ثقافة السلم: تساؤلات وتأملات ونتائج

بقلم:الدكتور أحمد صدقي الدجاني

تمهيد
انعقدت في باريس بمعهد العالم العربي يومي 15 و16 تموز/يوليو 2002 ندوة الحوار الثقافي العربي الأوروبي, وقد تعاون على تنظيمها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم وجمعية الدعوة الإسلامية الليبية.
هذه الندوة تدعو إلى خاطري حواراً ثقافياً عربياً أوروبياً شاركت فيه على مدى عقد من السنين بين عامي 1975 و1985, في نطاق الحوار العربي الأوروبي, رئيساً مشاركاً للجنة الثقافة والعمل والشؤون الاجتماعية, إحدى لجانه السبع.
وأذكر أن إنشاءها كان باقتراح من الجانب العربي, ووافق عليه الجانب الأوروبي. وكان الغرض منه إعطاء البعد الثقافي في هذا الحوار حقه ليتكامل مع البعد الاقتصادي, الذي عنيت به لجان ست، ومع البعد السياسي الذي تولته اللجنة العامة للحوار.
وقد كانت ثمار ذلك الحوار طيبة, ومنها التفاعل الذي تحقق بين مختصين وخبراء من الجانبين, وما تم التوصل إليه, والموضوعات التي جرى بحثها، وعقدُ ندوة متميزة عن العلاقات بين الحضارتين العربية والأوروبية بمدينة هامبورغ, ظهرت بحوثها في كتاب.
يتداعى إلى خاطري أيضاً ندوة "الانعكاسات الفلسفية على السلم في عالمنا المعاصر", التي انعقدت بمقر اليونسكو بباريس بين 3 و6 كانون الأول/ديسمبر 1985, وقد شاركتُ فيها ببحث عن "السلام في السياق الإقليمي". واغتنيت ببحوث عدد من أعلام الفكر. وأتطلع اليوم أن أغتني بهذا الحوار الثقافي العربي الأوروبي الذي يتناول في محاوره "مكانة الآخر", "والتربية على الاعتراف بالآخر", "وثقافة السلم". وإسهامي فيه بهذه المداخلة التي اخترت لها عنوان "ثقافة السلم: تساؤلات وتأملات ونتائج".

