تونس تسعى للرفع من أداء أجهزتها الأمنية وتحييدها سياسيا

إعادة رسم خارطة مراكز صنع القرار الأمني

يقود ناجم الغرسلي وزير الداخلية التونسي جهودا للرفع من أداء الأجهزة الأمنية في مواجهة هجمات الجماعات الجهادية التي باتت تمثل خطرا على كيان الدولة المدنية من جهة، وللنأي بها عن التجاذبات السياسية من خلال مراجعة تعيينات سابقة لعدد من القيادات الأمنية تمت بناء على اعتبارات سياسية وحزبية من قبل الحكومات التي تعاقبت على الحكم منذ انتفاضة يناير/كانون الثاني 2011 التي أطاحت بنظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي، من جهة أخرى.

يأتي ذلك في وقت تقر فيه السلطات بأن تونس مرشحة لهجمات جهادية نوعية وخطرة، وبأنها توصلت إلى "معلومات استخباراتية تؤكد أن التنظيمات الجهادية تسعى إلى تنفيذ هجمات استعراضية وأكثر دموية من التي سبقتها بواسطة السيارات المفخخة والأحزمة الناسفة خلال الأيام القادمة في عدد من المناطق بالعاصمة تونس مثل قصر رئاسة الحكومة ومقرات وزارات السياحة والتجارة ومؤسسات حيوية وسيادية".

وتتنزل جهود الغرسلي في إطار رؤية سياسية شاملة تقوم على "تحييد" مؤسسات الدولة وأجهزتها عن "سطوة" الأحزاب السياسية، تقضي بـ"تركيز أجهزة أمنية جمهورية ومحايدة" بمنأى عن أي محاولة "تسييس"، وبعيدة كل البعد عن التجاذبات السياسية وتقف على نفس المسافة من كلّ الأحزاب السياسية سواء منها المؤتلفة في حكومة الحبيب الصيد أو الأحزاب المعارضة، وذلك من خلال مراجعة تعيينات عدد من القيادات الأمنية التي قامت بها الحكومات التي تعاقبت على الحكم منذ 2011، وفي مقدمتها حكومة "الترويكا" التي حكمت البلاد خلال عامي 2012 و2013 .

وتفعيلا للجهود التي يقودها للرفع من أداء الأجهزة الأمنية في مواجهة هجمات الجماعات الجهادية وللنأي بها عن التجاذبات الحزبية والسياسية، أجرى الغرسلي تعيينات جديدة لقيادات أمنية شملت رؤساء مناطق داخل محافظة تونس ومحافظة أريانة ومحافظة منوبة. كما شملت التعيينات عدد من القيادات الأمنية في الجهات الداخلية خاصة منها التي تعد معاقل للخلايا الجهادية حيث تم تعيين حاتم الزرقوني مديا لإقليم محافظة قفصة وعبد القادر موسى مديرا لإقليم محافظة مدنين المتاخمة للحدود الجنوبية للجارة ليبيا وفتحي بلكحلة مديرا لإقليم محافظة قابس وحبيب حيدر مديرا لإقليم محافظة صفاقس التي تعد العاصمة الاقتصادية في البلاد وصلاح الغانمي مديرا للأمن الجهوي.

وتظهر القراءة أن التعيينات الجديدة أعادت رسم خارطة مراكز صنع القرار الأمني باتجاه الرفع من أداء الأجهزة الأمنية في مواجهة تهديدات الجهاديين بالقيام بهجمات داخل المحافظات الثلاث التي تعرف بـ"تونس الكبرى"، وفي عدد من الجهات الداخلية خاصة منها الجنوبية القريبة من ليبيا.

كما تظهر القراءة أن التعيينات الجديدة تؤشر على عزم الغرسلي على "تحييد" القيادات الأمنية عن التجاذبات الحزبية والسياسية حيث أنها شملت رئيس منطقة الأمن الوطني بباردو رئيس منطقة الأمن بالبحيرة ورئيس منطقة الأمن الوطني بحدائق قرطاج ورئيس منطقة الأمن بالعمران ورئيس الإدارة الفرعية للتنسيق بإقليم تونس وتعيين القيادي الأمني علوان الغرايري علي رأس الإدارة الفرعية للطرق العمومي بالإدارة العامة للأمن العمومي.

