تونس وثلاثية الحرية كحق مضمون والعدالة كحق مكفول والتنمية كحق مشروع

يعد انتخاب تونس في عضوية مجلس حقوق الإنسان بمنظمة الأمم المتحدة، برأي الملاحظين، بمثابة التتويج لجهودها نحو مزيد تفعيل واقع حقوق الإنسان والارتقاء به من مستوى التشريع والممارسة إلى مستوى التطلعات الشعبية، والخروج به إلى فضاءات أرحب تشمل كل الفئات الاجتماعية دون استثناء.
وفي هذا الظرف الذي تحتفل فيه المجموعة الدولية بالذكرى الـ 58 لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ليس غريبا في نظر المراقبين للشأن التونسي وبما راكمته البلاد من تقدم في مختلف المجالات، أن تكون تونس حصدت إجماعا دوليا منقطع النظير وهي التي راهنت على الإنسان وجعلت من الارتقاء به هدفا استراتيجيا منذ أعلن الرئيس زين العابدين بن علي في السابع من نوفمبر 1987 أن الشعب التونسي جدير بحياة سياسية متطورة ومنظمة وأكد حرصه على إعطاء القانون حرمته حيث لا مجال للظلم والقهر. ولقد شكل التغيير ركيزة أساسية في بناء الدولة، وفق مسار قام على مقاربة انطلقت من واقع تونسي صميم، واكتسبت قيمتها المرجعية على الصعيد العالمي، بعد أن أصدع الرئيس بن علي بحقيقة أن حقوق الإنسان هي كل لا يتجزأ لا مفاضلة بين أصنافها ولا تمييز لأحدها على الآخر.
فالمشروع الحضاري للتغيير جاء شاملا لكل مناحي الحياة إذ شمل الإصلاح مختلف الميادين، ومن بينها حقوق الإنسان، من منطلق تأصل هذا المشروع في عمق محيط تونس الحضاري وفي بيئتها الثقافية الثرية، وذلك بمنأى عن كل الانحرافات أو الخطوات غير المحسوبة التي لا تقيم للواقع اعتبارا أو تحاول القفز عليه، فتبقى حبيسة الخطب والشعارات ولا تخرج عن دائرة التوظيف والمصالح الآنية الضيقة.
لقد جنب الرئيس بن علي تونس هذه الطريق عندما كرّس الإصلاحات تجسيما لطموح كل التونسيين في العيش الكريم، وعندما قرن بين ثلاثية الحرية كحق مضمون والعدالة كحق مكفول وبين التنمية كحق مشروع. وعلى هذا الأساس، الذي يضع الإنسان محور الاهتمام ويرى فيه غاية الإصلاح، تدرجت تونس بثبات واقتدار، في ظرف دولي متقلب باستمرار لتجعل من مناعتها الوطنية عنوان نجاح لبلد راهن على تحويل التحديات إلى فرص للنجاح رغم تواضع الموارد والثروات الطبيعية التي لم تحل دون غرق بلدان أخرى في متاهة الفوضى والضياع.
وإذ تمنح المجموعة الدولية اليوم ثقتها لتونس التي حازت عضويتها في مجلس حقوق الإنسان بجينيف بأعلى نسبة أصوات من مجموع 47 دولة قدمت ترشحها لهذه الهيئة الأممية، التي حلت محل لجنة حقوق الإنسان، وحصدت بذلك 171 من 191 صوتا، فإن في ذلك ما يكفي من البرهان على مصداقية وإشعاع مقاربة تونس التنموية التي تراعي النهوض بمجال الحريات وحقوق الإنسان تماما مثلما لا تغفل حق أي من التونسيين بالمدن وبأقصى الأرياف في التنمية وفي مقومات الحياة الإنسانية الكريمة.
وتأكيدا للمكانة الجوهرية لحقوق الإنسان في تجسيم المشروع الحضاري للتغيير في تونس، فقد تم تنزيل مبادئها ضمن الدستور التونسي الذي شهد إصلاحا جوهريا بادر به الرئيس بن علي واستفتى في شأنه الشعب يوم 26 ماي 2002 ، لأول مرة في تاريخ تونس المستقلة. وعلاوة على ما نص عليه بخصوص دعم التعددية السياسية وتوفير مختلف الضمانات القانونية لها فقد وسع الدستور حماية الحياة الخاصة للأفراد وتكريس حرمة الاتصالات وحماية المعطيات الشخصية.
وأظهرت تونس للعالم، من خلال تمسكها بنهج الإصلاح الشامل، أن مجال الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان لا يخضع لوصفة جاهزة، بل هو مسار مثابر لحركة لا تتوقف. فقد تدرجت تونس بالمنظومة القانونية لحقوق الإنسان وأثرتها بالنصوص المستجيبة لمتطلبات الرقي الاجتماعي والاقتصادي لشعبها، وتتالت في هذا السياق التشريعات المتصلة بالحقوق الأساسية والحريات العامة كقانون الجمعيات والمجلة الانتخابية وقانون الصحافة والأحزاب السياسية، فضلا عما كانت شهدته هذه المنظومة في السنوات الأولى للتحول من إثراء بنصوص قانونية وترتيبية لإقامة العدل والمعاملة الإنسانية على غرار قانون إلغاء الأشغال الشاقة والتشغيل الإصلاحي والخدمة المدنية وإلغاء محكمة أمن الدولة ...
كما طورت تونس النصوص القانونية ذات الصلة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لاسيما المتعلقة بحقوق المرأة ورعاية المسنين وحماية المعوقين ورعاية الطفولة والقوانين المتعلقة بعدم التمييز في مجال التشغيل. يوسف عثمان
إعلامي تونسي