تونس: شعب يريد الحرية وحكومة ضد التاريخ

بقلم: فؤاد غربالي

بعد سبعة أشهر من سقوط النظام الإستبدادي الذي جثم على صدر جل التونسيين لمدة ثلاثة وعشرين سنة إضافة إلى إرث الإستبداد البورقيبي التي إنطلق منذ الإستقلال بدأت شرائح عديدة من المجتمع التونسي تدخل في دائرة الإحباط والخوف من المستقبل وخصوصا تلك الشرائح التي شاركت في الثورة والممثلة تحديدا في الفئات الشبابية من أبناء الطبقة المتوسطة وكذلك جزء كبير من الفئات المهمشة والفقيرة التي تعيش على تخوم المدن وفي الأرياف النائية. شعور هذه الفئات يغذيه الفعل السياسي للحكومة المؤقتة التي إعتقد الجميع أنها جاءت من رحم ما يجمع الشباب الثائر على تسميته بإعتصام القصبة 2 والذي أطاح بحكومة محمد الغنوشي المحسوبة على نظام بن علي المخلوع وكذلك تهاون جزء من الطبقة السياسية على لعب دور سياسي يرتقي إلى الأهداف التي قامت من أجلها الثورة التونسية التي كانت بداية لتحول جيو إستراتيجي بدأت تعيشه المنطقة العربية من خلال الإحتجاجات القائمة حاليا ضد الأنظمة المستبد والمطالبة بالحرية ورحيل تلك الأنظمة ولكن السؤال الضمني الذي يثير فيم يتعلق بالثورة التونسية هو "الثورة إلى أين"؟

سؤال من الصعب أن نجد له إجابة واضحة ونهائية فالواقع الحالي الذي يميز المجتمع التونسي بل ربما جل المجتمعات المعاصرة هو أنه "واقع لا يقيني" ويتسم بعدم الثبات فالثورة نفسها كانت غير منتظرة وغير متوقعة لأنها كانت آتية من تحت أي من المهمش واليومي واللاشكلي الذي طالما إستبعدته النخبة السياسية والفكرية وإحتقرته فقلة هم –في السياق التونسي الذين يدركون أننا نعيش اليوم ضمن السلطة الرمزية للمقصيين وأن هؤلاء صار لديهم القدرة على الفعل انطلاقا مما تتيحه تكنلوجيات الإتصال الحديثة من هامش للتمرد على الرسمي والممأسس وأنه من المفيد الإصغاء إليهم جيدا بعيدا عن كل أشكال القمع المادي والرمزي.

للتأكيد على هذه اللايقينية يجب أن نتوجه بالنقد المعرفي لمفهوم تروج له النخبة السياسية الحالية ألا وهو مفهوم "الإنتقال الديمقراطي" الآتي من المدرسة التطورية في العلو السياسية حيث تقترح هذه المدرسة قراءة خطية للتاريخ بالمعنى الذي تقدم خلاله ضمنيا تصورا موحدا وكونيا لماهية الديمقراطية وكذلك فهي تقترح مسارات موحدة لا بد أن تمر بها الشعوب حتى تحقق الديمقراطية مغيبة في هذا الصدد فكرة أن الحداثة وإن كانت واحدة فإن أشكالها التاريخية المعبر عنها عبر تجربة التحديث هي متعددة بتعدد تجارب المجتمعات.

