ثائرون ضد الثورة!

ربما لم يكن الذين نزلوا إلى شوارع تونس وصنعاء والقاهرة وبنغازي ودمشق يملكون أجندات سياسية أو تصور لما قد تؤول إليه أوضاع بلادهم بعد أن نطقوا لأول مرة كلمة لا، ثم تبعوها بشعار الشعب يريد إسقاط النظام. فجل ما كانوا يطمحون إليه هو أن تغدو بلادهم كسائر بلدان العالم المتقدم، من إحترام لحرية الإنسان، وتوفير لأبسط مقومات الحياة الكريمة في التعليم والعمل والصحة. ربما كانوا يحلمون أن تصبح بلادهم كسويسرا أو على الأقل كماليزيا ذاك البلد الإسلامي المتحضر، ولما لا وهم مثلهم مثل كافة شعوب المعمورة ينتمون إلى نفس الجنس البشري ويملكون رؤوسا تشبه رؤوسهم وأرجلا وأيادٍ تشبه أيديهم وأرجلهم، قد تكون أدمغتهم غسلت لفترة ليست بالقصيرة، بمفاهيم بالية حول تقديس الحاكم،وربما تكون قلوبهم قد ملأ تجاويفها الخوف والرعب من قمع السلطة إلا إنهم حتما لم يموتوا بعد وهاهم حين أنهكتهم الآلام ووحدتهم الجراح، يسطرون ملحمة عظيمة في تاريخ الشرق الحديث، ملحمة ربيع استنهاض قدرات شعوب المنطقة التي ظلت مطمورة تحت رماد الإرهاب السلطوي.

لكن ما أراده الشباب في ساحات الوطن وما كانوا يحلمون به، لم يجد طريقه إلى التحقيق على أرض الواقع بعد، حتى في الدول التي سقط فيها النظام والحاكم الأوحد، حيث سرعان ما تحول الربيع الذي دفع الشباب الدماء لأجل قدومه، إلى خريف لاستبداد من نوع آخر، إنه الاستبداد المحمي بعباءة الدين، لقد تم تحويل البوصلة من ثورة لقلب كل المفاهيم الاستبدادية المهترئة والمتطرفة إلى ثورة لتغيير الشخص الجالس على الكرسي، وبغمضة عين فعل الكرسي فعله العجيب في نفوس الجالسين الجدد فتحول الثائر المطالب بالحرية إلى مستبد يقمع حرية الثائرين ضد حكمه القصير.

في ميدان التحرير بالقاهرة انتفض الثائرون ضد الثورة، نعم ثاروا ضد قمع الثوار الحاكمين، فجأة قضى الثائر الإسلامي على حلم شباب الميدان وخلع المستبد عباءة القوميين ليلبس عباءة فضفاضة أكثر، مبتدءاً نشر تعاليم الإله وإصدار الفتاوى التي تحرم وتحلل، ليظهر من جديد شبح القمع السلطوي مخيماً على شوارع القاهرة وقبلها تونس والى حد كبير ليبيا التي مازالت تعيش حالة صراع بين كتائب الثورة الذين أسقطوا ديكتاتورا شرسا ليتفرغوا للصراع على توزيع الغنائم والهبات ومناطق النفوذ.

هل صدق خامنئي حقا حين وصف في بداية الثورات العربية الربيع العربي بربيع الثورات الإسلامية؟ إن الدلائل الكثيرة الواضحة أمام العين تدل على صدق نبوءته وتصوره فالأنظمة الجديدة في دول الربيع العربي هي أنظمة إسلامية بامتياز، بل وسرعان ما كشرت عن أنيابها في الكثير من الدول وحتى في سوريا بدأت الكتائب الإسلامية تسرق الأضواء من الجيش الحر الذي أُسس أصلا للدفاع عن الثورة السلمية، ولا سيما في الشمال السوري حيث تسيطر كتائب جبهة النصرة وغرباء الشام على بعض المدن والبلدات والقرى، لتقيم فيها شرع الله حتى قبل أن يسقط النظام في الشام ويتم التوافق على شكل الدولة الجديد.

