تونس قبلة السياح

البحر والتاريخ

تونس - رغم الصعوبات العالمية وتداعيات التطوّرات الخارجية على المستويات الاقتصادية بمختلف جوانبها، بما فيها الجانب المتعلق بالسياحة بصورة مباشرة، والجانب المتعلق بقطاع النقل الجوّي، أو الجوانب الأخرى المتصلة بالسياحة من حيث الخدمات والأنشطة المتفرعة عنها، رغم كل هذه العوامل فإن القطاع السياحي في تونس استطاع أن يواجه التداعيات العالمية، مؤكدا بذلك صلابته واستقراره مقارنة بقطاعات أخرى وذلك بفضل سرعة استعادته لأدائه.
وتعتمد السياحة التونسية على تنوّع وثراء مقوّماتها وفي مقدّمتها المقوّمات الطبيعيّة والثقافية بما فيها التاريخية والحضارية، إلى جانب الخبرة المكتسبة في هذا المجال على مدى السنوات الماضية، وكذلك السياسة المتبعة في هذا المجال والمستمدّة أساسا من توجيهات الرئيس التونسي زين العابدين بن علي وما احتواه البرنامج المستقبلي الطموح الذي ركّز على تطوير كل مظاهر الحياة في تونس تلك المظاهر التي لها علاقة مباشرة بتشجيع السياح على اختيار الوجهة التونسية لما تقدّمه تونس من خدمات راقية في مجال الاتصال والنقل والترفيه وما يتوفر لديها من بنية أساسية، تتمثل في الطرقات والمطارات والموانئ ووسائل الاتصال العصري من تكنولوجيا رقمية وانترنت، تجعل اختيار تونس كبلد لقضاء العطلة السنوية فيه أمر مشجّع ومساعد لكل الفئات الاجتماعية من موظفين ورجال أعمال ووفود جماعية متنوّعة التركيب.
وفي هذا الإطار، ونظرا لهذه القدرة على التأقلم والإمكانيات السريعة لاسترجاع سالف النشاط تتوقع المنظمة العالمية للسياحة مواصلة نمو الوافدين إلى غاية عام 2020 بحوالي 4 فاصل 5 بالمائة على المستوى العالمي وبحوالي 4 بالمائة على المستوى الوطني، وهو ما يعطي مكانة متميّزة لتونس في هذه التقديرات خاصّة وأنها تعتبر من البلدان المتوسطية التي استطاعت أن تطوّر قطاع السياحة بشكل جيّد جدّا أصبح بمثابة النموذج الذي يحتذى به خاصّة بالنسبة للدول القريبة من تونس في جانبها الغربي مثل جانبها الشرقي.
وبفضل هذه العوامل حافظت تونس على معدل استقطاب تجاوز 7 ملايين سائح يفدون عليها سنويا وهو رقم مرشح لمزيد التطوير والتفاعل الإيجابي خاصّة وأن السياسة التونسية في هذا المجال عرفت كيف تحدّ من الانعكاسات السلبية الطارئة على القطاع عالميا وكذلك عرفت كيف تنهض بمنتوجها السياحي وتطوّره بشكل ساعد على استجابته للمقتضيات الجديدة في المجال وكذلك على تمكين المؤسسات السياحية التونسية من قدرة على التأهيل الإيجابي لمواكبة المتغيّرات العالمية.
وفي هذا الصدد مثلت الحملات الترويجية الاستثنائية فضلا عن بعض الإجراءات الإدارية والمالية الأخرى مثل شطب ديون بعض الوحدات السياحية التي كانت تكبل نشاطها وقدرتها على التطوّر، وكذلك الإجراءات الخاصّة بدعم النقل الجوّي وتنشيط السياحة العربية والداخلية، مثلت كلها عوامل مساعدة على تمكين السياحة التونسية من قدرات إضافية على المواكبة والاستجابة لمتطلبات السوق للبقاء في دائرة المنافسة العالمية بل المراهنة على دور طلائعي متقدّم في هذا المجال.
فعلا ومن أجل تحقيق مثل هذه الغاية اعتمدت تونس على خطة شاملة تتمثل في تطوير العديد من المجالات ذات الصلة بالمنتوج السياحي بصفة عامّة. من بين هذه المجالات نجد التكوين في المجال السياحي والفندقي بصفة خاصّة، وكذلك تطوير وتنويع الاختصاصات السياحية.
