تونس مرشحة لنشأة طبقة سياسية شابة أكثر علمانية

تمسك بقيم المدنية

في مقهى "سيدي الشبعان" بقرية سيدي بوسعيد السياحية المطلة على شواطئ البحر الأبيض المتوسط يجلس سامي بن جدو وصديقته هدى ترجمان وهما يترشفان الشاي الأخضر ويناقشان القائمات المترشحة للانتخابات البلدية بكل جدية.

يتحدث الصديقان بصوت عال متحمس لا يخلو أحيانا من التشنج عن الحظوظ الوافرة لفوز قائمات القوى الديمقراطية التي يساندانها على حساب قائمات النهضة.

ترشح سامي ذو الـ 30 عاما الذي يحمل شهادة دكتوراه في الحقوق ويدرس بالجامعة التونسية ضمن قائمة حزب نداء تونس بـ"حي رياض الأندلس" التابع لمحافظة أريانة.

وترشحت صديقته هدى ذات 27 عاما والتي تحمل شهادة الأستاذية في الرياضيات أيضا ضمن قائمة النداء بـ"مدينة العوينة الواقعة بالضاحية الشمالية لتونس العاصمة.

"خلال إعدادي لشهادة الدكتوراه تأكدت أنه ما كان لدولة الاستقلال أن تنجح في قيادتها للمشروع الوطني لولا قرار الحسم الذي اتخذه الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة بفصل الدين عن السياسة" جملة قالها سامي وهو يخاطب صديقته.

ويضيف سامي "في السياسة لا توجد منزلة بين المنزلتين هذا منطق فقهي، في السياسة يجب أن تكون علمانيا فكرا وممارسة تؤمن بمدنية الدولة".

ردت عليه هدى وهي تقول "مشكلتنا في طبقة سياسية أصابها الهرم وهي لم تقتنع بعد بأن الزج بالدين في السياسية فيه تعسفا عن وعن السياسة معا ومساس بمدنية الدولة.

ويمثل كل من سامي بن جدو وهدى ترجمان عينة من طبقة سياسية شابة ناشئة أكثر تحمسا لمنظومة القيم المدنية وتمسكا بعلمانية الشأن العام وبعلمانية مؤسسات الدولة.

وتظهر قراءة القائمات المترشحة للانتخابات البلدية البالغ عددها 2175 قائمة أن 50 بالمئة من المترشحين تقل أعمارهم عن 35 سنة وأن 75 بالمئة تتراوح أعمارهم ما بين 20 و45 بالمئة فيما لا تتجاوز نسبة "الهرمين" 25 بالمئة.

وتعد هذه المؤشرات دليلا قويا على أن هناك طبقة سياسية شابة ناشئة بدأت تفرض نفسها على المشهد السياسي في تونس الذي كثيرا ما استحوذت عليه زعامات هرمة.

وتأخذ المؤشرات أهمية خاصة إذا علمنا أن نسبة المترشحين في الجهات من الشبان والفتيات في قائمات الأحزاب العلمانية والمستقلين تتراوح بين 55 و73 بالمئة.

وخلافا لما يرى البعض أن الجهات تغلب عليها منظومة الثقافة التقليدية فقد أظهرت مثل هذه المؤشرات أن جيلا جديدا يتكون من الأطباء والمحامين والمهندسين والأساتذة الجامعيين والكوادر الإدارية العليا بدأ يشكل طبقة سياسية جهوية ناشئة.

وفي ظل انفتاح المجتمع على وسائل الاتصال الحديثة من فضائيات وأنترنت ومواقع تواصل اجتماعي تبدو الثقافة السياسية التي يتبناها الجيل ثقافة سياسية لبرالية وعلمانية تؤمن بأن تونس تمتلك تاريخا سياسيا مدنيا وطنيا لا يمكن تلويثه بـ"تديين" السياسة.

ويرى عبدالرزاق حواص أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة التونسية أنه "رغم عزوف الشباب على الانتماء للأحزاب السياسية إلا أن ذلك لا يمنع التأكيد على أن جزء لا بأس به من الشباب التونسي مهتم بالشأن العام وبالمشاركة في النشاط السياسي".

ويضيف حواص وهو يتحدث إلى مراسل ميدل ايست أونلاين "يمكن أن نستنتج من القائمات المترشحة أن تونس تشهد تحولا اجتماعيا وسياسيا مهما من أبرز ملامحه بداية تكون طبقة سياسية فتية مثقفة وأكثر علمانية من شيوخ السياسة الهرمين.