وتعد التعيينات الجديدة مؤشرا قويا على أن السلطات الأمنية ماضية في وضع حد لأي شكل من أشكال الانفلات الأمني صلب مراكز صنع القرار سواء منه المتعلق بضعف الأداء أو الناجم عن أي نوع من أنواع المحسوبية الحزبية والسياسية في محافظات تونس الكبرى مقر السلطة المركزية والتي تمتلك ثقلا اقتصاديا واجتماعية ونفوذا سياسيا باعتبارها تضم أكثر من مليوني ساكن وتتجمع فيها العشرات من المناطق الصناعية الهامة.

وكان الغرسلي أجرى الاربعاء تغييرات صلب وزارة الداخلية أطاحت بثلاثة مدراء أقاليم تابعة لمحافظات تونس العاصمة وأريانة ومنوبة التي تشكل خارطة "تونس الكبرى" تم بمقتضاها تعيين قيادات أمنية كفأة وبعيدة عن خارطة الأحزاب السياسية، سواء منها المؤتلفة في الحكومة أو الأحزاب المعارضة وشملت تعيين حكيم الهمامي مديرا لإقليم تونس العاصمة ورضا الشنني مديرا لإقليم قرطاج ورضا الغريسي مديرا لإقليم أريانة وعادل شوشان مديرا لإقليم مدينة بن عروس.

تغييرات جذرية

ولامست جهود الغرسلي للرفع من أداء الأجهزة الأمنية وتحييدها عن المشهد الحزبي والسياسي، تعيين قيادات أمنية صلب الإدارة المركزية لوزارة الداخلية، حيث أجرى في 4 يونيو/حزيران 2015 تعيينات على رأس مراكز صنع القرار الأمني العليا وفي مقدمتها الأجهزة التابعة للمصالح المختصة وعلى رأسها "الوحدة الوطنية لمكافحة الإرهاب و"إدارة الاستخبارات".

وأرجع الغرسلي التعيينات الجديدة التي شملت أغلب القيادات الأمنية التي تتولى إدارة الأجهزة الأمنية العليا سواء على المستوى المركزي أو على المستوى الجهوي والتي تعد مراكز صنع القرار الأمني إلى مسعى الرفع من الأداء الأمني في مكافحة الخلايا الجهادية، مشددا على أن "نسق مكافحة الإرهاب في تونس أخذ نسقا تصاعديا"، مؤكدا أن الأجهزة الأمنية "انتقلت من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة استباق العمليات الإرهابية قبل وقوعها" الأمر الذي قاد إلى "تحسن المشهد الأمني" غير أنه شدد على أن اليقظة الأمنية تبقى مطلوبة".

ولا يستبعد خبراء أمنيون تونسيون "إعادة خطة المدير العام للأمن للوطني"، ملاحظين أن "قرار إلغاء هذه الخطة أثار غضب النقابات الأمنية وتسبب في عديد الأزمات، وقاد إلى ضعف التواصل بين بقية الإدارات والمصالح الأمنية التابعة لوزارة الداخلية".

وتم إلغاء خطة المدير العام للأمن منذ تركيز حكومة الحبيب الصيد قبل أربعة أشهر على خلفية تعيين كاتب دولة مكلف بالأمن غير أن مخاطر هجمات الجهاديين دفعت بالسلطات إلى التفكير في إعادة هذه الإدارة إلى نشاطها، وهي تدرس حاليا قائمة اسمية في عدد من الكفاءات الأمنية التي تمتلك خبرة في إدارة الملف الأمني، لتعيين أحد تلك الكفاءات مديرا عاما للأمن.

وتعد الإدارة العامة للأمن الوطني النواة المركزية في وزارة الداخلية، حيث تتمثل مهمتها في التنسيق بين الأجهزة الأمنية مركزيا وجهويا.

ويرجع الخبراء الأمنيون الجهود التي يبذلها الغرسلي للرفع من أداء الأجهزة الأمنية وتحييدها عن التجاذبات الحزبية والسياسية إلى أن السلطات باتت أكثر وعيا بأهمية أداء تلك الأجهزة في مكافحة الخلايا الجهادية خاصة بعد الهجوم الذي نفذه جهاديان تونسيان في مارس/آذار استهدف المتحف الأثري بباردو وسط العاصمة تونس والذي خلف أكثر من 70 ضحية بين قتيل وجريح أغلبهم من السياح الأجانب، وكذلك الهجوم الذي نفذه جهادي في يونيو/حزيران واستهدف فندقا سياحيا وخلف 38 قتيلا و39 جريحا من السياح الأجانب.

