تونس تشهد على ربيع شاحب في عمر الخمس سنوات

ألاعيب السياسة أفسدت على التونسيين ربيعهم

بعد مضي خمس سنوات من انتفاضة يناير/كانون الأول 2011 التي أطاحت بنظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي، تجمع اتجاهات الرأي العام على أن التونسيين لم يجنوا من "ربيعهم" سوى تجربة ديمقراطية هشة وأوضاع اجتماعية أكثر هشاشة واقتصاد منهك يقف على مشارف الإفلاس واستفحال مخاطر هجمات الجهاديين في ظل أزمة هيكلية عامة باتت تدفع بالبلاد نحو الخطأ.

وتفجرت انتفاضة 14 يناير على ايدي شباب من الجهات الداخلية المحرومة والأحياء الشعبية الأشد حرمانا مطالبين بالعيش الكريم والحرية بعيدا عن أي شعار سياسي غير أن مطالبهم ما زالت عالقة بعد أن سطت عليها أحزاب سياسية غارقة في فوضى أزماتها وحساباتها وفشل الحكومات المتعاقبة في الإصغاء إلى نبض الشارع.

تجربة ديمقراطية هشة

تكاد تكون التجربة الديمقراطية الناشئة والمتعثرة التي تنتهجها تونس منذ انتخابات خريف عام 2014 التي فاز فيها حزب نداء تونس العلماني على حساب حركة النهضة الإسلامية، المكسب الوحيد الذي تحقق للتونسيين بعد أن نأوا بالبلاد عن الانزلاق في الفوضى الأمنية والاجتماعية متسلحين بصبر إلى حد الجلد على فوضى حسابات الأحزاب السياسية.

غير أن تلك التجربة الديمقراطية باتت تعصف بها حالة من الهشاشة ما انفكت تتعمق بعد أن فاضلت الأحزاب الغرق في أزماتها الداخلية والاستخفاف بمسؤوليتها في إدارة الشأن العام على حساب معالجة الاهتمامات التنموية والمعيشية التي تعمقت حدتها.

جرب التونسيون في أعقاب نتائج انتخابات عام 2011 حكم الإسلاميين الذي قاد إلى أزمة سياسية خانقة نجت منها البلاد من خلال تسوية قادها الإتحاد العام التونسي للشغل، المركزية النقابية، وأفضت إلى تنحي حركة النهضة عن الحكم لفائدة حكومة كفاءات غير متحزبة.

وخلال انتخابات 2014 راهن أغلبية التونسيين على حزب نداء تونس العلماني الذي أسسه الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي عام 2012 حيث نجح الناخبون في قطع طريق الحكم أمام فوز الإسلاميين لفائدة النداء ومؤسسه.

غير أن ذلك الرهان تسللت إليه خيبة أمل الناخبين بعد أن تم إشراك النهضة في حكومة ائتلافية تشكلت في أعقاب نتائج الانتخابات وتعمقت الخيبة في ظل تحالف لم يكن متوقعا بين النداء والنهضة.

ولم يقد التحالف فقط إلى فشل الحكومة في وضع خارطة طريق واضحة لإنقاذ البلاد من أزمتها، بل قاد أيضا إلى تشظي النداء إلى شقين اثنين يقود الشق الأول حافظ قائد السبسي نجل الرئيس الذي لا يمانع في التحالف مع النهضة، فيما يقود الشق الثاني محسن مرزوق الذي يسعى إلى بناء حزب ديمقراطي شعبي يرفض أي شكل من أشكال التقارب مع الإسلاميين.

وقاد تشظي الحزب العلماني إلى نزيف من استقالات نوابه بالبرلمان ليفتقد أغلبيته البرلمانية لصالح النهضة التي باتت تعد الكتلة البرلمانية الأولى.

وفي ظل غياب قوة سياسية معارضة قادرة على تأمين توازن المشهد السياسي، تعمقت هشاشة المسار الديمقراطي بعد أن أفضى التحالف بين النداء والنهضة إلى استقطاب سياسي حاد بين حزبين كبيرين حاكمين من جهة، وبين قوى سياسية علمانية مشتتة وغارقة في أزمات داخلية من جهة أخرى.

وتبدو "ديمقراطية الربيع التونسي" اليوم، كما يذهب إلى ذلك كثير من المحللين السياسيين، فوضى تديرها الأحزاب تعكس التناحر على مواقع صنع القرار أكثر منها مسارا يحظى بالتأييد السياسي والشعبي باتت تجر تونس إلى الوقوف على مشارف أزمة سياسية تهدد تجربة الديمقراطية.

اقتصاد على مشارف الإفلاس

وبعد خمس سنوات من انتفاضة يناير استفحلت في مفاصل الاقتصاد التونسي أزمة هيكلية نتيجة غياب أية خطة إستراتيجية لإصلاح القطاعات الحيوية وفي مقدمتها قطاع الصناعة المعملية وغير المعملية وقطاع السياحة حتى أن اقتصاد البلاد أصبح على مشارف الإفلاس بعد أن دخل مرحلة الانكماش.

