ثقافة السلام، هل بالامكان ارسائها مع منْ يؤمن بثقافة الحرب؟

بقلم: ابراهيم الهطلاني

هل يحق لنا ونحن نشاهد صور المعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني أن نتحدث عن أي تفاعل ثقافي مع اليهود؟ وهل يقبل من أي مثقف عربي مجرد التفكير في أي تقارب مع من يواصلون إبعاد أهل الأرض عن البيت والمدرسة ودور العبادة بل عن الحياة؟
على أنقاض البيوت والمساجد وعلى جثث الأطفال والشيوخ وتحت قذائف المدافع والصواريخ يتساءل الطفل الفلسطيني عن معنى السلام وتجهل المرأة العجوز مفهومه. أما الرجال فقد ملوا حروفه.
طُرحت في بعض الساحات و الوسائل الإعلامية المقروءة والمرئية قبل الأحداث الأخيرة في الأراضي المحتلة قضية الانفتاح أو التطبيع الثقافي بين العرب وإسرائيل. وهي قضية ليست بالغريبة أو الطارئة فقد سبق طرحها مرارا وتكرارا ورفضها كذلك. وكما وجد الرافضون وجد أيضا المؤيدون وبعض المقرِبون.
يرى المؤيدون للتطبيع، سواء أكان مباشرا بالزيارات والاجتماعات أو غير مباشر كترجمة الفكر والآداب اليهودية إلى العربية والعكس كذلك، إن التطبيع أو الانفتاح على الفكر اليهودي أو الإسرائيلي هو السبيل الوحيد الآمن للوصول مع العقلية الصهيونية إلى نقطة الالتقاء ومن ثم إلى السلام.
ومثل هذه النظرة أو الاعتقاد هي سبب خطورة هذه القضية.
أما الرافضون لكل أشكال وألوان التطبيع مع كل ما هو صهيوني فيرون أن هذه الطروحات اليهودية المغلفة بعناوين ثقافية وأدبية ما هي إلا محاولة صهيونية للوصول إلى عقلية وتفكير المواطن العربي للسيطرة على توجهاته وتغيير معتقداته ليتقبل هذا الكيان الغريب كعنصر فعال في منطقة الشرق الأوسط ويتعامل معه كأمر واقع مع ضرورة الرضا أو السكوت كأقل تقدير عن كل ما تفعله إسرائيل أو ما سوف تفعله من قتل وهدم واستيطان وإيجاد التبريرات لهذه التصرفات.
فالمواطن العربي مازال خارج السيطرة الخارجية وموازين القوى كما انه مازال يمثل مع بعض المؤسسات الثقافية غير الرسمية العائق والسد الأخير أمام الحركة الصهيونية التي استطاعت الوصول إلى كثير من المواقع الرسمية.
وتعتبر الأنشطة والفعاليات الثقافية والفكرية من أهم المجالات التي حاول الاستعمار، الغربي قديما والإسرائيلي حديثا، الدخول منها إلى المجتمعات العربية للوصول إلى اكبر قدر من المؤثرين الفكريين بهدف تغيير موقف الجماهير العربية من الوجود الأجنبي عموما والعدو الإسرائيلي خصوصا. وقد استطاعت بعض المنظمات الغربية الوصول إلى بعض المثقفين العرب والتأثير عليهم بكل أنواع المغريات لجعلهم يتبنون فكرة التطبيع مع الصهاينة وتكوين المنظمات ذات الشكل العربي والمضمون الصهيوني وأبرزها جماعة "كوبنهاجن" والتي تلقى الدعم المالي والرعاية الإعلامية من قبل دول وهيئات أوروبية.
ولقد بذلت كثير من المحاولات المستمرة والزيارات المكوكية، للراعي الأمريكي، لبعض دول المنطقة العربية لإقناعهم، بالترغيب مرة والترهيب مرات، لكي يغيروا موقفهم من الدولة العبرية. ومع انه نجح مع بعض الأنظمة المهزومة داخليا إلا انه لم ولن يستطيع إقناع الجماهير العربية. وهذا ما أكده الشعب الفلسطيني المقاوم وذلك من خلال الرد على الغطرسة اليهودية بكل قوة يمتلكها كما أكدت ذلك بقية الشعوب العربية الغاضبة.
