تونس تستعيد بورقيبة

لم يخطئ الشعب التونسي حين قرر أن يستعيد الماضي. كان ذلك الماضي هو فرصته الوحيدة لإفلات من قبضة حركة النهضة. لقد فضل الدولة المدنية وإن كانت تقيم في الماضي على شبح دولة دينية وإن كانت تسيطر على الحاضر.

تبدو المعادلة التونسية مقلوبة. وهو الدرس الذي تعلمه الشعب التونسي جيدا فمضى الى دوائر الاقتراع وهو مصمم على رد الاعتبار إلى مؤسس الجمهورية التونسية الحديثة الذي كان المتطرفون قد شرعوا في تحطيم انجازاته الباهرة.

ثلاث سنوات من حكم حركة النهضة بكل ما حفلت به من تهديدات حقيقة لإنهاء الطابع المدني الذي تتميز به الحياة في تونس كانت تكفي لدفع الشعب التونسي إلى الالتفات إلى الوراء. فكان الخيار الانتخابي صائبا.

لن يكون الباجي قائد السبسي وهو الذي ترعرع في مدرسة الحبيب بورقيبة رجل المرحلة المقبلة، ولكن فوز حركة نداء تونس التي يتزعمها سيتخذ طابعا رمزيا للتحول الذي يرغب التونسيون في تحقيقه، بعد أن كانت ثورة الياسمين قد انحرفت عن أهدافها حين سيطرت حركة النهضة الماضوية على السلطة.

لقد صحح الشعب التونسي خطأه السابق عن طريق استعادة ذكرى الرجل الذي بنى تونس الحديثة. غير أن السبسي وهو رجل قانون وكان قد تسلم العديد من المناصب المهمة في الدولة التونسية لن يكون مجرد لقية في متحف، ذلك لأن الحركة التي يتزعمها والتي نجحت في ايقاف المد الاسلاموي شعبيا هي النداء الذي يصل حاضر تونس المتمرد بماضيها الذي انطوى على سبق تاريخي في مجال إقامة الدولة المدنية.

انتصر التونسيون لحقيقة أهداف ثورتهم حين أزاحوا حركة النهضة عن الحكم، ولم يستسلموا للوعود الآخروية التي كان من الممكن أن تجرهم إلى حقبة أخوانية، ظلامية الطابع. وهو ما أنبأتهم به سنوات حكم النهضة بكل ما أنطوت عليه من فوضى.

الآن وقد استعادت الثورة التونسية مسارها الديمقراطي يمكننا أن ننظر إلى اعتراف حركة النهضة بهزيمتها باحترام.

لقد قدم الغنوشي وهو رجل اخواني من طراز خاص درسا لا يستهان به لرفاقه من أتباع الأحزاب الدينية التي وصلت الى الحكم. فالرجل لا يقل عن سواه من الاسلامويين رغبة في اصلاح المجتمع الفاسد عن طريق اشاعة التدين، غير أنه لم يتمسك بالسلطة عن طريق التزوير والرشى وهدر أموال الدولة والنصب والاحتيال كما فعل نوري المالكي في العراق على سبيل المثال.

كانت الانتخابات التونسية نزيهة ما وصفها المراقبون الدوليون، وهي شهادة للغنوشي ولحركته التي صار عليها اليوم أن تنتقل إلى موقع المعارضة. وهو موقع يضمن حريته بل وضرورته الخيار الديمقراطي الذي أقدم الشعب التونسي على تكريسه. وهو ما فشل أخوانيو مصر في التماهي معه، يوم رفضوا الاستجابة لقرار الشعب المصري في نزع الشرعية عن حكومة ممثلهم محمد مرسي.

لقد أثبت الشعب التونسي من خلال لجوئه إلى الخيار الديمقراطي بهدوء وسلام أنه سيد نفسه وأنه قادر على التحكم بمصيره وصناعة قدره.

وهو الدرس الذي يحتاج إليه العرب في زمنهم العصيب هذا.

كان من الممكن أن تصل غزوة القيروان إلى العاصمة التونسية لولا صلابة المعدن الذي صبه بورقيبة بنفسه من أجل بناء مجتمع مدني في تونس. ولهذا السبب كان فوز حركة نداء تونس بقيادة السبسي بمثابة فعل وفاء للرجل الذي أرسى قواعد العدالة الاجتماعية في تونس.

كان التونسيون يستعيدون سلوكه الابوي بنوع من الفكاهة، غير انهم لم يذموه ولم يتهموه بالفساد وبخيانتهم. وهاهم يستعيدون ذكراه نوعا من الخلاص مما كان يحذر منه ويحاربه ويقوى على المجاهرة بالسخرية منه.

انحنى التونسيون احتراما لبورقيبة حين أجلوا الرجل المسن السبسي وهو رجل تنوير.