تونس لكل التونسيين

بقلم: منور مليتي

مع ارتفاع عدد الأحزاب السياسية المرخص لها إلى أكثر من ثمانين حزبا أصبح المشهد السياسي في تونس يتميز بنوع من الثراء الفكري والحراك الوطني تحول فاعلوه إلى قادة رأي في صياغة مشروع الانتقال الديمقراطي.

إن المرحلة الحالية التي تمر بها تونس تعد من أهم صفحات تاريخها النضالي إذ لأول مرة يفسح مجال العمل السياسي والمشاركة في الشأن العام بكل حرية وبصفة قانونية لمختلف القوى والحساسيات الفكرية والسياسية، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

وأمام هذا المشهد المشحون بالأفكار والتصورات والمواقف المتباينة إلى حد التناقض تطرح تساؤلات مشروعة، تساؤلات لا حول مشروعية نشاط الأحزاب ومشاركتها وإنما حول طبيعة توجهاتها الفكرية والسياسية ومواقفها تجاه القضايا الوطنية ونوعية البرامج التي تطرحها والتي على أساسها ستخوض الاستحقاقات الانتخابية القادمة.

أكثر من ذلك بدأ الشارع السياسي في تونس يتململ متسائلا حول مدى وفاء الأحزاب السياسية لخصوصية التاريخ الوطني وأي الأحزاب أكثر قدرة على الاستثمار الايجابي للموروث الفكري والثقافي والاجتماعي والسياسي لتونس التي عرفت أول دستور في العالم العربي سنة 1864 ومن قبله عهد الأمان سنة 1857 الذي يعد أول وثيقة تضمن حقوق الإنسان وحقوق الأقليات.

ولئن كان ليس من السهل تصنيف الأحزاب السياسية تصنيفا واضحا بحكم كثرتها وعدم وضوح برامجها ورؤيتها لمعالجة القضايا الوطنية، فإنه بالإمكان التعرف على المشهد الحزبي من خلال الخلفية الفكرية التي تميزها، إذ نلاحظ وجود تيارين راديكاليين الأول يساري والثاني يميني وما بينهما تيار قومي ومجموعة من التيارات الوطنية والإصلاحية.

من حيث المبدأ تعبر مختلف التيارات على تنوع المشهد السياسي في تونس وتؤكد أن أشكال الاضطهاد التي تعرضت إليها في الستينات والسبعينات )التيار اليساري والتيار القومي( وفي الثمانينات والتسعينات )حركة النهضة( لم تفلح في وأد المناضلين من أجل الحرية والديمقراطية بل على العكس من ذلك ساهمت عمليات اضطهاد المناضلين في إضفاء مشروعية نضالية وطنية على توجهاتهم ومواقفهم بل ومكنتهم من خبرة في عقلنة ممارساتهم النضالية.

هذا من حيث المبدأ، لكن على مستوى الممارسة السياسية فإن تعدد الأحزاب بهذه الكثرة يطرح إشكالا أمام التونسيين المعنيين بالعملية الانتخابية، إشكال حول مدى وضوح البرنامج السياسي والتنموي لهذا الحزب أو ذاك، ومدى تفاعله مع المشاغل الحقيقية للمواطن.

لا شك أن الآلة الدعائية الإعلامية التقليدية )من صحف وإذاعات وتلفزات( والاتصالية )الانترنت والشبكات الاجتماعية( ستلتجئ إليها كل الأحزاب في محاولة لاستقطاب الناخبين. كما ستلتجئ بعض التيارات إلى شحن العواطف مستخدمة في ذلك خلفيتها الإيديولوجية والدينية، لكن عملية الانتقال الديمقراطي تبقى أعمق من استغلال وسائل الإعلام والاتصال وأبعد من استثمار المشاعر وشحن العواطف.

فقد خبر الشعب التونسي منذ الاستقلال أشكالا متعددة من التعبئة السياسية والإيديولوجية سواء خلال نظام الزعيم بورقيبة أو خلال نظام بن علي بما جعله أكثر نضجا ووعيا بمدى جدوى هذا الخيار أو ذاك.