أما في مجال التكوين الفندقي والسياحي فإن الخطة تتمثل في جعل هذا الجهاز يواكب عملية الإنتاج السياحي بصفة شاملة ويستجيب للحاجيات المتنامية من حيث الموارد البشرية المختصة، وذلك بهدف تحسين جودة الخدمات والارتقاء بها في مختلف الاختصاصات والأنشطة والخدمات خاصّة إذا ما علمنا أن حاجيات المؤسسات السياحية من المتكونين تبلغ حوالي 3 آلاف متكوّن سنويا حسب تقديرات المخطط العاشر للتنمية، وهي ستزيد دون شك حسب المخطط الحادي عشر.. مع العلم أيضا أن المنظومة الوطنية تغطي حاليا حوالي 2000 متخرّج أي ما يلبي ثلثي الحاجيات.
أما من حيث تنويع المنتوج السياحي فإن المجهودات التي بذلت لا يمكن حصرها في منتوج دون آخر بل هي مجهودات عامّة وشاملة أتت على مختلف الأنشطة والمجالات، ومازالت تجتهد لتستنبط مجالات جديدة يمكنها أن تستهوي السائح العالمي وتستجيب لرغباته وحاجياته الترفيهية والتكوينية والخدمتية بصفة عامّة.
وفضلا عن المنتوج السياحي التقليدي الذي كان يميّز القطاع السياحي التونسي، وهو المتمثل في الشواطئ الجميلة والطبيعة الخلابة فإن تفعيل مجالات التنوّع الذي أصبح الميزة الأساسية للسياسة السياحية في تونس شمل السياحة الثقافية وسياحة المؤتمرات وسياحة الصولجان والموانئ الترفيهية البحرية والسياحة الصحراوية وكذلك أيضا السياحة الاستشفائية التي أصبحت عنصرا هامّا من عناصر تنوّع المنتوج السياحي التونسي.
ففي مجال السياحة الثقافية يعتبر إرساء منتوج سياحي ثقافي متكامل من المشاريع التي تتطلب توفير الحوافز التشجيعية لفائدة المستثمرين بالمناطق التي تمتاز بمخزونها الحضاري والطبيعي إلى جانب إعداد قائمة في المعالم والمواقع والفضاءات التي يمكن وضعها على ذمة الخواص لإنجاز مشاريع سياحية وثقافية وتنشيطية فضلا عن إثراء المسالك السياحية بإدماج كافة المعالم والمواقع والمتاحف.
وبخصوص سياحة الصولجان أو "الغولف" التي تعتبر من أهم عناصر الإستراتيجية المستقبلية في تنويع العرض السياحي فإن النتائج المسجلة (حوالي 60 ألف لاعب سنويا) لازالت دون المؤمل باعتبار المناخ الملائم السائد في تونس لممارسة هذا النشاط والأسعار المناسبة مقارنة بأسعار أوروبا فضلا عن عدد الملاعب وتوزعها عبر المناطق السياحية والتجهيز الجيّد الذي تتمتع به هذه الملاعب المصنفة من أفضل الملاعب في العالم.
وترمي خطة تطوير هذا المنتوج السياحي المفضل من نوع خاص من السياح بلوغ ملعب لكل 10 آلاف سرير سياحي وإحداث ملاعب جديدة بالمناطق الداخلية وخاصّة منها الجبليّة في إطار تشجيع السياحة الخضراء أو السياحة البيئيّة.
أمّا في مجال سياحة الملاحة الترفيهية فإن تونس توفر سلسلة من الموانئ الترفيهية تحتوي على ما يقل عن 2150 نقطة إرساء في طور الاستغلال وحوالي 1250 نقطة إرساء أخرى في طور الدراسة.
وتسعى تونس لمزيد دفع هذا المنتوج السياحي بتنظيمه من خلال وضع مجلة السياحة البحرية ووضع خطة ترويجية لتدعيم الأنشطة البحرية الترفيهية بالأسواق الخارجية لا سيما وأن المراكب الترفيهية الأجنبية التي ترسي بالموانئ التونسية لا تمثل سوى 1 بالمائة من مجموع حركات المراكب التي تجوب البحر الأبيض المتوسط.
