تونس: نحو مقاربة نقدية تعتمد منهج الانصاف

كنت في بداية العشرينات من عمري وتحديدا في أواخر حقبة الثمانينات وبداية حقبة التسعينات من القرن الماضي، شديد التطلع الى رؤية هيام ثورة الطلاب الحالمة تأخذ طريقها الى رؤية عوالم البزوغ والانبلاج. ومع تتالي السنوات وتراكم السفر والتجارب وتعمق المدارك وتوسيع دوائر المعايشة والاطلاع أدركت أننا في مرحلة ما لم نتجاوز ببعض نخبنا المعارضة التي حرضتنا يومها على التظاهر في الشوارع وملئ الساحات ورفع الشعارات وتثوير الجماهير وترصد الفرص لذلك بالبحث عن المسببات، لم نتجاوز حينها مراحل المراهقة السياسية التي تكسرت أحلامها على رماح دول راسخة ومؤسسات قائمة وأنظمة عتيدة هي أكبر من أن تهزها أشرطة الكاسيت التي كان يومها البعض من قادة تلك المرحلة يرسلونها من وراء الحدود ظانين بأن اشرطتهم تلك قادرة على لعب الدور السحري الذي لعبته أشرطة الامام الخميني قبيل الثورة بسنوات.
ولا زلت أتقلب بهذا المشهد التاريخي لأرى هؤلاء القادة يتوزعون اليوم ما بين المنفى الاضطراري وما بين سجون سئمت طول مقامهم بعد أن مرت على هذه الحقبة فترة كافية لازالة الغشاوة عن بصائر الجميع.
غاب هؤلاء القادة الذين ما زالوا يترأسون أحزابهم وحركاتهم عن حراك المشهد السياسي المباشر، ليعوضوا عن حضورهم الفاعل داخل الأوطان بمشاركات حية تارة واخرى مسجلة على شاشة الفضائيات. ومع غياب هؤلاء عن ركح المسرح السياسي الفاعل بالحضور المباشر في الحياة الوطنية والسياسية كما هو حاصل بالنسبة لتيارات عربية واسلامية وليبرالية ويسارية كثيرة داخل أغلب أقطار العرب وبلاد الاسلام، فان عقارب الساعة توقفت لدى بعض هؤلاء عند النواح على وضع السجون والمعتقلات ووضع الحقوق السياسية والأساسية المهدورة في بلادهم في بعد تام عن محاولة التفكير في روح المسؤولية الجماعية التي نعالج بها جماعيا هذه الأوضاع السياسية العصيبة التي تمر بها هذه الأوطان.
وفي الطرف المقابل حيث غيبت الحريات واستصدرت الأحكام القاسية من أجل معاقبة الثوار الجدد على أحلام الثورة الوردية، فانه بالقدر الذي عنيت الدولة بممارسة وظائف الاخصاء السياسي لبعض الأطراف التي ارتكبت اخطاء سياسية فادحة حين نسيت مسالك الهدوء والتدرج في معالجة أوضاعها القطرية، فان ورشات العمل والانجاز كانت تتجه الى اثبات منجزات الدولة الحداثية في ظل القضاء على الثوار وتغييبهم لسنوات طويلة وراء القضبان.
لم يعد الثوار ثوارا ولم تعد الدولة فقط سجانا يقمع الحريات وانما انشغل البعض من الثوار المنفيين بالبكاء على الأطلال والحديث عن الخروقات والتجاوزات والنواح على الزمن الضائع وسط كبرى التحولات، واتجهت الدولة لاثبات جدارتها في أكثر من صعيد فكان تألقها على الصعيد الرياضي والعمراني والاقتصادي والخدمي والعلمي والاتصالي، وسجلت نسب النمو الاقتصادي أرقاما قاربت الستة بالمائة منذ عدة سنوات وتم تصنيف تونس من قبل المنتدى الاقتصادي العالمي كأحسن البلدان قدرة تنافسية على مستوى العالم العربي والقارة الافريقية.
كانت تلك قصة بلد حان لنا أن نعترف فيه كمعارضين بأن سنوات المنفى قد غيبت فيه الكثير عن فهم الحقائق الميدانية ومواكبة ما يحدث فيه من تطورات توجب علينا أن نسر لها جميعا كتونسيين بقطع النظر عن المشارب والاختلافات.
