة المبذولة.

وتصاعدت حدة الغضب والاستياء ضد كاميرون في أعقاب التعديل الوزاري الذي قام به مؤخرا في صفوف حكومته الائتلافية. فقد ساهم هذا التعديل٬ الذي راهن من خلاله رئيس الوزراء على التصدي للركود الاقتصادي وضمان مزيد من "التوافق" مع قادة حزب الليبراليين الديمقراطيين٬ الشريك الأصغر في الحكومة٬ في تأجيج مشاعر الغضب في صفوف عدد من نواب حزب المحافظين في البرلمان بما دفعهم إلى التحضير للقيام بثورة ضد رئيس حزبهم.

ويجري حاليا تداول عريضة٬ وقعها 14 من النواب المحافظين٬ في أروقة قصر ويستمنستر "البرلمان البريطاني"٬ تدعو إلى إقالة ديفيد كاميرون من زعامة الحزب. وحسب المحللين السياسيين فإن الأمر يتعلق بخطوة ميئوس منها وغير ذات جدوى على اعتبار أن زحزحة رئيس الوزراء من منصبه تتطلب جمع 46 توقيعا على الأقل من أجل فتح الباب أمام البدء في نقاش بخصوص الموضوع.

وفي خضم هذا الجدل٬ يطفو اسم عمدة لندن الكبرى بوريس جونسون باعتباره الخليفة المحتمل لديفيد كاميرون ولاسيما في أعقاب النجاح الساحق والمدوي الذي حققته مدينة لندن خلال تنظيم الألعاب الأولمبية والبارالمبية هذا الصيف.

على أن العديد من الأعضاء النافذين في حزب المحافظين يعملون بهدوء من أجل إخماد فتيل التوتر وتسوية الأوضاع مؤكدين على ضرورة منح الحكومة الوقت الكافي لتأهيل اقتصاد البلاد الذي يعاني الكثير من المشاكل والصعوبات.

وأشار جون ميجور٬ رئيس الوزراء السابق عن حزب المحافظين٬ في هذا السياق إلى أن المملكة المتحدة استطاعت التعامل بشكل جيد مع ظروف الأزمة الاقتصادية بفضل سياسة ديفيد كاميرون مؤكدا على أن الاقتصاد أضحى الآن مؤهلا لاستعادة عافيته في وقت قريب.

وأضاف أن من شان النزاعات والصراعات داخل الحزب أن تؤثر سلبا على مستوى شعبيته وتعمل بالمقابل على رفع نسبة تأييد خصمه حزب العمال.

وكان ديفيد كاميرون قد أكد في مقال موقع باسمه نشر على صفحات العدد الأخير من أسبوعية "ميل أون صاندي"٬ أن فريقه الحكومي عازم بكل ثقة على مواجهة التحديات٬ بالرغم من يقينه بصعوبة المهمة.

وأشار إلى أنه بالرغم من الركود٬ فإن الاقتصاد البريطاني واصل خلق قدرته على خلق مناصب الشغل٬ مؤكدا سعيه إلى الاستفادة من نجاح الألعاب الأولمبية لتعزيز تنافسية ودينامية الاقتصاد عبر تعزيز العلاقات مع الدول التي يحقق اقتصادها مستويات نمو سريعة.

والواضح أنه بالرغم من قدرة رئيس الوزراء على الحفاظ على جزء من شعبيته في أوساط الناخبين٬ فإن وزيره في المالية جورج أوزبون يعد الحلقة الأضعف بالنسبة للفريق الحكومي. ذلك ان سياسة التقشف التي ينهجها القائم على وزارة الخزانة (المالية) ساهمت في تأجيج مشاعر الغضب والكراهية ضده والمطالبة بتغييره بوزير الخارجية الحالي ويليام هيغ.

وكان استطلاع للرأي أجري في شهر اب (اغسطس) الماضي قد أظهر أن نحو نصف الناخبين البريطانيين يأملون في رحيل وزير الخزانة (المالية) جورج أوزبورن بسبب فشله في إعادة تنشيط اقتصاد المملكة المتحدة.