متى يتردد الحديث بإلحاح عن ثقافة السلم؟
من الملاحظ أن الحديث عن "ثقافة السلم" يكثر حين تنشب حرب, أو يبرز شبح حرب منذراً بقرب وقوعها. ويقوى الشعور بالحاجة إلى "ثقافة السلم" اليوم في عالمنا, مع نشوب حرب في مطلع القرن الحادي والعشرين الميلادي لها سمات خاصة.
تقود هذه الحرب دولة كبرى في عالمنا هي الولايات المتحدة، ويشارك معها بشكل مباشر الكيان الإسرائيلي في فلسطين, الذي يمثل قاعد استعمارية استيطانية تابعة لها، وكذلك حليفتها بريطانيا. وقد أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش بدء هذه الحرب رسمياً يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2001، وأطلق عليها اسم "الحرب ضد الإرهاب", واستهدف بها نظام طالبان في أفغانستان, ومعهم تنظيم القاعدة, بعد أن أعلنها عدواً, إثر زلزلة 11 أيلول/سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن. ودعا جميع العولميين في العالم, والدول الغربية, ودولاً أخرى, للمشاركة فيها, فتجاوبت بدرجات متفاوتة. وحدد القضاء على كل من يقاوم طغيان العولميين وبغيهم بغير حق هدفاً فيها. وأعلن بعد ستة شهور من ذلك الحدث الزلزلة يوم 11 آذار/مارس 2002 دخول هذه الحرب مرحلة ثانية.
كان الكيان الإسرائيلي قد باشر منذ 28 أيلول/سبتمبر 2000 تصعيد عدوانه على الشعب العربي الفلسطيني, باقتحام آرائيل شارون أحد مجرمي الحرب الصهاينة المسجد الأقصى بترتيب من الحكومة الإسرائيلية, التي كان يرأسها أيهود باراك, وبضوء أخضر من الإدارة الأمريكية, التي كان على رأسها بيل كلينتون, وذلك إثر فشل مفاوضات كامب دافيد الثانية.
ولم يلبث التجمع الإسرائيلي الاستعماري الاستيطاني أن انتخب شارون رئيساً للوزراء, وجاء بتكتل ليكود إلى الحكم في مطلع عام 2001. وما أسرع ما باشر شارون, بتفاهم كامل مع الإدارة الأمريكية الجديدة بواشنطن, التي تولاها في الفترة نفسها الرئيس جورج بوش، حرباً منظمة في جبهة فلسطين ضد المقاومين للاحتلال الصهيوني الإسرائيلي, الساعين للتحرر من نيره في الضفة الغربية وقطاع غزة، الجاثم عليها منذ حرب 1967.
وحدد مائة يوم للانتهاء منها، ثم أخذ من الإدارة الأمريكية الموافقة على إطلاق يده على مائة يوم أخرى. وما أكثر جرائم الحرب التي أقترفها الجيش الإسرائيلي في هذه الحرب المستمرة حتى كتابة هذه السطور, ومنها عدد من المذابح, أشهرها مذبحة جنين.
وقد استمرت مقاومة الاحتلال في أوساط الشعب العربي الفلسطيني, وتجلت في صور كثيرة من أقواها تأثيرا العمليات الاستشهادية. ويقول تقرير أذاعته محطة "بي بي سي" البريطانية صباح يوم التاسع من تموز/يوليو 2002 إن الجيش الإسرائيلي قام بعملية اغتيال جديدة استهدفت قيادياً فلسطينياً ضمن مسلسل الاغتيالات. وأن عدد المعتقلين من نشطاء انتفاضة الأقصى تجاوز العشرة آلاف.
والواقع القائم اليوم في هذه الجبهة هو أن الجيش الإسرائيلي أعاد الانتشار في جميع مناطق سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود, التي حددتها اتفاقات "أوسلو" المبرمة بين الحكومة الإسرائيلية وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية منذ أيلول/سبتمبر 1993، وأن المقاومة رغم ذلك كله مؤهلة للاستمرار.
كما تشير أنباء جبهة أفغانستان إلى أن الجيش الأمريكي لا يزال يواجه صوراً من المقاومة في هذه الحرب, التي يمكن أن تحمل اسم "حرب العولمة".
لقد تناول الرئيس جورج بوش في خطابه يوم 24 حزيران/يوليو 2002, الذي انتظره البعض طويلاً, هذا الواقع القائم في جبهة فلسطين, فأعلن "أن الولايات المتحدة تؤيد قيام دولة فلسطينية مؤقتة في غضون 18 شهراً, على أن تصبح دائمة ومستقلة وذات سيادة في غضون 3 أعوام, في إطار تسوية نهائية، إذا كانت هناك قيادة فلسطينية جديدة ومختلفة, ومؤسسات فلسطينية جديدة, وترتيبات أمنية. وأوضح أن هذه القيادة المطلوبة "لا تقبل المساومة فيما يخص الإرهاب".
ونقف أمام هذا المصطلح "دولة فلسطينية مؤقتة", وكذلك أمام هذا الشرط الذي يضع مواصفات للقيادة, تجعلها مستسلمة لمنطق العولميين الأمريكيين وحلفائهم الصهاينة العنصريين. وهذا يعكس ما يحفل به منطق العولميين من تناقض, يتجلى أيضاً في قوله "إن الوضع بائس ويائس بالنسبة للفلسطينيين, فمن الصعب عليهم العيش تحت نير الاحتلال والهجمات الإسرائيلية, وفي الوقت نفسه من الصعب على الإسرائيليين العيش تحت نيران الإرهاب". فهو يعترف بمدى فظاعة الاحتلال الإسرائيلي, ولكنه يعتبر المقاومة لهذا الاحتلال إرهاباً.
تجدر الإشارة هنا إلى أن شعار "ثقافة السلم" جرى طرحه إبان مسيرة عملية "أوسلو". وتشكلت جماعة تتبناه, وتنادي به, اشتهرت باسم "جماعة كوبنهاجن", نسبة إلى لقاء أعضائها من الإسرائيليين والفلسطينيين في العاصمة الدانمركية.
ولم تستطع هذه الجماعة, بفعل ظروف تشكيلها, وتصعيد الحرب الإسرائيلية في جبهة فلسطين على المقاومين من أجل التحرير, أن تصمد أمام معارضة الرافضين لمفهوم "السلم", الذي يطرحه العولميون الباغون بغير حق, وهو مفهوم يعني "الاستسلام" لهم, ويطالب بإنهاء كل أشكال مقاومة الاحتلال, قبل "التفاوض", الذي هو في حقيقته "إملاء" من سلطات الاحتلال على الشعب المحتلة أرضه. ويطرح هؤلاء المقاومون في مقابل "العولمة", التي تتضمن الفرض والإكراه, شعار "العالمية", الذي ينطلق من الاعتراف بالآخر وبحقوقه واحترامه, والسعي إلى إقامة سلام عادل معه.

