تونس بين رؤية 'حركة تمرد' واستراتيجيات المعارضة: تقاطعات أم اختلافات؟

"لقد تعلمنا أن نطير في الجو كالطيور وأن نسبح في البحر كالأسماك، ولكن لم نتعلم كيف نمشي في الأرض كإخوة"

مارتن لوثركينغ

من العسير فعلا على الملاحظ توقع ما الذي تمر به المنطقة العربية... مظفر النواب تنبأ وقال: "سيكون خرابا". ولكن نبوءته ليست قدرا لا محيص منه! ويبدو أن ما تريد فعله حكومات الإسلام السياسي - التي سيطرت على السلطة في مصر وأزيحت منها ومازالت حاكمة في تونس وفي ليبيا والمغرب الأقصى نسبيا- أكثر بكثير من السعي إلى اجتثاث المكتسبات المدنيّة، إنها تدمر الدولة والمؤسسات وتسعى، على قدم وساق، أن تعيد "البناء" وفق ما تتخيّله عن الدولة الدينيّة الموهومة.

هل يسلك الإخوان لعبة شفير الهاوية؟

طموحات الإخوان الفلسطيين والأتراك في تعضيد إخوانهم المصريين من أجل العودة كبيرة، وسعي الإخوان في سوريا للسيادة بشكل ما ضمن الائتلاف مع التنسيق السري خارجه مع قوى موغلة في الإرهاب حثيث، وأطماع الإخوان في العراق التي تتغذى بالصراعات والتفجيرات واسعة، وأحلام الإخوان في الخليج تظل قائمة....أليس كل هذا كافيا ليجعل أكثر الملاحظين تفاؤلا يتوقف ويبدي الحذر؟

إن المواجهة الدامية وإن كانت ليست حتمية ولا آلية، فإنّها متوقعة على درجة عالية، خاصة عندما نسمع عن اجتماعات تعقد في تركيا وقرارات يتم اتخاذها تبدو خطيرة. وعندما تأتينا أخبار قدوم جحافل طالبان باكستان بقضها وقضيضها إلى سوريا. إن التاريخ في الغالب عاصف وربما الأحداث في مصر حاليا ستكون هي الميزان على مدى قدرة منطقة شمال أفريقيا والمغرب العربي وفي الصدارة من أحداثها مصر وتونس وليبيا على تخطي الحالة الدموية والخروج من مأزق إدماج الدين في السياسة مع اعتماد الدين كجزء أصيل من الإلهام الحضاري. ولو نظرنا ما الذي حصل في أوروبا مثلا في فترة الصراع داخل الكنيسة وبين الشعوب والسلطة بشقيها الكنسي والملكي أدركنا أنه كلما كان هناك إدماج للدين في السياسة كان هناك دماء ودموع ودمار...الاستثناء الوحيد هو في أوروبا هو البلدان الشمالية بعد أن استتب الأمر في وسط القارة وجنوبها ورأت الشعوب الشمال مآسي التغيير وفوائده، اقتبست الثمرات وانتقلت إلى الديمقراطية والمدنية بأقل التكاليف بالمقارنة مع جيرانهم، فهل ثمة أمل في أن يكون التغيير سلميا أيضا في المنطقة؟

تفاعل الشارع السياسي التونسي مع الحراك المصري

يتردد لدى كثير من الشباب أنّه وبغض النظر عن التقييم النهائي للحضور العسكري في الموجة الثورية الثانية بمصر في 30 يونيو/حزيران 2013 بإيجابياته وسلبياته؛ فإن طائفة من السياسيين الكلاسيكيين في تونس جفّ خيالهم عن تصّور أيّ شيء جديد. وأنه لم يكن ممكنا لهم أن يتصوروا فكرة الديمقراطية الثورية المباشرة، لأنهم ليسوا ثوريين بل تغلب عليهم نزعة تلفيقية ليبراليين كانوا أو حتى يساريّين. ويشير الشباب المتحمس إلى أن هؤلاء السياسيين لم يرتقوا حتى لفكر زعماء أواسط القرن أواسط القرن الماضي الذين كانوا أكثر ثورية وأعمق شعبية من هؤلاء بكثير. ولئن كان أولئك الزعماء التاريخيين مستبدين وأقل حرصا على حقوق الإنسان فإن مغامراتهم من أجل التحديث وتمسكهم به وعملهم على مقارعة الصعوبات في مجال العادات والعقليات – فضلا عن التحديات الاجتماعية والاقتصادية - مشهود لها بالزخم المفقود عند النخبة الحالية. وقد كشفت الأحداث والتفاعلات معها أداء النخبة فاتر؛ فهل يكون ذلك بسبب رغبتهم في البروز كما لو كانوا صوت العقل والحكمة؟ ولكن لمعلق أن يقول ما أسهل أن يتقمص هذا النوع من السياسيين لبوس الحكيم! وما أعسر أن يلعب دوره!