ولا يتردد الجيل الجديد في وصف المشهد السياسي سواء في تونس العاصمة أو الجهات بـ"المشهد الهرم الذي تجاوزته الأحداث وبأن "شيوخ السياسة" تنقصهم الجرأة والشجاعة في انتهاج سياسة بورقيبة لما حسم حسما مطلقا مسألة فصل السياسة عن الدين.

ووفق الأخصائيين في علم الاجتماع "توجد هوة بشأن الثقافة السياسية بين الزعامات "الهرمة" وبين الشباب إذ في الوقت الذي تتسم فيه مواقف الفاعلين السياسيين الحاليين، مثل نداء تونس، بالتردد في حسم مسألة استبعاد الدين عن الشأن العام يرى الجيل الجديد أنه لا مستقبل في تونس إلا من خلال دولة علمانية مماثلة للديمقراطيات العريقة.

ويقل سامي بن جدو الناشط في النداء "الطبقة السياسية الحالية هرمت وهي عاجزة على مواصلة مشروع ديمقراطي علماني مماثلا للديمقراطيات العريقة تقوده دولة مدنية".

ويضف بن جدو وهو يتحدث إلى مراسل ميدل ايست أونلاين "صحيح أنني أنشط في نداء تونس ولكنني أشهر بهوة بين ما أتبناه من ثقافة سياسية وبين ما يتبناه من هم أكبر سنا" مشددا على أن المستقبل لن تنحته إلا طبقة سياسية تتكون من الجيل الجديد".

ومن ملامح الطبقة السياسية التي هي اليوم في طور التشكل أنها تربط بين مفهوم العلمانية وبين حرية المرأة إذ تعتبر أن أخطر ما يهدد تلك الحرية الجماعات الإسلامية.

تقول هدى ترجمان "لا يمكن الحديث عن طبقة سياسية علمانية بالمعنى العلمي في ظل غياب الحريات العامة وخاصة حرية المرأة المدنية والسياسية وحقها في المشاركة".

وتضيف ترجمان "أن تكون علمانيا لا يعني ذلك التنكر للدين، ولكن يعني أن تؤمن بأن السياسة بوصفها فن إدارة الممكن شيء وبأن الدين بوصفه منظومة من المعتقدات يتقاسمها المجتمع شيء آخر تماما.

ويذهب الجيل السياسي الجديد إلى حد القول بأن "العلمانية كمنظومة من الخيارات والقيم الفكرية والسياسي من شأنها أن تحمي ثوابت الدين ونقاءها من براغماتية السياسة".

وترى سوسن بن يدر، أستاذة الحضارة العربية الإسلامية، أن "الزج بالدين في السياسية من شأنه أن يجرد الدين من روحانياته وتعاليمه ويجرد السياسة من مفهومها العلمي".

وخلال السنوات الأخيرة اكتسحت فئة الشباب التي لا يتجاوز عمرها 35 سنة مواقع القرار الإداري حيث تشير بيانات رسمية إلى أن نسبة الكوادر الشابة في مختلف مؤسسات القطاع العام تتجاوز 33 بالمئة منها 21 بالمئة تحتل مراكز صنع القرار.

ويرى مراقبون أن المشهد السياسي في تونس مرشح لظهور طبقة سياسية شابة على أنقاض طبقة هرمة لا منفتحة فقط بل أكثر علمانية من الطبقة الحالية وأكثر تمسكا بعلمانية الحياة السياسية وبالدولة وبالحريات وفي مقدمتها حرية المرأة.

ووفق الهيئة العليا المستقلة للانتخابات تنافست الأحزاب السياسية منافسة شديدة على استقطاب أكثر ما يمكن من الكفاءات الشابة خاصة منها المتخصصة في عدة مجالات.

وتمثل فئة الشباب نحو 37 بالمئة من الجم الانتخابي فيما تمثل المرأة 48 بالمئة.

ويتوقع عبدالرزاق حواص الأخصائي في علم الاجتماع السياسي أن "تفتكّ الطبقة السياسية الناشئة من الطبقة التقليدية على المدى المتوسط مراكز صنع القرار سواء داخل الأحزاب السياسية أو داخل مؤسسات الدولة بما ذلك مواقع صنع القرار الحكومي.

وهو يرى أن "جيل الطبقة السياسية الناشئة ينحدر اجتماعيا من الطبقة الوسطى وهي طبقة لبرالية علمانية تطالب فئاتها بحقها في إدارة الشأن العام وصنع القرار الوطني".