تونس تنحي جانبا 'قدسية' الخط الفاصل بين الأمن والحريات

'عندما يأتي شخص لقتلك يجب أن تدافع عن نفسك'

تونس - بعد قيام متشددين إسلاميين بقتل 21 سائحا أجنبيا في متحف باردو في تونس في مارس/آذار، سارع كتاب الأعمدة في الصحف وضيوف البرامج الإذاعية ورجال السياسة بالمطالبة بشن حملة لا هوادة فيها لإنقاذ ديمقراطيتهم الوليدة.

لكن في المقاهي والمساجد التي يرتادها ابناء الطبقة الوسطى في تونس، برزت الآن مخاوف من أن شن حملة ضد المتشددين قد تتحول إلى حملة قمع تشبه ماكان سائدا في تونس في حقبة الدولة البوليسية قبل أن يحصل الشعب على حرياته في ثورة عام 2011.

ومنذ ذلك التاريخ، ظلت تونس نموذجا للتحول الديمقراطي حيث كان البلد الوحيد الذي لم تنته انتفاضته فيما عرف "بالربيع العربي" بموجة عنف واسعة النطاق أو حرب أهلية.

لكن الهجوم الذي حدث في مارس/آذار يمثل اختبارا دقيقا لتونس، للموازنة بين متطلبات الأمن والحريات الجديدة منذ الثورة التي أطاحت بالرئيس الذي حكم لفترة طويلة زين العابدين بن علي.

ويقول محامون وزعماء معارضة ونشطاء حقوقيون ان هناك مزيدا من عمليات الاعتقال العشوائي وتجاوزات الشرطة، ويخشون من أن يؤدي قانون مكافة الإرهاب المقترح إلى تقييد الحريات في ظل خضوع المشرعين لضغط الرأي العام.

وفي بعض مناطق تونس الفقيرة، قال بعض الشبان المتدينين إنهم حلقوا لحاهم وحدوا من ترددهم على المساجد تجنبا لمضايقات الشرطة التي يخشون أن تقوم باعتقال أي أحد تبدو عليه مظاهر التشدد.

وقال معز وهو بائع متدين ومحافظ "الوضع تغير كثيرا.. لقد حلقت لحيتي لأتفادى مراقبة الشرطة المستمرة.. لكني انا ضد الارهاب واي تطرف يسيء لصورة الاسلام."

ولا تبدو تونس بعد أربع سنوات من ثورتها أنها تعود إلى أيام الدولة القمعية في عهد بن علي. فقد أجرت انتخابات حرة وأقرت دستورا جديدا ويسودها مناخ سياسي توافقي بين السياسيين العلمانيين والاسلاميين.

لكن هجوم باردو زاد من تعقيد الأسئلة الحرجة المعقدة أصلا بأن الحرية الدينية في واحدة من أكثر البلدان العربية علمانية حيث تتعايش أنماط الحياة الليبرالية على مضض إلى جانب التصور السلفي المحافظ للإسلام.

ويشيد الغرب بتونس منذ تحولها إلى الديمقراطية بوصفها أنموذجا للأمل الديمقراطي في منطقة انزلقت فيها بلدان أخرى من دول "الربيع العربي" إلى وهدة الانقسام وأعمال العنف والحرب الأهلية.

لكن تونس تكافح ايضا من أجل تحديد دور الإسلام في السياسة خاصة مع صعود الاسلاميين المتشددين والجماعات السلفية التي طفت على السطح في ظل مناخ الحريات الجديدة.

والأمن أساسي لصناعة السياحة الحيوية في تونس. وحتى الآن تقول الحكومة إن تأثير هجوم باردو على حجوزات الزائرين الأجانب مازال محدودا على الرغم من أن موسم الصيف لم يبدأ بعد.

وقال رئيس وزراء تونس الحبيب الصيد أمام البرلمان هذا الأسبوع إن السلطات ستزيد من حملتها لاستعادة السيطرة على المساجد التي هيمن علها المتشددون الذين تلقي عليهم الحكومة باللوم في تجنيد الشبان للانضمام إلى جماعات التشدد.