ولا تعد هذه التعيينات التي شملت قيادات أمنية كفأة ومحايدة على رأس عدد هام من الأجهزة الأمنية سواء على المستوى الوطني أو على المستوى الجهوي، هي الأولى من نوعها، حيث قام الغرسلي منذ تعيينه وزيرا للداخلية قبل أربعة أشهر بعشرات الإقالات التي أطاحت بعدد هام من القيادات الأمنية الكبرى تم تعيينها من قبل الحكومات التي تعاقبت على الحكم وفي مقدمتها حكومة "الترويكا"، الأمر الذي عزز جهود الغرسلي في إبعاد الأجهزة الأمنية عن "المشهد السياسي والحزبي باتجاه خدمة مصالح الأحزاب والشخصيات السياسية التي كانت تتدخل قبل تركيز حكومة الحبيب الصيد في التعيينات الأمنية والإقالات".

ويرى الخبراء أن ارتفاع نسبة ثقة التونسيين في الأجهزة الأمنية التي تناهز 93 بالمئة وفق أحدث عمليات سبر الآراء "يعد مؤشرا قويا على أن التونسيين باتوا أكثر اقتناعا بأن مستقبل البلاد مرتبط شديد الارتباط بالرفع من أداء الأجهزة الأمنية في مكافحة الجماعات الجهادية وتوفير الأمن من جهة، ومرتبط شديد الارتباط بتحييد تلك الأجهزة عن أية علاقة مع الأحزاب السياسية من جهة أخرى"باعتبارها مؤسسة جمهورية" من جهة أخرى.

ويشدد الخبراء الأمنيون على أن "نسبة ثقة التونسيين في الأجهزة الأمنية تعكس وعيهم بأن تحييد تلك الأجهزة عن الخارطة الحزبية للبلاد وعن التجاذبات السياسية تعد حصنا منيعا كفيلا بضمان النظام الجمهوري والحفاظ على مدنية الدولة ونمط المجتمع المتعدد فكريا وسياسيا وتؤكد رهان التونسيين على "الأمن الجمهوري" المحايد في حماية التجربة الديمقراطية الناشئة".

لا خوف على الحريات

غير أن تحسن أداء الأجهزة الأمنية وإحكام قبضتها على الوضع العام التي تعصف به أزمة خانقة أثار مخاوف بعض القوى السياسية والمدنية المعارضة من أن تقود تلك القبضة إلى نوع من التضييق على الحريات، وإلى تداعيات سلبية على التجربة الديمقراطية الناشئة التي انتهجتها البلاد منذ الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي جرت في خريف عام 2014.

وتجد الأجهزة الأمنية التونسية اليوم نفسها أمام معادلة لا تخلو من تحديات دقيقة، ذلك أن دورها كأجهزة جمهورية في ظل تجربة ديمقراطية ناشئة يتطلب في الآن نفسه تشديد القبضة الأمنية في ظل حالة احتقان اجتماعية ناجمة عن تداعيات أزمة عامة للحفاظ على أمن البلاد واستقرارها من جهة، والنأي بنفسها عن أية "انتهاكات" لحقوق الإنسان أو ثغرات أمنية تلامس حق التونسيين في ممارسة الحريات الفردية والعامة، السياسية منها والمدنية.

وخلال الأيام الماضية لم يخف الغرسلي حصول "تجاوزات فردية"من قبل الأمن خلال التعاطي مع عدد من المظاهرات والاحتجاجات على خلفية تدذمر عدد من الأحزاب السياسية، وفي مقدمتها الائتلاف الحزبي اليساري المعارض الجبهة الشعبية الذي لم يتردد في القول بـ"عودة دولة البوليس".

غير أن الغرسلي شدد خلال جلسة استماع عقدتها لجنة الحقوق والحريات بالبرلمان يوم الخميس أنه "لا وجود لإرادة للتضييق على الحريات من قبل الحكومة"، مشددا على أن "وزارة الداخلية تضطلع بمهمة حماية الوطن والسيادة الوطنية وليس حماية أشخاص بعينهم".