يقول ألان تورين في هذا الإطار "الحداثة واحدة والتحديث متعدد" وكأنه يشير إلينا نحن شعوب المجتمعات "العالم الثالث" ليقول لنا عليكم بصناعة تاريخكم الخاص وأن نقل تجارب الآخرين في نسختها الأصلية أمر صعب ومستحيل ومحفوف بالمخاطر من جهة أخرى فإن القول بأننا نعيش ضمن "مرحلة إنتقال ديمقراطي" يحمل في طياته مغالطة كبرى تتمثل في كون أن تونس تسير فعلا نحو تحقيق الديمقراطية الموجودة في مكان ما أو زمن ما –في الغالب نجد أن لآ أحد قادر على تحديدهما- وهو أمر غير صحيح بالمرة فنحن لا ندري هل سنؤسس لمجتمع ديمقراطي ودولة تتأسس على فكرة أحترام القانون ودعم ذهنية المواطنة أم أنه سيقع إعادة إنتاج النظام الديكتاتوري الذي كان قائما في صيغ أخرى أم سوف ننجز ما يسميه عالم الإجتماع الفرنسي فرهاد خروخوزفار شبه ديمقراطية تتيح شيء من الحرية التي يكون الغاية منها إمتصاص غضب الناس بغية الحفاض على النسق المهيمن والقائم مثلما هو الحال عليه في المغرب الأقصى ولبنان وإيران. فالترويج لفكرة الإنتقال الديمقراطي في تونس إنما يدخل في إطار إستراتيجية تريد أن تستورد نماذج وتجربة الديمقراطية مثلما هي عليه في مجتمعات الغرب الصناعي والمابعد الصناعي على نحو لا يتيح للقوى الإجتماعية التي خلقتها الثورة وجاءت بها أن تتشكل كفاعل جماعي يصارع من أجل إنتاج المجتمع وتجسيد الديمقراطية كتجربة تاريخية أتية من رحم الصراعات السياسية والإجتماعية داخل المجتمع التونسي فالنخبة السياسية الحالية ممثلة في الحكومة وفي بعض الأحزاب التي تقف إلى جانبها تريد مرة أخرى أن تستبعد المجتمع من دائرة الفعل حتى أن مفهومها للثورة لا يزال منحصرا في كونها مجرد تغيير سياسي شكلي حدث بعل مجرد إنتفاضة شعبية لا يجب أن يفضي إلى تغيير جذري في مستوى "العلاقات الإجتماعية والسياسية" بل يجب أن يحافظ على منظومة الإستبداد التي تأسست منذ دولة الإستقلال والتي خلقت ما يسمى في علم الإجتماع السياسي "بالزبونية السياسية" أين تغيب العلاقات التي تتأسس على القانون وثنائية الحق والواجب وتحضر علاقات الولاء ويعلى من قيمة القبيلة والجهة بدل قيمة المواطنة والوطن وعدم الرغبة هذه تظهر معالمها في الأساليب التي تعمل بها الحكومة الإنتقالية الحالية حيث تدعي أن القضاء مستقل وأن كل محاكماته إنما هي نابعة منه في حين أنها تعلم جيدا أن المؤسسة القضائية في تونس كانت منذ الأمس القريب أحد العناوين الكبرى إلى جانب المؤسسة الأمنية التي تعبر عن القمع والإستبداد الذي رفضه الشعب التونسي بقوة أثناء الثورة ومع ذلك فإنها ترفض بوصفها سلطة تنفيذية إنتقالية أن تساعد على توفير المناخات التي تسهل "تطهير" المؤسسة القضائية من "القضاة" الذين ثبت أنهم مرتشين ومشاركين فاعلين في مساعدة بن علي على تنفيذ سياسة القمع التي أدمت الشعب التونسي لعقدين من الزمن، كم لم تتوان الحكومة على رفع عصا القمع الغليظة في وجه الشباب المحتج ضد "فساد القضاء" وضد المتمعشين من الثورة وضد "المحاكمات الشكلية" والأحكام المخففة ضد رموز الفساد والتهاون إزاء من دعموا النظام السابق وتورطوا معه في جرائم ترتقي إلى مستوى "جرائم ضد الإنسانية" تظهر الحكومة الحالية لدى شرائح إجتماعية واسعة أنها ضد حركة التاريخ وأنها تنتمي في أساليب عملها إلى الشق المعادي لروح الثورة التونسية أي أنها تقف إلى جانب المهيمنين من هؤلاء الذين شعروا أن مصالحهم المادية والرمزية قد أصبحت مهددة بفعل الديناميكية الإجتماعية للثورة.