وتؤكد البيانات الرسمية أن نسبة النمو خلال العام 2015 لم تتجاوز نسبة نصف بالمئة بعد أن تراجعت مختلف المؤشرات ما دفع بالبنك المركزي والخبراء إلى إطلاق صيحة فزع لإنقاذ الاقتصاد من الانهيار.

وعلى الرغم من أن إنعاش الاقتصاد يعد أخطر ما تواجهه تونس اليوم من تحديات، تبدو الأحزاب السياسية مستخفة بمخاطر الأزمة حيث لم تتوصل إلى الاتفاق على مباشرة خطة إستراتيجية طموحة تكون كفيلة بالرفع من أداء القطاعات الحيوية الاقتصادية.

وزاد استشراء الفساد المالي وظهور اقتصاد مواز تتحكم فيه شبكات تهريب خطيرة من تسلل حالة الاحتضار إلى مفاصل الاقتصاد المنهك.

وفيما تعهدت الحكومة بتحقيق نسبة نمو بـ5 في المائة بناء على خطة خماسية تمتد خلال الفترة بين 2016 و2020، يشدد الخبراء على أن تحقيق تلك النسبة يعد أمرا صعبا ما لم يتم إجراء إصلاحات هيكلية تشمل مختلف القطاعات وما لم تنجح البلاد في استقطاب أكثر ما يمكن من المؤسسات الاستثمارية الأجنبية.

أوضاع اجتماعية أكثر هشاشة

وألقت الأزمة الاقتصادية بظلالها السلبية على الأوضاع الاجتماعية العامة في تونس حيث دفعت تلك الأزمة إلى اتساع رقعة الفقر لتشمل فئات واسعة من الطبقة الوسطى التي تعد محرار الاستقرار وإلى ارتفاع عدد العاطلين عن العمل إلى أكثر من مليون عاطل.

وتعمقت الفوارق الاجتماعية بين التونسيين بشكل مفزع بسبب إخلال التوازن في توزيع عائدات الخيرات. ووفق الإتحاد العام التونسي للشغل، يستأثر 20 بالمائة من التونسيين على 80 بالمائة من الثروات فيما يتقاسم 80 بالمائة منهم 20 بالمائة من عائدات البلاد.

ولا يتردد أهالي الجهات الداخلية والأحياء الشعبية التي لم تزدها السنوات الخمس الماضية سوى المزيد من الحرمان في التعبير عن أنهم مواطنون من درجة ثانية نتيجة شعورهم بالتهميش وتدهور مستوى المعيشة الناجم عن تراجع خطير في القدرة الشرائية.

تزايد خطر الجهاديين

تحولت هجمات الجهاديين خلال السنوات الماضية إلى خطر جدي يهدد استقرار البلاد وأمنها تماما كما يهدد كيان الدولة المدنية على الرغم من الجهود المضنية التي تقودها وحدات الجيش والأجهزة الأمنية نتيجة استشراء الفكر الجهادي في صفوف الشباب ذكورا وإناثا.

ووجه الجهاديون خلال العام 2015 ثلاث ضربات في صميم الدولة، أولها هجوم على متحف باردو وسط العاصمة وخلف أكثر من 70 ضحية من السياح وثانيهما هجوم استهدف فندقا في مدينة سوسة السياحية وخلف 38 قتيلا و39 جريحا من السياح الأجانب أما ثالثها فهو هجوم على حافلة للأمن الرئاسي.

وتقر السلطات الأمنية التونسية بأن هجمات الجهاديين تعد من أخطر الملفات المطروحة على البلاد وبأنها فككت خلال العام 2015 أكثر من 45 خلية جهادية ومنعت حوالي 20 ألف شاب وشابة من السفر إلى سوريا والعراق للالتحاق بمقتلي تنظيم الدولة الذي يتصدر فيه الجهاديون التونسيون المرتبة الأولى بأكثر من 4 الاف جهادي.

غياب إرادة سياسية قوية

يرجع جزء هام من الرأي العام التونسي عجز الحكومات المتعاقبة منذ انتفاضة يناير عن تحقيق مطالب التونسيين سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الأمنية إلى غياب إرادة سياسية قوية تمتلك من الجرأة والشجاعة ما يمكنها من الحسم في ملفات ظلت معلقة طيلة خمس سنوات.

وفي ظل تدني الثقة في أداء الأحزاب السياسية، يراهن التونسيون على مؤسسات الدولة وأجهزتها بتحقيق أهداف انتفاضة يناير وهم لا يترددون في التشديد على أنهم مستعدون للتخلي عن جزء من حرياتهم من أجل توفير الأمن والاستقرار والقضاء على الجهاديين.

وعلى الرغم من تمسكهم بالتجربة الديمقراطية الهشة والمتعثرة باعتبارها المكسب اليتيم الذي تحقق خلال السنوات الخمس الماضية، تعصف بغالبية التونسيين حالة من الإحباط تسللت إلى مختلف الفئات الاجتماعية حيث يشدد 70 بالمائة على أن البلاد تتجه نحو الخطأ وفق أحدث عملية سبر للآراء أجرتها مؤسسة سيغما كونساي التونسية.