ثقافة الحج في صعيد مصر

مني السلام مع التحية بلغوا ** شوقي الشديد للنبي الهادي

صارت رسوم وأناشيد وطقوس، وداع واستقبال حجاج بيت الله الحرام، واحدة من العلامات اللافتة، التي يشتهر بها صعيد مصر. وتحظى فريضة الحج وما يتعلق بعملية أدائها باهتمام خاص ومتميز في الموروث الشعبي لمدن وقرى الصعيد، وتأتي تلك الأهمية من مصادر عديدة يأتي في مقدمتها سمة القدسية التي ترتبط بها تلك الفريضة، وقد توارث المصريون في صعيد مصر، عادات وتقاليد لا تتغير خلال موسم الحج، تشترك فيها المدن مع القرى، والريف مع مناطق الحضر .

ووفقا لدراسة مصرية حديثة أصدرها مركز الأقصر للدراسات والحوار والتنمية، في مناسبة موسم الحج، فإن تلك العادات والتقاليد، تبدأ فور سماع الحاج لخبر فوزه في قرعة الحج أو تلقيه تأشيرة الدعوة لأداء الفريضة بتحول منزل الحاج إلى مزار لجيرانه وأقاربه وأهالي قريته الذين يفدون لتهنئته وتستمر الأفراح والغناء بالدفوف والزغاريد في كل يوم داخل منزل الحاج حتى حلول موعد سفره للأراضي الحجازية .

وتتواكب مع تلك الأفراح استعدادات الحاج لرحلته إلى المملكة العربية السعودية لآداء مناسك الحج، بتجهيز ملابس الحج وإعداد الأطعمة التي اعتاد الحجاج على أخذها معهم وجميعها أطعمة ريفية جافة لا تتلف بالسفر أو طول المدة مثل "الدقة" المصنوعة من السمسم المحمص و"الملوخية اليابسة" و"القرقوش" – اي الخبز الشمسي المحمص – والجبن القريش. ويحرص كل حاج على إقامة احتفالية دينية يتلى فيها القرآن وينشد المنشدون ويختلف موعد تلك الاحتفالية من قرية لأخرى، فالبعض يقيمها في الليلة السابقة لسفره، والبعض يقيمها في الليلة السابعة بعد عودته من أداء المناسك فيما يسمى بليلة السابع ولوداع الحاج طقوس ومراسم بعضها قديم وبعضها، حديث ومن العادات المتوارثة عند وداع الحاج أولها الغناء له في زفة تشبه زفة عريس لعروسه .

وبحسب الدراسة - التي شاركت فى إعدادها الدكتورة خديجة فيصل مهدي والباحثات دعاء مهران ومنار عبدالصبور ونجلاء عبدالعال الصادق - فقد حفظ لنا التراث الشفاهي المصري عشرات الاغاني والأناشيد التي يشدون الناس بها عند وداع واستقبال كل حاج.

وكما تقول الباحثة المصرية اماني علي فإن صعيد مصر مثال حي على ذلك، فهو بيئة غنية وثرية نشأ فيها محفوظ أدبي وإنشادي كبير وضخم وما يزال موجودا حتى هذه اللحظة ويتزايد علي يد أبنائه من رجال ونساء كمكون شعبي لتقاليدهم وتراثهم يعكس فرحهم وشوقهم لرحلة الحج.

فعمق الفرحة التي تغمر قلوب من كتب الله لهم الحج وأهاليهم تنعكس – بحسب الدراسة - على أناشيدهم التي تعكس حنينا وفرحا وشوقا يصعب وصفه من جهة، وحزنا وأملا من جهة أخرى ممن لم يتمكنوا من أداء الفريضة فالأناشيد الخاصة بوداع الحجاج كما يلحظها المتابع تتميز بالحزن والتشوق والأسى، وهذا ظهر في تناول الكثير من المحترفين من أهل الصوفية الذين أنشدوا للحج معبرين عن شوقهم وحنينهم وعدم قدرتهم على الذهاب للحج مثل قول احدهم :

يا راحلين إلى منى بقيادي ** شوقتمو يوم فؤادي

سرتم وسار دليلكم يا وحشتي ** والشوق أقلقني وصوت الحادي

ويكمل قصيدته موصيًا حجاج القافلة بتوصيل سلامه للرسول عليه الصلاة والسلام:

مني السلام مع التحية بلغوا ** شوقي الشديد للنبي الهادي

ثم الصلاة مع السلام مضاعفا ** وكذا التحية للنبي الهادي

وترى الباحثات الدكتورة خديجة فيصل مهدي ودعاء مهران ومنار عبدالصبور ونجلاء عبدالعال الصادق، أن دور التراث الشعبي لا يقتصر على مثل هذه القصائد التي أنشدها المتصوفون، فقد اشتهرت النساء في صعيد مصر، في الماضي، بكثير من الأناشيد وتحديدا في بيوت الحجاج، حيث ينطلقن بإنشاد الأناشيد والغناء في أثناء إعداد مئونة الحاج من خبز وطعام يكفي القافلة في أثناء رحلتها طريق البر أو البحر، وهو نشيد يغلب عليه وصف الحجاج وزيهم أكثر من الحزن والأسى والشوق، وهي أناشيد لا تزال تحفظها النساء والفتيات حتى اليوم ويقمن بترديدها عند وداع واستقبال الحجاج ومنها :

طرف شال الحجيج ** أبيض من العلامة

وأبيض من لبن الحليب ** يا حاج يوم السلامة

طرف شال الحجيج ** أبيض من القلوع

وأبيض من لبن الحليب ** يا حاج يوم الرجوع

كما يحرص الكثير من المصريين – بحسب الدراسة - علي مجاملة جيرانهم عند عودتهم من الحج، وزيارتهم وتقديم الحلوى والمثلجات والشربات، لهم، تعبيراعن فرحتهم بعودتهم سالمين.

ويحظى الحاج عقب عودته بمعاملة خاصة وسط مجتمعه فهناك أكبر قدر من درجات التوقير باعتباره "الحاج" أقرب واحد من أفراد المجتمع حداثة ببيت الله وبزيارة الرسول صلى الله عليه وسلم، فيكسبه ذلك التقديم على غيره في المحافل والمناسبات الاجتماعية احتراما له وتيمنا بقدسية الحرمين الشريفين. ويكون النداء دائما له مسبوقا بلقب "الحاج"، ويعدّ هذا اللقب جزءا أصيلا من هويته .

وتشير الدراسة إلى أن من ثقافة الحج في صعيد مصر، هي الرسوم التي تنتشر في موسم الحج، لتَظهر منازل الحجاج، وقد تزينت جدرانها برسومات ولوحات فنية ذات علاقة بموسم الحج في الماضي والحاضر، وتعد الرسومات والكتابات الجدارية التي تتُزين بها بيوت الحجاج من مظاهر الابتهاج بالحاج والترحيب والتهنئة بسلامة وصوله.

وترصد الدراسة، كيف صار موسم الحج، موسما لازدهار سوق الرسامين والمغنيين الشعبيين، حيث تستعين أسرة الحاج او الحاجة قبل أيام من عودتهم من الأراضى السعودية، برسام يصور على جدران المنزل وواجهته ذلك الحاج أو تلك الحاجة، وهي تؤدي الشعائر، وتطوف حول الكعبة، وتصلي في الروضة النبوية الشريفة، أو وهي تصعد إلى الباخرة، أو الطائرة وتهبط منها، مع كتابة بعض الآيات القرآنية والنصوص النبوية الشريفة، ومن أشهر من يقومون بعمل رسوم الحج في الأقصر الطيب محمد النجار وإبراهيم أبو عبدالعزيز ومحمد أبوعباس وعبدالوهاب نصير، الرسام والخطاط المعروف بصعيد مصر .

وأوضحت دراسة مركز الأقصر للدراسات والحوار والتنمية، والصادرة في مناسبة موسم الحج: أن الرسومات التي تسجل مناسبة الحج، صارت اليوم أوسع خيالا، وأدق تفصيلا، وأكثر ازدهارا، عبر مواهب فردية، وتحسنت أكثر، في الوقت الذي يسعى فيه مبدعوها لتحقيق أفكارهم الخاصة، وينشط هؤلاء الفنانون في تزيين منازل الحجاج، برسوم للكعبة المشرفة، وصور أخرى تسجل طرق الانتقال للأراضي الحجازية، عبر الزمان بدءا من كوب النوق والجمال ومروراً بالسفينة والطائرة.

كما تسجل رسوم الحج، مظاهر الفرح التي تصاحب سفر الحاج وعودته، مثل وداع الأحبة وتقديم "الشربات" عند العودة، ويبدأ فنانوا جداريات الحج في نسج وإبداع لوحاتهم بإعداد الجدران والواجهات لذلك عر تجديد "محارتها" بوضع طبقة من "الطين" أو الجبس والاسمنت عليها، وفور أن تجف يبدأ الرسم من خيال الفنان أحيانا، وأحيانا أخرى حسب رغبات أصحاب المنزل، ويتداخل خيال بعض الفنانين مع واقعية فنانين آخرين فيصنعون سويا لوحات ذات طابع فني وشعبي غير مسبوق.

وتشير الدراسة إلى أن هذا الفن لم يعد قاصرا اليوم على جدران منازل الحجاج، بل امتد ليزين الفنادق والمقاهي السياحية، ودواوين العائلات والقبائل أيضا .