اسمحوا لي سادتي بالقول صراحة بأن تونس اليوم ليست خرابا وليست ارم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد، وانما هي بلد ناهض بحكومته وشعبه المبدع والخلاق، ومن الصدق والصراحة أن نثمن فيها كل هذه المنجزات بعيدا عن المنطق السياسوي العدمي، ولكن في غير غفلة عن أن ما ينتظره أبناؤها هو مرحلة سياسية جديدة تدخل التونسيين مراحل اخرى من الانجاز، وبلا شك فان ما ينتظره التونسيون اليوم هو دخول البلد حقبة الاصلاح السياسي الشامل الذي يدخل اعلامها مرحلة عالم المنافسة الحرة والخاصة في كنف الشفافية المسؤولة بعيدا عن منطق الغش والتزييف والمساحيق، هذا مع تأكيد واضح وجلي على مصطلح الاصلاح السياسي الذي يقصد من ورائه غلق ملف الاعتقال السياسي نهائيا واطلاق سراح من تبقى من سجناء الرأي مع الحاح على ضرورة تسوية وضع كل من اطلق سراحه في السنوات الخوالي وذلك عبر تعويض معقول يشجع هؤلاء على اعادة الاندماج في المجتمع واستعادة كثير من حقوقهم الضائعة ويندرج تحت هذا الاطار اعادة تأهيل هؤلاء السجناء السابقين والتعويض لهم في اطار مادي مقبول يراعي امكانيات الدولة التونسية، مع حرص على استكمال هذه الخطوة باطار قانوني أشمل يخول اللاجئين السياسيين التونسيين العودة الى أوطانهم للمساهمة في مسيرة البناء والنهوض والاعمار.
هذه بعض المقدمات التي ينبغي أن تشفع بروح المسؤولية من الطرف المعارض وخاصة الاسلامي منه وذلك عبر القبول بالعودة الهادئة والمتدرجة للفضاء العام بعيدا عن الطموحات السياسية الجامحة أو التحالفات أو التكتلات التي من شانها أن تشعر القائمين على الأمر أو النخب بتجدد مناخات المنافسة القديمة التي كانت سببا وراء تقويض التوازنات السياسية الكبرى للبلاد.
أما عن النهج السياسي الذي أطمح أن اراه مستقبلا ساري العمل في مستوى تعامل الاسلاميين المعتدلين مع الدولة والحكم فهو صراحة المساندة النقدية بدل المعارضة الباحثة فقط عن العورات.
ولعلني أكون واضحا في هذا الشأن حتى لا يحدث في تفكير البعض أي التباس بأنني قررت منذ فترة أن اختار هذا النهج من منطلق أن مخلفات الحرب السادسة بين العرب واسرائيل زادت من قناعاتي بأن الكل موضوع في سلة واحدة وأن التحدي الذي تمر به تونس كجزء من الأمة يحتم على التيار الوطني الاسلامي الوسطي أن يضع يده مع كل الوطنيين والرسميين من أجل دعم عرى الجبهة الداخلية في مواجهة التحديات العالمية التي لا تفرق بين حاكم ومحكوم وبين رسمي أو معارض، في مقابل أن تسارع الدولة التونسية الى معالجة الملفات المذكورة بعيدا عن حزازيات الماضي وعقده البائسة.
لابد أن ينصرف التفكير اليوم الى الكف عن صراعات الماضي واتخاذ قرارات شجاعة في ذلك ولا زلت للمرة الألف أراهن على قدرة الرئيس بن علي، على الانجاز في هذا الاطار، وهو الذي استطاع أن يحقق نجاحات في اصعدة شتى لا بد أن نفخر بها كتونسيين، ولابد أن نساعده ونساعد الحكومة والحزب الحاكم على الحفاظ عليها وتنميتها بعيدا عن منطق الانتصار للذات والطموحات السياسية الجامحة على حساب عنصر الوحدة الوطنية وعامل الاستقرار الذي تنعم به تونس في ظل مناخ دولي حساس يتسم في كثير من مراحله بالهزات والأزمات .
وعلى طريق أن أقفل هذا القوس الذي اضطررت اليه في مقام ما لاحظته من تلذذ البعض ببيان كل ما هو سلبي وسيء في حياتنا العامة، دون الاقرار بمنجزات وطننا جميعا نحن معشر التونسيين، فانني أود أن أجدد النداء للمسؤول الأول للدولة التونسية والى كل من يساعده في تسيير شؤون البلاد من رجالات حكم بأن تصالح السلطة مع هوية البلاد بعيدا عن التشنج في التعاطي مع قضية الحجاب أو غيرها من مظاهر التدين الفردي أو المجتمعي من شأنه أن يعزز مكانة القائمين عليها وصورتهم في الداخل والخارج ومن شأنه أن يدفع بشرائح واسعة من المعبئين بقيم الايديولوجيا الرافضة الى الشعور بطمأنينة رعاية الدولة لمقدسات البلاد وقيم الشعب الذي يرفع بلا شك من مقام ومكانة كل من رفعها. مرسل الكسيبي reporteur2005@yahoo.de