ان الاشكالية المانعة من الاتصال الثقافي بين العرب واليهود تكمن في البعد الايديولوجي المحرف اصلا والذي يقوم على رفض الاغيار بهدف المحافظة على "نقاء الدولة"، وهو اساس تعتمد عليه الدولة اليهودية الحديثة – اسرائيل - وتسعى الى تطبيقه رغم ادعاءها بتفردها كنظام ديمقراطي فريد في المنطقة وهو الادعاء الذي تتخذه اميركا عذرا لدعمها الدائم لهذا الكيان المستنبت.
وفي الوقت الذي يسعى فيه كثير من الكتاب العرب بحسن او سوء نية الى اشاعة ما يسمى اعلاميا "ثقافة السلام" حيث قام الاعلام بدور كبير في تسويق هذه الفكرة جماهيريا بعد ان تم تسويقها وتطبيقها رسميا.
ففي عام 1996 نشرت صحيفة الاهرام مقالا يدعو الى اشاعة ثقافة السلام بين الاطفال العرب عبر البرامج التعليمية والتثقيفية. وهذه الفكرة تعبر عن مرحلة متقدمة في خطة لتغيير مفهوم الصراع العربي الاسرائيلي من صراع وجود الى صراع حدود، وتنفيذا لبنود القرار الاممي رقم 242 الذي ينص على الاعتراف بوجود دولة اسرائيل مقابل اعادة الارض المحتلة عام 1967.
الا ان هذه القرارات واتفاقيات السلام مع تمكنها من التأثير على المواقف العربية الرسمية وبعض الاتجاهات الثقافية وقبولها الايجابي بالوجود الاسرائيلي ومحاولاتها التأثير على ثقافة الجماهير العربية الا ان تلك القرارات وكل اتفاقيات السلام لم تستطع التأثير على العقلية التي تحكم اسرائيل او حتى مجمل الثقافة اليهودية، بدءا بعقلية الطفل اليهودي والعمل على ترسيخ العداء لكل ما هو عربي من خلال مناهج التعليم وحتى عقلية القيادات العسكرية والسياسية.
اما الادب اليهودي فلن يجد القارئ صعوبة في اكتشاف البعد التوراتي في تحفيز الخيال القصصي بشكل خاص والفنون بشكل عام من خلال تأصيل مفهوم الصراع بين عالم اليهود و"عالم الاغيار" ومنع كل من يحاول التأثير على هذا المفهوم بكل الطرق مهما كان مركزه وقد ذهب رابين في سبيل المحافظة على هذا المفهوم.
والانسان العربي في الثقافة اليهودية يمثل جزءا من هذا العالم المصنف ايديولوجيا في العقلية اليهودية التي تنظر الى العربي على انه اخطر مكونات الآخر.
حيث جاء في سفر التثنية "ويلهم الرب موسى قائلا: وان لم تطردوا سكان الارض من امامكم يكون الذي تستبقون منهم اشواكا في اعينكم ومناخس في جوانبكم ويضايقونكم على الارض التي انتم ساكنون فيها". هذا هو اساس الفكر اليهودي المعاصر حيث استمدت الآداب والثقافة الاسرائيلية المعاصرة مفهومها للآخر فاما ازالته واما تسخيره واستمالته ليكون جزءا تابعا للوجود اليهودي وهذا ما تعبر عنه قصة "العشب الاحمر" لبنحاس ساديه كما نقلها البحراوي في كتابه "الادب الصهيوني" وقصة "الاسير" لسميلانسكي. وهناك الكثير من الروايات والافلام السينمائية التي تؤكد ان السياسة والاقتصاد والادب والفن وكل شئ في اسرائيل يعبر عن ثقافة الحرب.