تونس.. تحت الوصاية الدينية بالإكراه

هجوم ضاري على قرار تونس بمساواة المرأة بالرجل في الميراث

لا يجوز لأى جهة مهما كانت سلطتها وصلاحيتها أن تفرض على «دولة ما» ديانتها، وأن تحدد مدى ملاءمتها لتندرج تحت تصنيف عقائدى محدد.. لأن ملامح كل دولة يحددها دستورها، أو يتعمد ألا يذكرها تفعيلا لبعض الحريات!

مثلا كثير من الدول الأوروبية لا تضع «الديانة» في جواز السفر، وتترك للإنسان حرية تحديد ديانته بعدما يتم «سن الرشد»، ولا تشتعل فها الأزمات بسبب التحول من ديانة إلى أخرى.. بعكس ما يحدث عندنا في الدول العربية والإسلامية، والتى يتلاعب بها الغرب نفسه بالعزف على أعصاب العقيدة المكهربة، ويشعل الفتنة الطائفية والمذهبية، ليظل مسلسل «إسقاط الدول» قائما على صراعات عرقية ودينية.. وهو السيناريو المعد مسبقا في «البنتاجون» والمسمى بخريطة «حدود الدم»!.

سرت شائعة قوية تناقلتها بعض المواقع الإخبارية التونسية، مفادها أن الأزهر یقوم بحذف تونس من قائمة الدول الإسلامية!.. وذلك بعدما أثار إعلان تونس عن دراستها اقتراحًا بشأن «إلغاء المهر» من عقود الزواج، والفتاوى السابقة التي أعلن عنها بمساواة الرجل والمرأة في الميراث والسماح للمرأة الزواج بأجنبي غضب الأزهر الشريف ولجنة الشؤون الدينية بمجلس النواب، مؤكدين أن هذه الأمور حددها القرآن الكريم ولا يجوز الفتوى بغيرها.

الجهة الوحيدة التي انفردت بنشر تكذيب «الأزهر الشريف» كانت «العربية نت»، والتى أكدت أن الأزهر قال في بيان له إنه يتابع (بغرابة ما أثير مؤخراً من شائعات عبر مواقع التواصل الاجتماعى»، بأنَّ الأزهر قرّر حذف اسم ‫تونس من قائمة الدول الإسلامية»، موضحاً أنه لا وجود من الأساس لمثل هذه القائمة!.

لكن هذا لم يمنع البعض من مطالبة «تونس» بالرجوع إلى الأزهر لأنه المرجعية الإسلامية لكل الفتاوى الدينية، والحقيقة أن الأزهر «مرجعية دينية» بحسب الدستور المصرى، ودستورنا ليس ملزما لأى دولة أخرى، ولا يعد حجة عليه ولا مبررا لفرض «وصاية ما» على حكامها وشعبها ومفتيها!

لكن محمد الشحات الجندي، عضو مجمع البحوث الإسلامية، بادر بفرض سطوته ونفوذه على دولة «حرة مستقلة»، واستنكر ما أسماه: (استمرار تونس في إهدار كرامة المرأة والطعن في ثوابت الإسلام، خاصة أن المهر ثابت بالقرآن والسنة لقوله تعالى: «وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً»، وقول النبي بأن المهور لا تقل عن عشرة دراهم).

وشدد «الجندى»على أن مسألة الزواج بدون مهر لا تجوز ولا تعبر عن تكريم الإسلام للمرأة.. وطالب «الجندي»، إفتاء تونس بوقف ما سماه (المهاترات التي تطلقها، والاستعانة بالأزهر الشريف في الأمور الدينية!).

أما النائب «أسامة العبد»، رئيس لجنة الشؤون الدينية بمجلس النواب فقال إن (الأزهر الشريف هو المرجعية الوحيدة للإفتاء ومراجعة الأمور الدينية في الداخل والخارج).. والحقيقة أن هناك دولا إسلامية عديدة لا يعرف الأزهر عنها شيئا، اللهم إلا إرسال بعض العلماء لنشر الدعوة أو استقدام بعض الطلبة للدراسة وتحفيظهم القرآن.. فبأى حق يكون هو «المرجعية الوحيدة في الداخل والخارج» ؟!.

هناك دول ذات غالبية مسلمة من منطقة الوطن العربي وأفريقيا وآسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا وشبه القارة الهندية والبلقان، تتبع «منظمة التعاون الإسلامي»، التي تضم 57 دولة إسلامية فقط، ودول أخرى لا تتبعها، ونحن لا نعرف شيئا عن أحوال مسلميها، ولا نتذكرهم إلا بمؤتمر يتيم أو زيارة من الدكتور «أحمد الطيب»، شيخ الأزهر، ولا يعرف كل من يتحدث عن شؤون المسلمين وكأنهم «تحت إبطه» شيئا عما يأخذون به من «الأحاديث النبوية» الشريفة أو يتركونه في دولة مثل «كازاخستان» وهى أكبر دولة إسلامية من حيث «المساحة»، لا يعرفون ما يحدث للمسلمين في «أفغانستان»، ولا كيف يفسرون «القرآن الكريم» في «إندونيسيا» وهى أكبر دولة تضم سكانا مسلمين في العالم 12.7% من المسلمين في العالم، وقد لا يعرف السادة العلماء أن عدد المسلمين في الصين يفوق عددهم في سوريا، هم حتى لا يدركون أن جماعة «بوكو حرام» تحكم «نيجيريا» بالإسلام كيفما تراه.. تماما كما يتجاهلون ممارسات تنظيم «داعش» في دول الجوار (العراق، ليبيا، سوريا)!

فكيف للأزهر أن ينفرد بالمرجعية الدينية لحوالى 1.62 مليار مسلم حول العالم؟!.

المهم بالنسبة للبعض مهاجمة «تونس»، وكأنه بذلك يجامل «شيخ الأزهر»، الذي شن هجوما ضاريا على «تونس»، بسبب قرارات الرئيس التونسى «الباجى قائد السبسى» لمساواة الرجل بالمرأة فيما يتعلق بالميراث وزواج المسلمة بكتابى، وذلك في مؤتمر دار الإفتاء المصرية عن «دور الفتوى في استقرار المجتمعات».

وكان يجب على الذين هاجموا «تونس» بسبب دراستها لـ«إلغاء المهر»، أن يراجعوا ما رواه مسلم في الصحيح رقم (1425)، ليعلموا أن الرسول (عليه الصلاة والسلام)، قد زوج صحابيا بما حفظه من القرآن، بعدما لم يجد لديه حتى خاتم من حديد! فلا داعى للمزايدة ولا محاولة حكم تونس بريموت كنترول يسمى «صكوك الغفران»!.

سحر الجعارة

نشر في المصري اليوم القاهرية