تونس: حراك إعلامي ينتصر لخيارات المصارحة والإصغاء

الصحفية ميسم من جريدة لـ بريس الصادرة بالفرنسية في تونس

تونس - ترددت في تونس خلال الفترة الماضية مقولات وبأكثر من صيغة في الخطاب السياسي وآخرها رسالة الرئيس زين العابدين بن علي إلى فاعلي قطاع الإعلام والاتصال تؤكد على حرية الصحافة وعدم وجود ممنوعات أو محظورات والتأكيد على رقابة الضمير واحترام القانون وأخلاقيات المهنة.
ويرى المتابعون ان أبعاد مبادرة الرئيس التونسي الداعية إلى "تنظيم لقاءات دورية تجمع الوزراء بمختلف الأطراف ذات العلاقة بمجالات اختصاصهم في حوارات صريحة ومفتوحة تتولى بثها التلفزة الوطنية" تتيح توسيع دائرة المواكبة الإعلامية للشأن العام وتوفير المعلومة الشاملة والدقيقة للمواطن ويكفل في الآن ذاته فرصة الاستماع لشواغل المهتمين والمعنيين بكل القطاعات والإجابة عن استفساراتهم".
فالبلد على تواضع موارده الطبيعية يبذل جهده من أجل أن تكون الخدمات العمومية من تعليم وصحة وإدارة ومناخ أعمال وآليات تكوين وتشغيل أقرب ما تكون من انتظارات المواطن. ومن أجل أن يكون الحصاد على قدر الجهد بمنطق الواقع المعيش لا بمقاييس الدعاية التي يركن إلها البعض جسدت القيادة التونسية من خلال هذه المبادرة الجديدة وعيها بأن مثل هذه المنابر الحوارية بين الحكومة والمواطن وما يتخللها من استفسارات وحتى نقد وجدل تعتبر فرصا للمساءلة والتقييم وحافزا على التقويم والتصويب لأن المردودية والنجاعة والاستجابة بأفضل ما يكون أو على الأقل بأفضل ما يمكن لانتظارات المواطن يظل المنشود في كل الحالات.
ففي بلد يعد راهنا الأول على مستوى القارة الإفريقية في مجالات التنافسية الجملية للاقتصاد وفي مجال توفر مقومات جودة الحياة وأحرز مراتب متقدمة في تقارير المنظمات الدولية المتخصصة خلال السنوات الأخيرة في ميادين حيوية على غرار شفافية العلاقة بين الحكومة والمجتمع واستجابة الإدارة لمعايير الشفافية والحياد في التعامل بين الإدارة من جهة والمواطن والمؤسسة الاقتصادية من جهة أخرى، تتنزل هذه المبادرة في سياق التطلّع للأفضل بمنأى عن منطق المصلحة الآنية والحسابات السياسوية الضيقة التي ترجع في الأفق المنظور والبعيد بالوبال على الحاكم والمحكوم على السواء مثلما أثبتت ذلك تجارب عديد البلدان القريبة والبعيدة.
ويدرك المتأمل في مسارات التنمية السياسية التي عاشها هذا البلد خلال السنوات الـ 23 الماضية المنزلة الإستراتيجية التي احتلها قطاع الإعلام في سياق المسعى إلى بناء الديمقراطية والتعددية وترسيخ الحريات وحقوق الإنسان وأيضا في سياق الجهد المبذول لصياغة تجربة تنموية متوازنة إنسانة الوجهة والوجه.
وبالفعل فإن المبادرات والإصلاحات التي طالت قطاع الإعلام والاتصال تشريعيا ومؤسساتيا وما عرفه من دفع نوعي على صعدي الموارد البشرية ومناهج المعالجة الإعلامية استبطنت وعي القيادة التونسية بخطورة رسالة الإعلام ودوره الحاسم في تجسيم الأهداف الكبرى للمشروع الإصلاحي الوطني بأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ففي عصر الثورة الاتصالية والرقمية وانفجار الإعلام الفضائي وعت القيادة التونسية ـ مثلما تشي بذلك مبادراتها ومشاريعها ـ أن التقوقع بقدر ما هو مستحيل فإنه لا يعدو أن يكون سوى ضرب من التقدم إلى الخلف.
وتأسيسا على هذا الوعي استبقت هذه القيادة تداعيات تحولات العالم وراهنت على الإصلاح والتطوير سبيلا للتعاطي مع محيطها القريب والبعيد في انسجام مع ثلاثة أبعاد رئيسية أولها الوفاء لميراث الإصلاح والتنوير والتحرير الذي طبع الساحة التونسية على مدى زهاء القرنين من الزمان وثانيها التناغم مع تطلعات المجتمع التونسي ونخبه السياسية والثقافية والإعلامية إلى واقع وطني أكثر تطورا وثالثها أخيرا مسايرة متطلبات الانخراط في المسيرة الكونية على درب بناء مجتمع المعرفة والمعلومات.
وفي سياق هذا الوعي شهدت الساحة التونسية حراكا خصبا مثريا على الأصعدة السياسية والتشريعية والهيكلية والمؤسساتية احتل فيه قطاع الإعلام والاتصال مرتبة المكون الجوهري الأصيل في مسار توطين الخيار الديمقراطي التعددي وحاز منزلة متقدمة ودورا حاسما في التأسيس لأرضية سياسية ومجتمعية ملائمة تزدهر في رحابها قيم الحوار والتعبير الحر والإصغء للرأي والرأي المخالف.
