تونس في حنين منقوص لعهد بن علي وإحباط كامل من النهضة

ما تحتاجه تونس اليوم: لا تأليه ولا شيطنة

تونس - ما انفكت الكثير من النخب السياسية الجديدة التي تتسابق لانتزاع السلطة في تونس منذ انهيار نظام حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي، تحاول تاسيس عقيدتها اما على وصف الارث الذي تركه بن علي بعد رحيله "بالخراب" المطلق او على الحنين الى "العصر الذهبي" الذي تقول ان تونس عاشته بعد الاستقلال ابان حكم الزعيم الحبيب بورقيبة.

ولكن الراي العام لم يعد يصدق لا خرافة "الخراب" ولا اسطورة "العصر الذهبي". بل ان هناك اجماعا بين عامة الناس بان الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية رغم كل اخطاء ومواطن ضعف نظام بن علي كانت افضل في نهاية سنة 2010. بل ان جانبا كبيرا من "النخب الثورية" اصبح اليوم يدعو للاستنجاد "بالكفاءات الوطنية" من اجل اخراج البلاد من الازمة العميقة التي تردت فيها.

والمقصود "بالكفاءات الوطنية" هي الكوادر العليا في الحكومة والادارة التي لعبت دورا اساسيا في تسيير شؤون البلاد منذ اواخر ثمانينات القرن الماضي، ولكن تم منذ "ثورة الياسمين" ابعادها عن المناصب القيادية ان لم يتم التنكيل بها قضائيا وتشويهها اعلاميا.

ومن اجل تعويض هذا الجيل من القيادات تم التعويل على من تبقى من قيادات متقدمة في السن عملت خلال الفترة الاولى لما بعد الاستقلال. الناشط السياسي ظافر ناجي كتب الاسبوع الماضي متهكما على صفحته في فايسبوك "اليوم احتفلت بعيد ميلادي السابع والاربعين. سوف اركن الى سبات عميق حتى ابلغ سن السبعين. عندها سوف ابدا ممارسة السياسة".

واذ كان الرئيس الحالي المنصف المرزوقي يصر في التصريحات التي يدلي بها منذ دخوله قصر قرطاج على ان "حكومة الثورة" قد ورثت عن فترة بن علي "دمارا رهيبا ما قبله دمار"، فان المواطن العادي المرهق بغلاء الاسعار وانعدام الاستقرار يتذكر ظروفا معيشية افضل بكثير خلال العقد الاول من القرن الماضي.

ويحرج هذا الشعور الذي يخالج عامة الناس بعض النخب الحاكمة التى تخشى من ان يوفر ذلك وقودا "للثورة المضادة". ولكن اغلبية الناس وان كانت تتوق "للعودة" لاوضاع افضل مما هي عليه الان، فهي لا تحن الى تغول عائلة اصهار الرئيس السابق على مفاصل الدولة او الى الممارسات الامنية للنظام قبل سنة 2010.

الراي العام التونسي في مجمله لم يقتنع بمحاولات بعض رموز "الحركة الدستورية الجديدة" (واغلبهم من "شيوخ العلمانية" الذين تربوا في عهد بورقيبة) الايحاء بان اعادة بناء الدولة رهين بالرجوع "للعصر الذهبي" خلال العقود الثلاثة الاولى بعد الاستقلال.

فتلك الفترة وان كانت تتميز بحماسة "الزعماء المؤسسين" فانها كانت فترة جهاد مرير من اجل الخروج من الفقر والحاجة. ولم تكن تشكل بتاتا "عصرا ذهبيا" الا لاقلية نادرة من الفئات الموسرة.

و استرجاع المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية يظهر بكل وضوح ان الدولة، رغم عدم نجاحها في تذليل الفوارق كما ينبغي بين الجهات والطبقات، فانها استطاعت بامكانياتها المحدودة تحقيق تقدم ملموس لا يمكن انكاره بالنسبة للمواطن التونسي عامة.

فنسبة التزود بالمياه تطورت من عشرة بالمائة سنة 1956الى ثلاثين بالمائة سنة 1987 فبل ان تبلغ 96 في المائة سنة 2010.

كما ان معدل ربط المساكن الريفية بالشبكات الكهربائية زاد من عشرة بالمائة سنة 1956 الى ثلاثين بالمائة سنة 1987 والى 99 بالمائة سنة 2010.

وخلال نفس السنوات تحسنت نسبة الاطباء حسب عدد السكان من طبيب لكل مئتي الف ساكن، الى طبيب لكل الفي ساكن ثم طبيب لكل 900 ساكن.

وبحسب وكالة النهوض بالاستثمارات الأجنبية، فإن الاستثمارات المنجزة خلال العام الجاري في تونس ارتفعت بنسبة 15 بالمائة مقارنة بعام 2011 لكنها تراجعت بنسبة 16.3 بالمائة مقارنة بسنة 2010.

وتظهر الارقام ان الاستثمارات الاجنبية المباشرة كانت تقدر بما لا يزيد عن 12 مليون دولار أميركي عند الاستقلال وبلغت 66 مليون دولار سنة 1987، وارتفعت الى 786 مليون دينار سنة 2010.

مثل هذه المعطيات وغيرها تكذب اقوال من يسعى لفسخ اكثر من عقدين من تاريخ تونس المعاصر او الزعم بانهما كانا مجرد فترة "خراب وفساد". وسوف يبقى انقاذ تونس من ازمتها الخانقة رهين الاقرار بما تم انجازه في البلاد على مدى كافة العقود الماضية وبضرورة مواصلة البناء بشكل تراكمي، دون شيطنة او تأليه لما سبق.