كذلك تتموقع بعض الأحزاب السياسية إلى جانب الشق الذي يريد أن يستفيد بشكل آني من الثورة في مستوى إستقطاب مزيد من الأنصار بأي طريقة كانت ولوكان ذلك عن طريق توضيف المشاعر الدينية وتجيشها وإستعادة خطاب الهوية المهددة أو عبر الهرسلة الإشهارية السياسية التي حولت العمل السياسي والحزبي إلى عمل تسويقي تجاري يتأسس على منطق الرابح هو من له القدرة على أن يدفع أكثر بل إن بعض الأحزاب لا يتردد في أن يتحول إلى "جمعية خيرية" إبان شهر رمضان يغدق القفاف الرمضانية على الفقراء والمساكين مستغلا فقرهم الناتج عن سياسات تنموية خاطئة وعقيمة وذلك حتى يشتري أصواتهم وولاءهم وهي لعمري الأساليب القديمة للحزب الحاكم المنحل فجزء كبير من النخبة الحزبية والسياسية في تونس كان "يناضل" ضد الحزب الحاكم ولكنه اليوم يتصرف بذهنية الحزب الحاكم المنحل ويتبنى آليات عمله وسلوكه السياسي فجزء من النخبة السياسية يعمل ضد منطق الديمقراطية ويتحالف بوعي وبدون وعي مع قوى" الثورة المضادة".

هكذا وبعد سبعة أشهر من سقوط نظام بن على بدأت الثورة التونسية تعرف إستقطابا ثنائيا بين قوى مجتمعية وأصحاب مصالح إقتصادية لا يريدون للثورة أن تحقق أهدافها لذا تراهم يلجأون لكل الوسائل التي تحفظ لهم مواقعهم القديمة وتحافظ أيضا على طريقة إشتغال النسق الذي كان قائما وإن كانت تقبل شكليا ببعض ما يمكن أن يطرأ عليه من تحويرات يجب أن تضل في مصلحتها وبين قوى أخرى ترى أنه لا بد من القطع مع النظام السابق وهذه القوى هي القوى المهمشة وجزء كبير من الطبقة الوسطى الذي بدأ يستشعر أن الثورة ستضيع منه وأنه ربما سيكتشف بأنه وقفت ضد بن علي من أجل لا شيء. يبدو هذا الإستقطاب نتيجة مرتقبة وعادية فدينامكيته هي التي ستحدد مستقبل تونس وهو إستقطاب ضروري ومهم فحركة التاريخ محكومة بالصراع إلا أن هذا الإستقطاب يجب أن لا ينحو منحى عنيفا قد يدمر كل شيء بل إن "القوى التثويرية" يجب أن تقف ضد هذا وتعمل على الإعتماد على الوسائل السلمية والمدنية للوقوف في وجه الشق المتمعش من بقاء الوضع على حاله وهنا تبرز أهمية الحركات الإجتماعية الحاملة لمشروع مجتمعي يضع فكرة الديمقراطية والمواطنة ضمن أولوياته وهذه الحركات لابد أن تتيح خاصة للفئات الشبابية أن تأخذ المبادرة وتتحول إلى فاعل جماعي غير متلاعب به. إذا فالصراع الدائر حاليا في تونس هو ضروري فهو الذي يجعلنا نستعيض بفكرة الإنتقال الديمقراطي التي تحيل على المخططات الجاهزة والمعدة مسبقا بفكرة الصيرورة التاريخية لترسيخ الديمقراطية على نحو يضعنا في قلب فكرة الفعل في التاريخ بدل الخضوع للحتميات واليقينيات فمستقبل تونس محكوم بمدى فاعلية القوى التي تصارع وتناضل من أجل فكرة الديمقراطية.

فؤاد غربالي

باحث في علم الإجتماع – صفاقس تونس