وقال الرئيس التونسي الباجي قائدالسبسي لصحيفة لوموند الفرنسية "نحن نحترم الحريات ولايمكن السقوط في دولة بوليسية."

واضاف قائدالسبسي "عندما يأتي شخص لقتلك وقتل جميع من حولك يجب ان تدافع عن نفسك.. لكن ذلك لايعني الخلط بين مكافحة الارهاب والحريات المدنية وحرية التعبير لأنه بإمكاننا مكافحة الإرهاب واحترام الحقوق والحريات العامة."

لكن الجماعات المدافعة عن حقوق الانسان تشعر بالانزعاج.

ومن بين بواعث القلق الحالية قانون مكافحة الارهاب الجديد المقترح الذي سيبحثه البرلمان التونسي. ويوسع مشروع القانون بعض سلطات الشرطة مثل مدة الاحتجاز قبل المحاكمة ويرفع حظرا على عقوبة الاعدام.

وتتركز المخاوف من القمع غالبا على السلفيين المحافظين والاسلاميين الذين عانوا طويلا من القمع في حكم بن علي وسلفه الحبيب بورقيبة الذي يعتبر مؤسس الكثير من التقاليد العلمانية في تونس.

وبينما يشترك السلفيون مع الجهاديين المتشددين في بعض الأفكار الدينية إلا أن غالبيتهم يرفضون عنفهم. لكن سعيهم من أجل دور أوسع للدين في الحياة العامة يزعج غالبا العلمانيين التونسيين الذين يخشون من أن ذلك قد يؤدي إلى تقويض الحريات الشخصية وحقوق المرأة.

وكان متشددون سلفيون قد قاموا في خضم الأيام المضطربة بعد انتفاضة 2011 بمهاجمة مسارح ومعارض فنية ورموز أخرى يعتبرونها غير إسلامية، وسيطر وعاظ متشددون على مساجد وأنشأوا مدارس دينية.

وحتى قبل هجوم متحف باردو، كانت الحكومة قد بدأت بالفعل حملة واسعة على المتشددين المشتبه بهم وأعادت سيطرة وزارة الشؤون الدينية على المساجد. ويقول محامون ونشطاء حقوقيون إن هذا العملية اتسعت.

ويقول أنور اولاد علي وهو محامي كثير من الجهاديين والسلفيين "الان نحن نرى أشخاصا يعتقلون فقط بسبب مظهرهم ولباسهم.. هناك حالة من الذعر.. هذا أمر خاطئ تماما.. هذا تشجيع وخلق لبؤر ارهاب جديد وليس محاربة له."

وقال رضا بلحاج زعيم حزب التحرير ذو الخلفية الاسلامية والحاصل على ترخيص إن شن حملة قد تؤدي إلى مزيد من التطرف.

وأضاف "هذا كله تهديد لمبادئ الثورة وعودة لأساليب الماضي الاسود.. الخطر الحقيقي (يكمن) في مواصلة حملات القمع واستهداف الشباب المتدين واستهداف المساجد لان ضرب مظاهر الاسلام سيخلق مزيدا من الاحتقان ورد الفعل لدى شبابنا المسلم."

لكن الانزلاق إلى عهد قمع على غرار حكم بن علي مازال أمارا غير مرجح. ويحكم حزب نداء تونس ضمن ائتلاف يشمل حركة النهضة وهو الحزب الاسلامي الذي فاز بأول انتخابات بعد الانتفاضة. ويمكن أن يحد هذا التوافق من اندفاع أولئك الداعين إلى مزيد من الاجراءات القمعية.

وقال مسؤول أمني رفيع "لن نعود للماضي ولما كنا عليه مع بن علي.. لا يمكنا فعل ذلك.. الديمقراطية وجدت هنا لتبقى وهي الان أقوى من اي وقت مضى."