وتشهد تفاصيل الفعل السياسي والتنموي في هذا البلد الذي يطوي مع العام 2010 أكثر من 54 عاما على استقلاله على أن تطوير الإعلام بشتى مكوناته المكتوبة والمرئية والمسموعة والالكترونية وعلى اختلاف وتنوع مضامينه ومرجعياته المهنية والسياسية والفكرية ظل مشغلا دائما وهاجسا ثابتا في مسعى القيادة التونسية إلى تعميق التجربة الديمقراطية التعددية كأحد الخيارات الجوهرية لعملية التغيير السياسي التي شهدتها تونس سنة 1987.
وبفضل هذا الجهد الإصلاحي سجل قطاع الإعلام في تونس تطورا ملموسا يبرز من خلال جملة من الأرقام والمؤشرات الكمية والنوعية من ذلك ارتفاع عدد الإعلاميين المحترفين إلى 1109 حاليا مقابل 639 صحفي سنة 1990. ويشكل خريجو الجامعات زهاء نسبة 60 بالمائة من مجموع الصحافيين التونسيين كما تحتل المرأة مكانة متنامية في القطاع إذ تمثل نسبة تفوق الـ40 بالمائة من مجموع الصحافيين المحترفين.
ومن ناحية أخرى تطور عدد العناوين الصحفية التي تصدر في تونس ليبلغ اليوم أكثر من 300 صحيفة ومجلة ونشرية أكثريتها الغالبة مملوكة للقطاع الخاص وتتميز مضامينها بالاستقلالية وذلك مقابل 91 نشرية فحسب سنة 1987.
وتصدر الأحزاب السياسية التونسية سواء منها حزب "التجمع الدستوري الديمقراطي" الحاكم أو أحزاب المعارضة جرائدها الخاصة بها التي تعبر من خلالها عن رؤاها ومواقفها من سيرورة البناء السياسي والتنموي الوطني. كما تملك عديد المنظمات والاتحادات المهنية الوطنية والكثير من هياكل المجتمع المدني نشرياتها الخاصة.
وتتمتع صحف المعارضة التونسية بحوافز تمكنها من استرجاع 60 بالمائة من تكاليف الجريدة وذلك إضافة إلى المساعدات المالية التي تقدمها الدولة مباشرة إلى الأحزاب السياسية المعارضة. كما تتمتع الصحف بالعديد من أشكال الدعم غير المباشر، من بينها الإعفاء من دفع المعاليم الجمركية على أجهزة الطباعة المستوردة. وتتحمل الدولة قسطا هاما من تكاليف توزيع الجرائد على النطاق الدولي.
وبالتوازي مع ذلك وفي تجسيد للانفتاح الإعلامي والثقافي الذي يطبع الفضاء العام في هذا البلد العربي يتاح للقارئ التونسي حاليا متابعة تشكيلة واسعة ومتنوعة من العناوين الصحفية الأجنبية بأكثر من لغة إذ توزع في تونس اليوم أكثر من 1102 صحيفة ومجلة ودورية.
وتجد مجريات الأحداث في تونس سياسة واقتصادا واجتماعا صدى واسعا من خلال التغطية في وسائل الإعلام العربية والأجنبية عبر المراسلين المعتمدين في تونس حيث يمارسون مهامهم بكل حرية.
وبالنظر إلى ما أضحت تمثله الإنترنت خلال السنوات الأخيرة من رهانات من حيث سهولة التواصل وانسياب المعلومات والقدرة على متابعة التطورات الحاصلة في جميع أنحاء المعمورة بالإضافة إلى الإمكانيات التي تتيحها هذه الأداة الاتصالية في التوظيف الخدماتي والاقتصادي المتنوع تركزت في تونس رؤية متكاملة لضمان حسن الاستفادة من خدمات الإنترنت.
ولم يتوقف تطور المشهد الإعلامي التونسي عند الانفتاح على القطاع الخاص في المجال السمعي البصري الذي ظل على مدى سنوات طويلة حكرا على الدولة وإنما شمل مواكبة هذا القطاع الحيوي للثورة التكنولوجية في مجال الاتصال إذ بدأت معظم الصحف التونسية تستفيد من هذه الثورة وخاصة منها شبكة الانترنت عبر تركيز صيغ إلكترونية لمحتواها الإعلامي.
وأتاحت العناية في تونس على أعلى مستوى بهذا بقطاع الإعلام حراكا واضحا على مستوى أدائه خلال السنوات الأخيرة مما أحدث نقلة هامة يلمسها الملاحظون للمشهد السياسي والثقافي كما يلمسها المواطنون التونسيون ويدرك مداها المتابعون للشأن التونسي نقلة من ملامحها ما يطبع المشهد الإعلامي والاتصالي التونسي الراهن من تنوع في العناوين والرؤى والمرجعيات واحترام لحرية الرأي والتعبير ومقاربات التناول الإعلامي لمشاغل المجتمع من أجل مواصلة تحقيق المزيد من المكاسب والإجازات التنموية والسياسية، عنوناها الأول مشاغل وتطلعات التونسيين.