تونس تحيط ماكرون بهالة إعلامية أكبر من حجم الزيارة

زيارة أكثر من عادية وأقل من تاريخية

وصفت اوساط مقربة من الرئاسة التونسية زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بـ"المهمة" على المستوى الدبلوماسي و"بالتقليدية" على المستوى التنموي، فيما قلل مراقبون من أهمية الزيارة ودعوا الى عدم الإفراط في التفاؤل بشأنها.

وتعد الزيارة مهمة بالنسبة لتونس التي تربطها علاقات دبلوماسية وشراكة عريقة مع فرنسا وهي فرصة للارتقاء بالتعاون إلى المستوى الاستراتيجي.

وافادت الاوساط المقربة من قصر قرطاج بأن زيارة ماكرون يطغى عليها البعد الدبلوماسي والسياسي أكثر مما يطغى عليها البعد الاقتصادي والتنموي التي تحتاجه تونس للخروج من أزمتها.

ويرافق الرئيس الفرنسي في زيارة الدولة التي تستغرق يومين بدعوة من نظيره قائد السبسي وفدا وزاريا يتكون من وزراء الخارجية والتربية والاقتصاد والتعليم العالي.

كما يرافقه وفد من رجال الاعمال والمستثمرين يمثلون 20 مؤسسة استثمارية في مسعى إلى تشخيص أزمة البلاد الهيكلية والبحث عن مدى إمكانية إطلاق مشاريع استثمارية.

وتعتبر علاقات فرنسا بتونس علاقات عريقة سياسيا وثقافيا واقتصاديا إذ تعد باريس الشريك الاقتصادي الأول حيث تستحوذ على نحو 70 بالمئة من المبادلات التجارية.

كما تعتبر فرنسا بالنسبة لتونس جسرا إلى مختلف شركائها في بلدان الاتحاد الأوروبي ما انفكت تستثمره البلاد لتوفير الدعم السياسي والمالي للتجربة الديمقراطية الناشئة.

وتنظر تونس الى زيارة ماكرون على أنها بداية نقلة نوعية في العلاقات الثنائية التي كثيرا ما اقتصرت على جوانبها التقليدية الدبلوماسية، بحسب مراقبين.

ويقول المراقبون إن توقيت الزيارة يستبطن أكثر من مغزى سواء على المستوى السياسي لجهة دعم مسار الانتقال الديمقراطي أو لجهة إنعاش الاقتصاد من خلال إطلاق مشاريع استثمارية منتجة غير تقليدية تساعد على الخروج من الأزمة.

وخلال مؤتمر صحفي عقده ماكرون مع قائد السبسي مساء الأربعاء ألقى كلمة اكتفى فيها بعبارات دبلوماسية من قبيل: نحن في لحظة مهمة من حياة تونس، مواكبة تونس والشباب العاطل عن العمل ودعم فرنسا للتجربة الديمقراطية الناشئة".

دون تطلعات تونس

أما على المستوى الاقتصادي فقد أعلن ماكرون عن إحداث صندوق مخصص لدعم المستثمرين الشبان بقيمة 50 مليون يورو وقرضا لإصلاح مؤسسات القطاع العام وتحويل نحو 30 مليون يورو من الديون إلى استثمارات.

وتواصل فرنسا التزامها بمنح تونس 1.2 مليار يورو طيلة خمس سنوات، تضاف اليها وعود الاتحاد الأوروبي بمنحها هبات تقدر بـ300 مليون يورو سنويا.

وفي ظل حاجة تونس إلى نحو 400 مليون يورو لتغطية عجزها المالي، تبدو الإجراءات المالية التي أعلنها ماكرون مساعدات محدودة إذ لا تتجاوز نسبة 30 بالمئة من حاجات البلاد ولا تعكس الهالة الدبلوماسية والسياسية للزيارة.

وبدت تصريحات ماكرون، على أهميتها السياسية، دون تطلعات تونس خاصة بشأن الدعم المالي لإنعاش الاقتصاد المتهالك والتخفيف من عجز موازنة الدولة وبشأن توفير التنمية للجهات من خلال مشاريع فرنسية منتجة للثروات ولمواطن الشغل.

وقالت اوساط الرئاسة التونسية ان تصريحات ماكرون مهمة وتعكس عراقة ومتانة العلاقات بين البلدين الشريكين، لكن مضمونها يبقى دون تطلعات تونس خاصة الاقتصادية، وان "اللحظة التاريخية" تفرض الارتقاء بعلاقة البلدين من طابعها التقليدي إلى شراكة استراتيجية".

ولم تخل كلمة ماكرون من انتقاد الديمقراطية الناشئة حيث دعا إلى "عدم التقليل من قيمة الديمقراطيين حتى وإن كانوا غير مثاليين وجعلهم في مستوى المستبدين والطغاة".

ويبدو أن ماكرون استفز السبسي الذي ردّ عليه يقول "إن تونس بلد ديمقراطي لكن لا ينبغي الحكم علينا وكأننا ديمقراطية منذ قرون".

