ثقافة إدارة الفشل تتوارثها الأجيال في مصر

تحت عنوان: اعتداء سيدة على ضابط شرطة في المطار، انتشر أحد أشرطة الفيديو، وقد شاهدته كغيري، ومع حزني الشديد، وخجلي من هذه الواقعة، إلا أنني في الحقيقة لم يفاجئني ما بدر من بطلة الفيديو من عبارات التهديد والوعيد، فهذه هي الحال في مصر، ما أن تجبرك الظروف على الاشتباك مع كائن من كان إلا ويبادرك بالعبارة المصرية المشهورة: "أنت عارف أنت بتكلم مين؟"، وغير ذلك من العبارات الاستعلائية التي في الغالب ما يكون قائلها مستنداً على قرابته لأحد المسؤولين الكبار في الدولة، أو معرفته بأحد الضباط أو أمناء الشرطة أو حتى المخبرين.

المهم أن الإنسان المسالم مثلي يجد نفسه في موقف لا يُحسد عليه، فالكل يعلم أن من يضعه القدر في حالة عداوة مع التابعين لمسؤولي هذه الدولة أو ضباطها وأمنائها ومخبريها، فقل عليه "يا رحمن يا رحيم"، فبكل أسف هؤلاء الأسياد لا يرضيهم تطبيق القانون بقدر الواقعة، فلا يكفيهم أقل من أن يروك في حالة من الإذلال التام، فكما يقولون دائماً الورق ورقنا والقانون قانوننا.

هذه العادة السيئة هي إحدى آفات المجتمع المصري التي انتشرت انتشاراً كبيراً وهي نتيجة طبيعية لذوبان السلطات اللامحدودة لبعض مسؤولي الدولة في شخصيتهم وشخصية أقربائهم ومعارفهم.

فعلى الرغم من أن هذه السلطات تُمنح للمسؤول فقط في مكان عمله، وتنزع عنه حين يخرج للشارع فيصبح مواطناً كغيره من المواطنين، إلا أن المسؤول في مصر يظل حاملاً لقبه الوظيفي كالسيف يشهره في وجه من يعاديه سواءً كان بمناسبة عمله أو في المعاملات الشخصية، فيظل الوزير وزيراً، والفريق فريقاً، واللواء لواءً، والعميد عميداً، والعقيد عقيداً، وهكذا إلى أن يتوفاهم الله، فيتلقف الورثة اللقب ويظلون يمارسون حياتهم العامة مستخدمين لقب المرحوم الوظيفي، أباً عن جد، ولا يوجد في الدولة من تؤرقه هذه المشكلة، أو يرى فيها نقيصة تسيء للوطن وتحتاج إلى علاج.

وعودة إلى السيدة بطلة الفيديو التي هددت بأن تهد المطار إذا لم تصعد للطائرة، فهي بالتأكيد لا تجرؤ على التلفظ بهذه العبارات إلا إن كانت تعلم أنها ستتصل هاتفياً بمن يأمر بتحقيق رغباتها، ولا أحد يقول لي غير ذلك، فتلك النوعيات من البشر يموج بهم وطني الحبيب مصر، وفي الغالب هم يدوسون على القانون في جميع الأوقات، ولكن الطرف الآخر في الفيديو، وإن كان قد ظهر في حالة من المسالمة غير المبررة، فإنه لن يصمت على هذه الإهانة، وستدفعه عزة نفسه إلى أن يسعى إلى الانتقام، وهذا ما يجب ألا يحدث، ولكنه مع شديد الأسف يبدو أنه قد حدث.

