ثقافة الموت

بقلم: د.نوف علي المطيري

يعتبر من سابع المستحيلات هذه الأيام أن تمر نشره إخبارية دون أن تحتوي أخبار قتل أو تفجيرات في بلد عربي. فقد أصبحت التفجيرات والمظاهرات ومناظر الأشلاء المتناثرة بين حطام السيارات وأنقاض البيوت أو المباني المدمرة مناظر وأخبار عادية تألفها الأذن والعين العربية.

يأتي العراق وفلسطين في مقدمة الدول العربية التي يحدث بها القتل والتدمير، وقد انضمت لهما مصر واليمن ومؤخرا سوريا، ومن قبل كانت الجزائر مسرحا للقتل.

تبلد الإحساس ومات الضمير عند الإنسان العربي، وأصبح يتناول طعامه وهو يشاهد مناظر القتلى والجرحى وهم يستغيثون ويصرخون، وعندما ينزعج يقفل التلفاز بكل هدوء، ويواصل أكل طعامه أو يذهب للنوم قرير العين دون شعور بالخجل أو أحساس بمعاناة الأسر التي فقدت أحبابها.

وقد دفعني ازدياد حوادث العنف للتساؤل: هل تحول العنف إلى ظاهرة تتكرر كل يوم ولا أمل في القضاء عليها؟ لقد أصبحنا نتلقى جرعات لا تنتهي من أخبار القتل والدمار وكأن القتل جزء من حياتنا وعادتنا المتوارثة التي لا يمكن الاستغناء عنها؟

ويلعب غرور الحاكم العربي دورا في انتشار العنف، فهو يأبى عليه أن يتنازل عن الحكم حقنا للدماء فيحول بلده لساحة يمارس فيها سياسة القتل والدمار، حتى يبقى على عرشه حتى لو كان الثمن قتل جميع شعبه كما هي الحال هذه الأيام في سوريا. كما تلعب الأحزاب المتصارعة على السلطة دورا أخر في تأجيج العنف كما هي الحال في العراق واليمن، فهي تقذف بأنصارها إلى ساحات وميادين الموت ليقتلوا على يد رجال الشرطة أو خصومهم، ليصلوا هم في النهاية للسلطة واقتسام الغنائم والمناصب.

لم تعد في عالمنا العربي قيمة للإنسان، فما هو إلا مجرد رقم في التعداد السكاني. والمشكلة الأعتى أن القاتل سواء كان حاكما أو تنظيما يقدم بكل بجاحة عشرات الأعذار لجرائمه المروعة بحق المدنين العزل. فمرة يقتل بحجة مكافحة الإرهاب ومرة بحجة العمالة للغرب أوللقاعدة التي تحولت لشماعة يعلق عليها كل سفاح جرائمه المروعة.

حينما يقتل مواطن في أميركا أو أوروبا تقوم الدنيا ولا تقعد بسبب الثقافة التي تقدس حياة الإنسان وقيمته، بينما نتناسى تلك القيمة التي أكدها ديننا الحنيف والمتمثلة في حرمة النفس البشرية، وأن قتل نفس واحدة كقتل جميع البشر. علينا قبل أن نسعى للتغيير في مجتمعاتنا وأن نطمح للتطور واللحاق بركب الشعوب المتقدمة أن نؤسس لثقافة تحترم حياة البشر وتجعل من قتل الأبرياء خبرا يهز وجداننا، وليس مجرد خبر عادي نتنقل بعده لمشاهدة المباريات والأفلام، وإلا أصبح القتل عادة تتوارثها الأجيال ووسيلة للتعبير عن الاختلاف في الرأي.

د.نوف علي المطيري

d.nooof@gmail.com