وبدت تصريحات ماكرون وفية لمواقف رؤساء فرنسا السابقين الذين كثيرا ما كانوا يؤكدون أنهم معنيون بأوضاع تونس حتى أن عددا منهم لم يستنكف من التدخل في الشأن التونسي خاصة خلال فترة حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي من خلال انتقادات لاذعة لسياسته.

\'انتهى منطق الوصاية\'

وقال عبد المجيد الرضواني الأخصائي في العلاقات الدولية "إن منطق الوصاية على تونس وعلى ديمقراطيتها الناشئة انتهى والمطروح اليوم أن تتعامل فرنسا مع تونس بناء على رؤية وسياسات جديدة تنسجم مع حرية التونسيين في تقرير مصيرهم".

وأضاف الرضواني متحدثا لمراسل ميدل ايست أونلاين "تونس تريد علاقات شراكة حقيقة بين دولة ودولة، خالية من أي خلفية سياسية تمس بسيادة البلاد".

ويبدو، كما يذهب إلى ذلك عدد من الأخصائيين في العلاقات الدولية، أن زيارة ماكرون لم تخرج عن سياقها التقليدي ما حدا بهم إلى التقليل منها.

وأكد رياض الكشباطي مدير مركز البحوث الاقتصادية والاجتماعية على أنه "لا يمكن الإفراط في التفاؤل بخصوص الزيارة"، مشددا على أن "شان تونس وأزمتها هي اليوم بين أيدي التونسيين وليست بيدي ماكرون أو غيره من الزعماء الذين يزورون تونس".

وبدت الزيارة التي أحيطت بهالة دبلوماسية وسياسية وإعلامية ليست سوى زيارة دولة رسمية لم تخرج عن سياق أي زيارة رئيس دولة لدولة أخرى.

وقال الرضواني إن "أهمية الزيارة التي حرص كل من ماكرون وقائد السبسي على إضفاء هالة دبلوماسية وسياسية عليها تحجب عمليا حاجة تونس إلى دعم مالي هام ملموس يساعد على حل الأزمة ومن ثمة ضمان المسار الديمقراطي".

وشدد على أنه "إذا كانت فرنسا حريصة على نجاح الديمقراطية الناشئة وعلى مساعدة تونس لحل الأزمة فإن ذلك لا يتحقق بمجرد المساعدات وإنما دعم مالي هام".

ولعل ذلك ما دفع بالجبهة الشعبية إلى دعوة فرنسا إلى "اتخاذ جملة من الإجراءات العاجلة منها فسخ إجمالي ديونها العمومية الثنائية المتخلدة بذمة الدولة الفرنسية".

وطالبت الجبهة في بيان أصدرته الأربعاء الحكومة الفرنسية بـ"الترفيع المعتبر في المساعدات المالية للتنمية في تونس وعدم الاكتفاء بالوعود".

وشددت الجبهة على أن "تونس تعيش حاليا أخطر ازمة اقتصادية واجتماعية عبر تاريخها الحديث في حين تكتفي الدولة الفرنسية بالتعبير عن مجرد رغبتها في دعم تونس ومساعدة دولتها على تحقيق تطلعات شعبها إلى الحرية والكرامة".

رهان مفرط في التفاؤل

ويرى خبراء اقتصاديون أن وفد رجال الاعمال والمستثمرين الذين يرافقون ماكرون ليسوا في حاجة إلى زيارة تونس حتى يشخصوا أوضاعها فهم على دراية دقيقة وواضحة ربها ربما أكثر من نظرائهم التونسيين وحتى السلطات الرسمية.

وشدد عبد الوهاب تقية الخبير الاقتصادي على أنه "كل ما في الأمر أن المستثمرين سيتأكدون من أن مناخ الاستثمار في تونس غير ملائم حاليا نتيجة هشاشة الأوضاع".

وقال تقية متحدثا لمراسل ميدل ايست اونلاين "من الصعب أن يجازف الفرنسيون خلال هذه الفترة بإطلاق مشاريع استثمارية كبرى ومنتجة، وبالتالي فإن المراهنة عليهم تبدو مفرطة في التفاؤل إلى حد الأوهام".

ولم تخف أوساط الرئاسة التونسية مخاوفها من عزوف المستثمرين، غير أنها أكدت بالمقابل أن تونس تسعى إلى تحقيق مناخ ملائم من شأنه أن يشجع الفرنسيين على الاستثمار.

وفيما تسعى تونس، وفق مراقبين، إلى بناء شراكة استراتيجية مع فرنسا ومن ورائها بلدان الاتحاد الأوروبي، يبدو أن باريس تسعى إلى الاكتفاء بسياسة الدعم والمساعدات.

غير أن عبد المجيد الرضواني المتخصص في العلاقات الدولية قال متسائلا "كيف يمكن بناء شراكة استراتيجية متكافئة بين تونس المتأزمة وذات الثروات النادرة مع فرنسا التي تعد أحد القوى السياسية والاقتصادية من بين بلدان الاتحاد الأوروبي".

ويقول عبد الوهاب تقية الخبير الاقتصادي "إن الإجراءات المالية البسيطة التي أعلنها ماكرون بدت وكأنها غطاء لزيارة تقليدية طغت عليها هالة دبلوماسية وإعلامية مفرطة".