تونس: تجربة بناء دلائلها الواقع

لندن- احمد عبد الله
مستويات إعمار أوروبية

حتى ولو كان التقدم الذي احرزته تجربة البناء والتنمية في تونس، لا تبدو كافية لبعض الذين يتصيدون البحث عن نواقص، فيعثرون عليها بالخروج عن جادة الموضوعية، فان واقع هذه التجربة وملموسها الميداني ما يزال يقدم أدلة لا تدحض على نموذج استثنائي ما يزال، ببساطة، هو الأرقى بين الدول العربية والاسلامية والأفريقية.
فقد أضحت تونس تصنف اليوم ضمن قائمة البلدان الصاعدة كما انها ما فتئت تحوز مواقع متقدمة في تصنيفات وتقارير المؤسسات والأجهزة الدولية والأممية المتخصصة في الشأن الاقتصادي وفي مجال التنمية البشرية.
ويدرك المتابع للمسارات التنموية التي سلكها هذا البلد العربي الإفريقي خلال العقدين الماضيين بالخصوص تبين حجم النقلات الهيكلية التي أدركها النسيج الاقتصادي والمؤسساتي التونسي وكذا المشهد الاجتماعي بتجلياته المختلفة وذلك نتاج جهد مثابر للإصلاح والتأهيل والتحديث استهدف الارتقاء بتنافسية المؤسسات الإنتاجية وتعصير خدمات الإدارة وتطوير وتجويد أداء الجهاز المالي والمصرفي من ناحية وعمل من ناحية أخرى على تعزيز مؤشرات التنمية البشرية من صحة وتربية وتعليم وتشغيل ورعاية اجتماعية وتوسيع قاعدة الطبقة الوسطى التي تعد في كل البلدان المحرك الأساسي للتقدم الاقتصادي والرقي الاجتماعي.
ويعد ذاك الجهد المثابر نتاج وعي النخب السياسية والاجتماعية والاقتصادية في هذا البلد بأن المناعة الاقتصادية تعد صنوا للاستقلال بمعانيه العميقة الشاملة و بأن اقتصادا صلبا تنافسيا قادرا على تلبية حاجيات التطور المادي والاجتماعي يظل السبيل السالكة والضمانة الحقيقية لاستقلالية القرار السياسي الوطني في عالم تعصف به نزعات الهيمنة وتتصارع فيه إرادات القوى الكبرى والصغرى من أجل تقاسم مناطق النفوذ والتسويق.
وقد كانت السنوات العشرون التي مضت على تغيير 7 نوفمبر 1987 الذي ارتقى بزين العابدين بن علي الى الحكم عامرة بزخم إصلاحي كبير شمل كل دواليب الاقتصاد التونسي ومختلف مكوناته وقطاعاته العمومية والخاصة استهدف تحديثه وتعصيره تشريعيا وهيكليا من أجل الارتقاء به الى مستوى تطلعات المجتمع الى مزيد الاكتفاء والرفاه المادي وإلى مستوى المنافسة المتفاقمة في محيط البلاد القريب والبعيد في ظل العولمة الزاحفة وتاثيراتها المزلزلة أحيانا على توازن الاقتصاديات والمجتمعات سلبا وإيجابا.
ومن المهم التنويه في ذلك كله إلى أن تونس لم يكن سندها في ما حققته من مؤشرات تنموية عالية ومشرفة وما أحرزته من نقلات نوعية مجتمعية واقتصادية ريع متدفق لثروات طبيعية.. بل إن سندها الأول كان ولا يزال صورتها كبلد للاستقرار والأمان... بلد تزدهر فيه قيم التسامح والحوار والاعتدال وهي فضائل أسندتها على مدى خمسين سنة من الاستقلال وبالأخص على مدى العقدين الأخيرين منجزات اقتصادية وسياسية واجتماعية هامة ارتقت بها إلى منزلة إحدى الدول الصاعدة .
كما مثلت فضائل الواقعية والعقلانية والاعتدال ومنهج التخطيط والاستشراف واستباق التحولات المفتاح لما توصل إليه هذا البلد الذي "أنعمت" عليه الطبيعة بشحها من نجاحات تنموية ونتائج اقتصادية كان فيها الإنسان التونسي الغاية والوسيلة ومحط الرهان.