ولاحظ في تعليق له على مواجهات تمت خلال الأيام الماضية بين قوات الأمن ومحتجين على مشروع قانون بشأن مصالحة اقتصادية ومالية مع عدد من رجال أعمال تعلقت بهم "شبهة" فساد خلال فترة نظام حكم بن علي أنه "لا يمكن إنكار وجود تجاوزات فردية من قبل الأمنيين"، ملاحظا في ذات الوقت أن "الأمنيين لا يسلمون من الإهانات خلال تأمينهم للمظاهرات".

وكشف الغرسلي أن "بعض الخلايا الجهادية النائمة في تونس تلقت رسائل من قبل قيادات إرهابية تدعوهم إلى استهداف المظاهرات خلال الفترة الممتدة بين 9 و14 سبتمبر/أيلول، مشيرا إلى أن "إرهابيي الخارج والداخل يتربصون بتونس وأن الوزارة لم تصارح الشعب بكل الحقائق والمعلومات الإستخباراتية التي بحوزتها حتى لا تنشر الرعب في صفوف المواطنين".

وإزاء تهديدات الجهاديين للقيام بهجمات خلال هذه الفترة التي تتزامن مع أحداث سبتمبر 2011، قال رئيس المنظمة التونسية للأمن والمواطن عصام الدردوري إن "التهديدات الإرهابية في قمة الجدية".

وأضاف أن "تهديد الجماعات الجهادية لأمن البلاد ليس من فراغ وليس وليد استنتاجات خاصة وإنما جاء بعد تفكيك جملة من المخططات والخلايا النائمة وكذلك اعترافات العناصر الإرهابية إذ تبين ان هذه التنظيمات التي تنشط في تونس لها مخططات كبرى تريد أن تنفذها"، في إطار مخطط خطر يستهدف الدولة.

وأرجع الدردوري "تخطيط الجهاديين للقيام بهجمات كبرى إلى ارتباطها الرمزي بأحداث 11 سبتمبر 2001"، مشيرا إلى أن التنظيمات الجهادية تركز دائما على البعد الرمزي للمكان والزمان".

وشدد على "أن ما يعطي التهديدات طابع الجدية أن تنظيم الدولة (الإسلامية) أعلن عن تركيز قاعدة رسمية له في ليبيا، إضافة إلى أن الأجهزة الأمنية التونسية نجحت في تفكيك 65 خلية جهادية كانت تنشط خاصة في الحدود الشرقية التونسية مع ليبيا".

وحذر عصام الدردوري من سعي التنظيمات الجهادية للقيام بهجمات استعراضية وأكثر دموية من التي سبقتها"، مضيفا أن "الجماعات الجهادية كانت تحدثت عن عمليات تفجيرية بواسطة سيارات مفخخة".

ولفت إلى أن "تونس أمامها اليوم تحد كبير لدرء الإرهاب لأن هذه العناصر بإمكانها أن تستغل حالة الاحتقان الشعبي ويجب على الشعب أن يكون واعيا بذلك وأن تتضاعف جهود الأجهزة الأمنية خلال المظاهرات حتى لا يندس فيها الجهاديون ويستغلونها لزرع الفوضى الأمنية والاجتماعية".

وقادت جهود الغرسلي التي تهدف إلى الرفع من أداء الأجهزة الأمنية وإلى تحييدها عن السياسة إلى تحسن الوضع الأمني بالبلاد حيث تم خلال الأشهر الأربعة الماضية تفكيك العشرات من الخلايا الجهادية النائمة والحد من خطورة هجماتها حتى أنها باتت مجموعات من عناصر معزولة وعاجزة عن تنفيذ أغلب مخططاتها التي تستهدف مؤسسات الدولة المدنية ونمط تدين المجتمع، الأمر الذي قلل من مخاوف التونسيين مون مخاطر الجهاديين ورفع من ثقتهم في أداء الأجهزة الأمنية.

وأظهرت أحدث عملية سبر آراء أن نسبة ثقة التونسيين في قوات الأمن مرتفعة جدا تلامس نوعا من الإجماع الوطني نظرا لنجاعة أدائها في التصدي لهجمات الجماعات الجهادية وحيادها عن خارطة الأحزاب السياسية وأيضا نظرا لدورها في حماية التجربة الديمقراطية الناشئة، حيث أظهرت عملية سبر الآراء تلك أن المؤسسة الأمنية تحظى بثقة أكثر من 93 بالمئة من التونسيين.