أميركا التي أدركت مؤخرا هذه الحقيقة حول تغلغل الجهاديين في صفوف محاربي الثورة السورية، قامت بإدراج جبهة النصرة ضمن اللائحة الأميركية للمنظمات الإرهابية وربما تتبعها في ذلك العديد من الدول، لتعمل بذلك على منع هذه الكتائب المتشددة من الاستفادة من الدعم المالي والعسكري الأميركي، ومن الواجب على تركيا الدولة الأكثر علاقة مع هذه المجموعات أن تقوم بالعمل ذاته وألا تتبع سياسة عدو عدوي صديقي، بمعنى أن تدعم الجماعات الجهادية المتشددة في الشمال السوري لكبح جماح المجموعات الكردية ومنعهم من إقامة كيان يتمتع بإدارة ذاتية قد تشكل مستقبلا خطرا على وحدة وأمن تركيا، وقد بينت تجارب العالم في دعم هكذا جماعات متشددة، إن ارتداد الأخيرة تجاه داعميهم ما هي إلا مسألة وقت، وقد توضح ذلك في أفغانستان حيث ارتد المجاهدون باتجاه الداعم الأميركي وقاموا باستهداف الأميركان في عقر دارهم في أحداث الحادي عشر من سبتمبر الشهيرة.

إن المسألة السورية تبدو خطيرة للغاية واللعب في الساحة السورية ربما يجلب للمنطقة أخطارا لا تخمد عقباها وهذا ما تبدو دلائله واضحة في لبنان حيث الصراع المذهبي وفي العراق حيث الصراع المحتدم بين الكرد والمالكي حول مسألة كركوك والمناطق المتنازع عليه.

على دول العالم أن تعي حقيقة ما تطمح إليه الشعوب العربية والإسلامية بشكل عام، وألا يدعموا جماعات متشددة وفق مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، على حساب آمال الغالبية الصامتة من الشعب العربي في نيل الحرية والكرامة والقضاء على الفساد والمحسوبية وتحقيق العدالة ولرفاه الاقتصادي، حيث إن سقوط الأنظمة ليست الغاية القصوى لهذه الشعوب وإنما يُعتبر ذلك جسرا للعبور إلى تحقيق المستقبل الزاهر للأجيال القادمة.

يمكن أن نتفهم مشاركة الإسلاميين في التصدي للأنظمة الشمولية والقمعية،نظرا لكون الشعب العربي شعب متدين ومحافظ ولكن التشدد ليس مفهوما أبداً، فالإسلام دين وسط، متسامح، ويحارب التطرف بكل أشكاله منذ بدايات الدعوة الإسلامية، كما إن القلة القليلة من المسلمين تميل إلى التعاطف مع الجماعات التكفيرية العنيفة، أما الأكثرية فهي تميل إلى التسامح الديني والمحبة والدفع بالتي هي أحسن، والبعد كل البعد عن التمييز الطائفي والمذهبي والديني.

اختصاراً قد تحتاج شعوب الشرق إلى المزيد من الثورات لتصحيح مسار الثورة الحالي والتخلص من مفاهيم استبدادية زرعت في العقول لعقود طويلة،وقد يحتاج الإسلاميون إلى سنوات عديدة حتى يقتنعوا انهم لا يمكن أن يفرضوا آراءهم ونظرياتهم ومقدساتهم على كامل الأمة بحجة الغالبية الديمقراطية، لكن الواضح إن المزيد من عدم الاستقرار والفوضى ستعم ساحات ومدن معظم دول الربيع العربي حتى نصل إلى اليوم الذي حلم فيه الثائرون أن تصبح بلادهم كسويسرا أو على الأقل كماليزيا ذلك النمر الأسيوي الإسلامي الكبير.

د. شمدين شمدين