وتبرز عديد المؤشرات والأرقام حصاد السياسات التنموية والاقتصادية التي اعتمدتها تونس والتي انبثقت عن خيارات وطنية صميمة وعولت في المقام الأول على القدرات والإمكانات الذاتية الى جانب روافد التعاون والشراكة مع الخارج أن الاقتصاد التونسي بمختلف مكوناته وقطاعاته قد أدرك اليوم بفضل الإصلاحات العميقة التي طالته على المستويات التشريعية والهيكلية وعلى مستوى مناهج وأنماط الانتاج والترويج والتصدير مستوى مرضيا من الصلابة تعزز جانبه في معركة المنافسة المتواصلة والمتفاقمة.. وكانت نتائجه خير رافد لمسار تحسين مقومات الرفاه المادي لكافة شرائح المجتمع.
وبفضل محيط الأعمال المحفز وميزة الأمن الاستقرار التي تطبع تونس في محيطها الجغرافي العربي والمغاربي والمتوسطي ما فتئ يتعزز حجم الاستثمارات الخارجية المباشرة بما تضخه من عملة صعبة وما تتيحه من فرص لنقل التكنولوجيا وفتح أسواق جديدة للتصدير ناهيك انه تنتصب حاليا على أرض تونس زهاء 3000 مؤسسة توفر عشرات الالاف من مواطن الشغل.
وقد أفرزت النقلة التنموية التي شهدها هذا البلد على مدى العقود الخمسة المنقضية تحولات نوعية من تجلياتها تغير تركيبة المجتمع التونسي اذ نزل معدل النمو السكاني وتحسنت ظروف الصحة والعيش ليتجاوز معدل مؤمل الحياة عند الولادة 74 سنة وهو معدل أقرب الى المعدلات المسجلة في البلدان المتقدمة منه الى تلك المحققة في البلدان المشابهة تنمويا .
واستنادا إلى تقويم موضوعي لحصيلة المنجز التنموي التونسي خلال العقدين الأخيرين والتي وجدت صداها تثمينا وتقديرا في تصريحات أوساط المال والأعمال الدولية وتقارير الأجهزة والهياكل الدولية والأممية المتخصصة فإن الآفاق تبدو اليوم واعدة بتحقيق تونس مزيدا من المكاسب التنموية النوعية التي تؤكد مكانتها كبلد صاعد.
وقد أثمرت هذه السياسة الاصلاحية جملة من المكاسب النوعية تعكسها عديد المؤشرات ذات الدلالة التي حظيت في أكثر من مناسبة بتقدير المؤسسات والمحافل الدولية المتخصصة على غرار صندوق النقد الدولي والبرنامج الاممي للتنمية ومنتدى دافوس. وفي هذا الباب تجدر الاشارة بالخصوص الى تضاعف الناتج المحلي الإجمالي 5 مرات منذ 1987 وتراجع المديونية وانخفاض معدل نسبة التضخم الى 2 فاصل 7 بالمائة سنة 2004 مع نسبة نمو بمعدل 5 بالمائة سنويا بما يسر خلق عدد متنام من مواطن الشغل. كما تقلصت نسبة الفقر الى 8 فاصل 3 بالمائة و اتسعت قاعدة الطبقة الوسطى لتشمل أكثر من ثلثي السكان التونسيين مع نسبة نمو ديمغرافي لا تتعدى 1 فاصل 1 بالمائة وتطور نسبة التمدرس التي تفوق حاليا 99 بالمائة بالنسبة للأطفال في سن السادسة إناثا وذكورا على حد السواء وأن عدد طلبة الجامعات قد تضاعف ست مرات لتفوق نسبة التسجيل بالتعليم العالي راهنا 27 بالمائة من بين الفئة العمرية 20/24 سنة.
وقد إرتقت تونس بفضل تمشي الإصلاح الإقتصادي الى احتلال المرتبة الأولى في إفريقيا على مستوى القدرة التنافسية كما ان البلاد تعد اليوم قطبا متميزا لجلب الإستثمار ووجهة سياحية مفضلة تستقطب سنويا أكثر من 5 ملايين سائح.