فقد نشرت الصحف نقلاً عن مسؤول كبير في وزارة الداخلية، بأن السيدة بطلة الفيديو كانت في حالة سُكر، وقد ضُبط بحوزتها 200 غرام حشيش، ورغم أنه من غير المنطقي أن يشتبك أغبى مهرب مخدرات مع ضابط خوفاً من اكتشاف أمره، إلا أنها اعترفت بأنها تحوز هذه الكمية من أجل الاتجار! ربما يكون ذلك صحيحاً، ولكن واقع الخلافات بين المواطن والسلطة، دائماً لا تحكمه الاعتبارات الأخلاقية، ففي مصر العواطف تصنع القانون، ويكفي أن يبث هذا الفيديو على الناس ليطالبوا بلا تفكير بإعدام هذه السيدة، وتقوم وسائل الإعلام الحرة ذات الضمير التي يتمتع بوجودها الشعب المصري بلا فخر ولا حسد، محاكمة هذا التصرف الأحمق من سيدة هي بكل المقاييس مخطئة، ويتم إعداد الرأي العام لتقبل كل ما يوجه لها من اتهامات أدناها تهريب مخدرات بقصد الاتجار.

إن احترام القانون يؤدي إلى عدم نشوء الخصومة بين المواطن والسلطة، ولكن هذا لو كان الأمر لا يتعدى مواطناً يخالف القانون وضابطاً يُطبقه، ولكن ما يحدث أن الأمور تخرج عن السيطرة بسبب سوء الإدارة وعُقمها، فالحدود متداخلة دائماً، ومن بيده السلطة يستطيع أن يفعل ما يشاء بلا رادع، وهذه السياسة مُتعمدة لبث روح الرعب والخوف في الشعب وكسر روحه وإذلال شخصيته، فتسهل قيادته، فهذه السيدة ساقها حظها السيئ لمعركة ليست معركتها، فجهاز الشرطة في مصر بالكامل هو الآن ضدها، لإهانتها لأحد أفراده، ولن تجد من يقول كلمة لإنصافها إذا كانت مظلومة، وسيتبارى الجميع للبحث عن مصائب أكبر من مجرد الاشتباك اللفظي، ليلصقوها بها، وللأسف من سيفعل ذلك سيكون مرتاح الضمير، خصوصاً بعد أن تمت تهيئة الشعب من خلال وسائل الإعلام ضد هذه السيدة التي لم نعرف بداية قصتها ولا ندري سبب اشتباكها مع الضابط، إنما تم فقط تصوير الجزء الذي يظهرها في أسوأ حالاتها والتركيز على تصرفاتها الحمقاء مع الضابط المسالم المنتظر لعدالة السماء.

تلك هي حال شعبكم سيدي الرئيس عبد الفتاح السيسي، وذاك هو إعلامكم، وهذه هي الإدارة التي تعولون عليها في تحديث مصر، وهذا هو أسلوبها في التعامل والعمل، ووسائلها في التخاصم، ومن سوء الطالع أنكم في مثل هذه الأحوال دائماً ما تلجأون إلى تغيير الأشخاص، ويفوت عليكم أن الأشخاص يتعاملون بلوائح وتعليمات لم تتغير أو تتطور من عشرات السنين، وهي تمثل أسلوب إدارة الدولة العقيمة العميقة، وهو أسلوب أوصلنا إلى الفشل في كل شيء، فما هو السر في هذا التمسك المقيت بأدوات لا يؤدي استعمالها إلا إلى الفشل؟

كم وزيراً استبدلتم وكم غيرهم سوف تستبدلون، ولم تتبدل الحال، لا أدري ما الذي سيضير الدولة المصرية لو أنكم قررتم تحديث إدارتها فذلك واجبكم إن كنتم تبحثون حقاً عن النجاح، إنه أهم من أي مشروعات مهما كان حجمها، لأن الإدارة الحديثة هي التي ستضمن إنجاز المشروعات ونجاحها وتحقيقها لنتائجها المرجوة.

للأسف مصر الآن تعيش ثقافة إدارة الفشل ويتوارثها الأبناء عن الآباء، وبالقدر الذي تتخلصون به من أسباب انتشار ونمو هذه الثقافة بالقدر الذي تتمكنون فيه من تحديث الدولة على أسس حديثة يتشكل بوجودها أجيال جديدة رويداً رويداً إلى أن تتوارى هذه الثقافة بلا رجعة، المهم في الموضوع أن نرى بداية، ولكننا مع شديد الأسى والحزن، لم نر تلك البداية المنتظرة، فمتى تجودون، إن كنتم فاعلين؟