أما بخصوص السياحة الاستشفائية بالمياه المعدنية وغيرها من العلاجات الأخرى فإن الخطة التونسية في هذا المجال ترتكز على ملاءمة الإطار القانوني المنظم للقطاع مع تنويع المنتوج في حدّ ذاته وذلك بالسهر على تحقيق المعادلة بين العرض والطلب على المستويين الداخلي والخارجي ووضع خطة للمحافظة على الموارد المعدنية المتوفرة.
وتعتبر السياحة الصحيّة، منتوجا سياحيا جديدا في تونس وهي سياحة ذات وظيفتين، الأولى ترفيهية والثانية علاجية طبية تعتمد على المعالجة بالمياه وفي المصحات الخاصة والعمومية.
أمّا مراكز المعالجة بالمياه فيبلغ عددها 37 مركزا موزعة كالآتــي : 1 بطبرقة، 2 بتونس، 4 بالحمامات ونابـل، 8 بياسمين الحمامـات، 3 بسوسـة، 1 بالمنستير، 3 بالمهدية، و14 بجربة وجرجيس.
ويبلغ عدد محطات الاستشفاء بالمياه المعدنية الباردة والحارة 7 محطات يؤمها سنويا 40 ألف زائر، ويجدر التذكير في هذا المجال أن الديوان الوطني التونسي للسياحة عقد مؤخرا اجتماعات عديدة مع وزارة الصحة العمومية من أجل تنظيم القطاع وإصدار القرارات المناسبة لتنظيم العملية بصفة عامّة بما يعود بالنفع وينعكس بالإيجاب على سمعة السياحة في تونس وسمعة المؤسسات العلاجية بصفة عامّة.
ومن جهة أخرى، فإن البرنامج المستقبلي لتدعيم القطاع السياحي يتضمن تدخلات تهمّ جملة من المناطق السياحية الجديدة على غرار كاب قمرت القريب من العاصمة، والبقالطة بالساحل الشرقي والسلوم ببوفيشة قرب الحمامات الجنوبية، وسيدي سالم ببنزرت وللاحضرية بجربة، وللامريم بجرجيس والشفار بصفاقس وقرقنة، وقربص والزوارج بباجة، والغضابنة بالمهدية وجنان الوسط بالمنستير وشط الريح وروّاد بتونس وقابس وهرقلة.
وهي مناطق جديدة تعكس المخزون الطبيعي والجغرافي الذي تتمتع به تونس والذي إذا تمّ استغلاله الاستغلال الفعلي والناجع ودخل طور الانتاج سوف يحقق الإضافة الحقيقية إلى جانب المناطق التقليدية القائمة إلى حدّ الآن والتي استطاعت أن تحقق أرقاما متطوّرة جدّا من الفترة الممتدة من غرة جانفي 2006 إلى 31 ديسمبر من نفس السنة وذلك حسب الأرقام التالية :
من حيث المداخيل السياحية وبمليون دينار استطاعت السياحة التونسية أن تحقق 2.751 مليون دينار من حيث عدد الليالي المقضاة استطاعت أن تحقق 36.830.767 ليلة، وهو رقم متقدّم على ما تحقق سنة 2005.
من حيث عدد الوافدين حققت السياحة التونسية 6.549.108 وافدا.
من حيث عدد الأسرة المستغلة حققت السياحة التونسية رقما بـ 196.006 سريرا.
من حيث نسبة الأشغال كانت بحوالي 51.5 بالمائة.
إن نقاط قوّة السياحة التونسية تكمن في ذلك التخطيط المحكم، وتلك النظرة الاستشرافية التي تنظر للمستقبل وتعد له أحسن استعداد، وفي تلك القدرة على تجاوز الصعوبات العالمية والتأقلم مع الظرف الدولي، والسرعة في استعادة عافيتها، ولكن أيضا وهذا هو المهم، في الارتقاء إلى مستوى الإبداع في استنباط الأفكار الجديدة التي تستلهم أسسها من الموروث الثقافي ومن التراث الحضاري التي تزخر به تونس في كل مناطقها تقريبا.. وهي نقاط قوّة حوّلت تونس إلى قطب استراتيجي سياحي له مكانة عالمية متميّزة ورائدة في المشهد السياحي العالمي.