ثقافة الأسئلة مدخل لتعميق الوعي

التعبير عن اﻷفكار والآراء التي يدور حولها جدل واسع في الساحة الثقافية والدينية في مجتمعنا والسماح لها في وضعها في إطارها الصحيح في سلم التراكم المعرفي والثقافي عبر القراءات النقدية العلمية هي من أهم وأبرز مصاديق المعرفة اﻹنسانية الحديثة، وهي المسار الصحيح نحو تحقيق تصور جديد لنهضة معرفية جديدة.

فالسماح بتحقيق ذلك التراكم المعرفي يعني أننا بحاجة إلى التخلص من هيمنة الرأي الواحد الذي يحاول التدخل في ثقافة الفرد وقناعاته وعلاقته بعالم الأشياء من حوله.

ما نحتاجه اليوم قي مجتمعنا هو تعميق حالة الحوار والنقاش بين أجيال المجتمع وفئاته بالعمل على خلق مسارات جديدة تسهم في تعميق الوعي بين أفراده، وتساعدهم على فهم قضاياهم وحلحلتها بطريقة تتواءم مع العصر وتحدياته.

وهنا، لابد من الاعتراف إننا في مجتمعنا لا زلنا منومين تحت تأثير العادات والاعتبارات الاجتماعية التي اعتدنا عليها في حياتنا حتى البسناها لباسا غير لباسها الحقيقي لتترسخ في نفوسنا كمعتقدات لابد من اﻹيمان بها واعتبار الخارج عليها مرتدا اجتماعيا ودينيا، حتى وجد أبناء هذا الجيل أنفسهم محاصرين بين أمرين إما الخنوع والخضوع للعادات والتقاليد الموروثة البالية وبالتالي العيش في رغد الماضي وأحلام الآباء والأسلاف أو مواكبة المتغيرات الداعية لحالة التجديد والتي لا تتنافى أو تتعارض مع قيم الدين والعقل.

اليوم ومع ازدياد المعرفة الإنسانية ازداد وعي الفرد في مجمعتنا وأصبح أكثر قدرة على تحديد مصيره، لكن ما يؤسف عليه أن عقل هذا الفرد يعيش غربة وتقهقر من العالم المحيط به لكثرة الحجب والموانع المقيدة لحركة تفكيره خارج حدود المسلمات المفروضة عليه.

إن التعبير عن الآراء المتباينة حق ينبغي أن يكفله القانون، وأن محاولة انتزاع هذا الحق أو محاولة تحريفه عن مساره الطبيعي خلاف لفاعلية العقل البشري والتي نشأ عليها.

إن سلب ذلك الحق من الفرد من قبل المجتمع في التعبير عما يختزنه عقله من أفكار ورؤى، يبين ما يعانيه المجتمع من ضعف في علاقته مع تراثه وثقافته، فهو دائما في حالة قلق وتوتر، ناهيك عن حالة الخصام بين أفراده؛ حيث يتحول النقاش من مناقشة اﻷفكار إلى محاكمة اﻷشخاص والطعون في شرفهم وأخلاقهم.

ولعل من المهم هنا التأكيد على أن المجتمعات التي تشهد صراعا فكريا واجتماعيا قائما على أساس مبدئي لا شخصي هي مجتمعات تسير باتجاه عجلة النهوض باﻷفراد نهوضا واعيا، خلاف المجتمعات الصامتة التي تحب العيش في رغد الماضي وتقاليد اﻵباء ولا تقبل بتعدد الآراء فهي مجتمعات جامدة ميتة.

إن التوجس من حالة طرح اﻷفكار المتباينة في المجتمع، ومحاولة محاربتها لن يوقف من مسيرة تدفقها وتداولها في فضاءات المعرفة المتعددة وسيساعد عرضها على تقويمها بين المهتمين بها.