ورغم هذه الانتقادات٬ فقد حرص ديفيد كاميرون على تجديد الثقة في وزيره ٬ انطلاقا من إيمانه بأن أي تغيير على رأس هذه الوزارة الهامة٬ قبيل إجراء الانتخابات التشريعية المزمع تنظيمها سنة 2015٬ وفي ظل وجود احتمال قوي لإجرائها قبل ذلك بسنة٬ يعد مؤشرا سيئا وسلبيا ولاسيما تجاه الأوساط الاقتصادية والمالية.

ومن جهة أخرى٬ يبدو أن حظ نيك كليغ زعيم حزب الليبراليين الديمقراطيين ونائب رئيس الحكومة ليس أحسن حالا من كاميرون. حيث يواجه كليغ٬ انتقادات بتقديم تنازلات لفائدة شركائه المحافظين مما جعله عرضة لدعوات بالإقالة من منصبه وإفساح المجال أمام زعيم سياسي جديد قادر على تمكين الحزب الذي يعد القوة السياسية الثالثة في البلاد من استعادة ثقة الناخبين والتي تبددت بعد قراره المشاركة في حكومة الائتلاف في أعقاب انتخابات ايار (مايو) 2010.

ويعتبر أعضاء في حزب الليبراليين الديمقراطيين أن فينس كيبل٬ الوزير المكلف بشؤون المقاولات٬ الأكثر قدرة على قيادة حزبهم في الانتخابات التشريعية المقبلة.

وبالرغم من تأجيل النقاش٬ حاليا٬ بخصوص مصير كليغ داخل الحزب إلى أجل غير مسمى٬ فإن هناك مجالات كثيرة لعودته بقوة إلى الواجهة في ظل التحديات التي يفرضها الدخول السياسي الجديد٬ حيث يفرض على الحزب إبداء آراء ومواقف بخصوص العديد من القضايا السياسية والاقتصادية الرئيسية٬ ولاسيما في ظل شروع الأحزاب السياسية للترويج لمواقف تحظى بقبول الناخبين في ظل اقتراب موعد الانتخابات التشريعية.

أما على مستوى المعارضة٬ ممثلة في حزب العمال٬ الذي يعيش أزهى فتراته في ظل ارتفاع محسوس ومتواصل في مستويات شعبيته٬ فإنه يواجه خيارا صعبا ومصيريا يتمثل في ضرورة تقديم بديل مناسب وخيارات مقبولة من لدن الناخبين الائتلاف الحكومي الحالي.

ويواجه زعيم الحزب إد ميليباند٬ في هذا السياق تحديا كبيرا وذلك في ظل عدم قدرته على فرض نفسه كخليفة محتمل لكاميرون بسبب افتقاده إلى كاريزما سياسية واضحة وقوية.

وكان ميليباند قد أشار في تصريحات صحفية سابقة إلى أنه سيسير٬ في حال فوزه في الانتخابات التشريعية المقبلة٬ على نفس خطى خصومه المحافظين في مجال تقليص عجز الميزانية.

وقال إنه سيكون من غير الواقعي ولا المقبول الاستمرار في صرف ملايير الجنيهات مؤكدا بالمقابل على أنه سيقوم باعتماد تغييرات مهمة على مستوى القواعد الاقتصادية تقوم على إعادة توزيع عادل للثروات.

ويواجه زعيم حزب العمال٬ والذي يؤكد المحللون أن ارتفاع مستويات شعبيته يعود في جزء منه إلى حصده أصوات الكتلة الناخبة لحزب الليبراليين الديمقراطيين الساخطة على سياسة حزبها٬ تحديا رئيسيا يتمثل في إقرار خيارات سياسية مقنعة للتميز عن خصومه المحافظين٬ ولاسيما في ظل وجود يقين مسبق بأن الحكومة المقبلة ستكون مضطرة للتعامل مع صعوبات اقتصادية كبيرة ستحد بشكل كبير من هامش المناورة لديها.