ماذا عن مفهوم السلم ومضمون ثقافته؟
واضح من ثم أن هناك اختلافاً جذرياً بين مفهوم السلم, الذي يتبناه العولميون, ومفهوم السلم الذي يتبناه "العالميون" الإنسانيون, الأمر الذي يتطلب العمل على تعميم مفهوم السلم, الذي يقوم على احترام الحق, واعتماد العدل. فما هو هذا السلم؟ وما هو مضمون ثقافته؟
يتداعى إلى الخاطر بين يدي الإجابة المحاولات الفلسفية لبلوغ السلام الدائم, ومنها محاولة "إيمانوئيل كانط" الألماني في رسالته "نحو السلام الدائم" عام 1797م, التي تأثر فيها بكتاب دوسان ربيير الفرنسي (مشروع السلام الدائم), الذي تعرف إليه من خلال مؤلفات جان جالوروكر, كما يقول انطون هينين في التعريف بالرسالة.
وقد أوضح هينين "أن كانط لطالما ردد أن حالة السلام بين الناس ليست من فعل الطبيعة, وإنما ينبغي أن تصنعها إرادة البشر, أي أنها ترتبط بالفعل الإرادي, بحيث يتوجب على البشر أن يعينوا سلوكهم بشكل تصبح معه قوانين السلوك لكل واحد بموجب ضرورة الشريعة, وأن تقوم حرية الواحد إلى جانب حرية الآخر حسب فكرة الحق".
ويرى كانط أن الحرية إذا كانت مبنية على هذا الأساس تصبح في مأمن، فلا تتهددها الأخطار الناجمة عن اختلاف اللغات أو الأديان، لأن الالتزام الشخصي الحر, إلى كونه قيمة أخلاقية في حد ذاته, ينمي حركة التقارب بين الشعوب، ويحفز القوى الفعّالة على التسابق إلى الأفضل.

في الخلاصة إن السلام الدائم القائم على العدل والحرية يؤلف أروع مكسب تحققه الإنسانية المتطورة. وكان كانط في مقدمة كتابه "فلسفة الحق" قد عرف الحق بأنه "مجموعة الشروط, التي تستطيع حرية الواحد بواسطتها أن تتوافق مع حرية الآخر، وفق قانون عام للحرية".
إن مفهوم السلم إذا استثنينا "السلم على النفس" في الذات الإنسانية، يتضمن في طياته علاقة بين الأنا والآخر, على صعيد الإنسان وأخيه الإنسان. والأمر نفسه على صعد دوائر الانتماء الأخرى في الاجتماع الإنساني، مواطناً وملة وقوماً وديناً وثقافة وحضارة. ومن هنا كانت العلاقة وثيقة بين ثقافة السلم والاعتراف بالآخر ومكانته.
والسلم بالتعريف البسيط هو "ضد الحرب"، وهو أيضاً "وقف الحرب وإيقاف للنزاع والخصومة"، و"علاقات بين دول ليست في حرب", و"حالة من التوازن المستقر في العلاقات السياسية"، و"حالة من الهدوء والسكينة والراحة العقلية في ظل الصداقة".
ومن تعريفاته الحديثة "هو مجموعة علاقات التعايش والتعاون المتحركة بين الأمم, وفي داخل الأمم، لا تتميز بغياب النزاعات المسلحة فحسب, بل وباحترام القيم البشرية, التي عبر عنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان, وبالرغبة في أن يؤمن لكل فرد أقصى ما يمكن من الرفاه".(1)

واضح من هذه التعريفات أن مفهوم السلام يتطور وفقاً لتطور التجربة الإنسانية، وأن إيقاف العمليات الحربية هو خطوة أولى هامة لبلوغ حالة السلام، ولكن بلوغ هذه الحالة يقتضي أيضاً إيقاف النزاع والخصومة, اللذين أديا إلى نشوب الحرب, والوصول إلى توازن مستقر في العلاقات السياسية. فلابد أن يستقر السلام في النفوس والعقول, على أساس متين من العدل, كي يجلب السكينة والراحة العقلية ويدوم.
ومن معاني السلام في اللغة العربية أنه شجر دائم الخضرة لا يأكله شيء, والظباء تلزمه، وهو أيضاً اسم من أسماء الله تعالى، والديمومة قائمة في المعنيين (2). وواضح أيضاً وجود فرق بين "منع الحرب" و"إقرار السلام". فالتعبير الأول يحمل مدلولاً سياسياً, بينما التعبير الثاني فضلاً عن ذلك, هو مدلول اجتماعي نفسي.
وإقرار السلام يقتضي وجود ثقة متبادلة بين الناس. وديمومة السلام تقتضي أن يقترن السلام بالعدل فيتلازمان كهدفين. وقد قرن السلم بالعدل في ميثاق الأمم المتحدة, لأن الدول, التي أنشأتها كانت تبغي أكثر من مجرد هدنة طويلة، بعد أن أثبتت عصبة الأمم أن الاتفاقات السياسية, التي لا تؤمن العدل قد تلزم الحكومات دون الشعوب, ولا تصل أبداً إلى القلوب.

الدكتور أحمد صدقي الدجاني (1) المؤسسة الفرنسية لدراسات الدفاع الوطني ــ الحروب والحضارات ـ الترجمة العربية ص 451 ـ ص 458 دار طلاس
(2) ابن منظور ـ لسان العرب ـ مادة سلم ـ دار صادر