قد تدفع عملية الانتقال الديمقراطي إلى تحالفات لتكوين جبهات من شانها توسيع القواعد الشعبية بل ليس مستبعدا أن يتحالف أقصى اليمين مع أقصى اليسار، فمجال السياسة على الأرض ابعد ما يكون عن الأفكار، لكن حتى في هذه الحالة، ورغم مسحة التسامح الملفوفة بالمصلحة، ستجد التيارات الراديكالية نفسها في مأزق إن لم تراجع نفسها على قاعدة جملة من الخيارات الأساسية:

يتعلق الخيار الأول بالمنهج الإصلاحي الذي يمثل خصوصية تونسية، فقد مثل الفكر الإصلاحي في تونس مسارا تاريخيا متكاملا منذ منتصف القرن التاسع عشر ابتداء من المصلح خير الدين باشا إلى الزعيم الحبيب بورقيبة مرورا بسالم بوحاجب وعلي باش حانبة وعبد العزيز الثعالبي والطاهر الحداد.

ويقوم الفكر الإصلاحي على انتهاج سياسة تراكم المسار النضالي لتصل حلقاته بعضها ببعض بعيدا عن كل أشكال القطيعة التاريخية مما أسس لتجربة تونسية خصوصية سواء على مستوى بناء مؤسسات الدولة أو على مستوى الإصلاحات الاجتماعية أو على مستوى تشكيل ثقافة سياسية إصلاحية.

وقد ساعد الخيار الإصلاحي الوطنيين التونسيين من كسب معارك سياسية واجتماعية ضد القوى التقليدية لعل أبرزها الخلاف بين بورقيبة وصالح بن يوسف حيث انتصر الخيار الإصلاحي الوطني عن الخيار التقليدي القومي.

ومن أبرز ملامح المشروع الإصلاحي التونسي التمسك بقيم الوسطية والاعتدال والتعايش والنأي عن مختلف أشكال الإقصاء والتهميش، وهي قيم يجب أن تكون ميثاقا اليوم بين الأحزاب السياسية لتأمين عملية انتقال ديمقراطي تشارك فيها كل القوى الوطنية.

قد تكسب التيارات الراديكالية أصوات الناخبين نتيجة الشحن الإيديولوجي أو الديني، لكنها ستفشل في إنجاز برامج عملية تستجيب لتطلعات التونسيين.

الخيار الثاني هو الخيار الوطني ونعني به الولاء لتونس دون سواها، ولئن كان هذا الخيار يعد من المسلمات النظرية فإننا نؤكد عليه كممارسة سياسية وطنية، ذلك أن عملية الانتقال الديمقراطي تستوجب استثمار مقومات الشخصية الوطنية، بأبعادها العربية والإسلامية والمتوسطية، نعم ولكن شرط أن تكون هذه الأبعاد من ضمن مكونات الوطنية التونسية، أما الانزلاق إلى الإيديولوجية القومية والدينية فإنه يتناقض مع طبيعة شخصية الناخب التونسي، الناخب الذي هو تونسي قبل كل شيء.

وبالطبع فإن الخيار الوطني يعني على المستوى السياسي الانتصار لدولة المواطنة وطابعها المدني ولسيادة القرار الوطني ورفض أي وصاية أو ولاء لأي جهة أو أيديولوجيا ثقافية أو دينية.

الخيار الثالث يتعلق بطبيعة البرامج التي ستقدمها الأحزاب للشعب التونسي، وفي هذه الحال لن تنفع الشعارات ولا عمليات الشحن التعبوي مهما كانت خلفيته يسارية أو دينية أو قومية، فالناخب التونسي يريد برامج عملية تستجيب لتطلعاته وحلولا واضحة لمشاغله وفي مقدمتها التشغيل والتنمية والحق في المشاركة السياسية.

وبلا شك فإن عملية الانتقال الديمقراطي لا يمكن أن تتم في غياب خيار تنموي واضح ينسجم فيه الخطاب مع الممارسة ولا يتناقضان، فالحق في التنمية العادلة يعد اليوم من أولويات مشاغل التونسيين.

بهذا المعنى فإن الخيار الإصلاحي الوطني يعد الرهان الأوفر حظوظا لأي حزب أو تيار باعتباره خيار يستمد شرعيته من نضالات الوطنيين على اختلاف انتماءاتهم كما يستمدها من مكاسب المشروع الوطني وفي مقدمتها النظام الجمهورية ودولة القانون ومجلة الأحوال الشخصية وغيرها، إضافة إلى ذلك يستمد المشروع السياسي الوسطي شرعيته من طبيعة ثورة 14 جانفي التي تعد أول ثورة عربية سلمية حضارية جسدت على ارض الواقع أن الشعب التونسي الذي خبر مختلف أشكال النضال ضد الاستبداد هو على درجة من الوعي والذكاء أهلته لإنجاز ثورة متحضرة عنوانها الأبرز: تونس لكل التونسيين.

منور مليتي