فعلا، لم يكن ممكنا للمعارضين - العرب عامة وبمن فيهم التونسيون - أن يتخيلوا ثورة تُوقّع وتُمضى وتُبنى في الشوارع، ثورةً تُعلن بالتاريخ واليوم قبل ما يقرب من ثلاثة أشهر عن تنفيذها. لم يأخذوا في الحسبان حوار الجيش مع الرئيس المصري منذ نوفمبر ثم إعطائه مهلة أسبوع ثم منحه مهلة 48 ساعة ثم تمكينه من فرصة الحديث المباشر للشعب قبل 24 ساعة تقريبا في خطاب مهوس بشرعية انتهت كل مبرراتها. فما كان منه إلا أن رفض على المكشوف، وما كان منهم إلا أن ثاروا وتمردوا على المكشوف تماما مثلما وعدوا. وهكذا خرج قرابة 33 مليون مصري في تمرد قابل أن يتحول عصيانا أو ثورة عاصفة لولا تدخل الجيش الذي وإن انحاز لصف الشعب المتمرد فإنه لعب دور المعدل للحراك الجامح، فعن أي انقلاب يتحدثون؟ هذا الموقف ليس مستغربا من هؤلاء السياسيين التونسيين التقليديين فهم لم يعيروا وزنا كافيا حتى لما أعرب عنه قائد الجيش التونسي المستقيل ومن قبله وزير الدفاع السابق عما يستشعران به من مخاوف جمة على البلاد والعباد؟

الحالتان المصرية: مجادلات ومقارنات، ذرائع وردود

في خلال أيام قلائل سال كثير من المداد في الجدل والمناقشات، وحاول هؤلاء الساسة ونظرائهم من بعض الحقوقيين والجمعياتيين "الاقناع" بالاختلافات بين الحالتين المصرية والتونسية، وعرضوا العديد من التخوفات مركّزين على ما يعتبرونه خطأ نقل التجربة المصرية؛ فما هي أهمّ الذرائع؟ وما الردود عليها؟

• الذريعة الأولى أن لكل بلد وضعه الخاص أنه إذا جاز أن تكون لنا حركة تمرد تونسية فيجب ألا تتأثر إلا بالوضع التونسي، وان تنسق مع الأحزاب تنسيقا منهجيا، فرد عليهم قادتها ما مفاده أن هذا حق أريد به باطل باعتبار ما بين الثورتين في تونس ومصر من اتصال وثيق وما تسمح به ظروفهما من التأثير والتأثر، وأكدت تمرد التونسية انها أقدم في الزمن من نظيرتها المصرية وأنها أخذت في الحسبان خصوصية الحالة التونسية ولهذا لم تدع للتمرد إلا عند انسداد الأفق. كما وضحت تمرد أن مراعاة مقتضيات التنسيق لا يجعل تمرد تابعة للأحزاب خاصة إذا كانت هذه الأحزاب غير متحمسة لحل المجلس التأسيسي ولا مطالبة بحل الحكومة بشكل واضح.

• والذريعة الثانية أن حركة النّهضة التونسية مختلفة عن الإخوان في مصر إلى درجة ما من التمايز. ولكن من يرفض هذه المقولة يرد قائلا بأن التمايز بينهما شكلي وأنه لا شيء يمنع من حصول ما حصل في مصر أن يحدث أيضا في تونس، باعتبار أن كل مظاهر الفشل ومعوقات الانتقال الديمقراطي موجودة بل إن بعضها أخطر؛ باعتبار أن الترويكا قد استهلكت الشرعية القانونية، وهي تستولي عمليا على مفاصل الدولة بطريقة منهجية، وأن المعارضة ليس لها حولل ولا قوة لإيقافها في حين نجدها تُوهم التونسيين والعالم بأنّها بصدد الإعداد للانتقال الديمقراطي، وأن "عوائق موضوعية" حالت دونها ودون الالتزام بالموعد الرسمي المعلن سابقا (23 أكتوبر2012).

• الذريعة الثالثة أن المؤسسة العسكرية في مصر نافذة منذ سنوات، وأن أغلب الحكومات في مصر كانت حكومات قريبة من العسكر في حين إن عقيدة الجيش التونسي لا تؤمن بالتدخل في الحكم. ويتم الرد على هذه الذريعة بانها تغفل حقيقة أن هذا الجيش وجد نفسه في أحداث الثورة التونسية يرفض إطلاق النار على الثوار، ثم مجبرا على حمايتهم بعد ذلك باعتبار أن حمايتهم هي من صميم الأمن القومي. إن حدثا كهذا إذا حصل، سيجعل الجيش التونسي مرة أخرى بين خيارين: مساندة الشعب أو مساندة الحاكمين. وقد يرجح الناطق الرسمي باسم تمرد التونسية قائلا: "عمليا، المؤسسة العسكرية في نهاية المطاف، وحين دخول البلاد في مواجهات، ستحترم إرادة الشعب التونسي في صورة توتر الوضع الأمني وخروج الملايين إلى الشارع، كما أن المؤسسة الأمنية بدورها، ورغم ما تشهده من اختراق، فهي ستنضم إلى قرار التونسيين حسب تقديرنا وبنسبة تقارب 98%". لننتظر ونشاهد ماذا سوف يحدث، وماذا سيكون موقف الجيش الوطني تجاه سلطة الترويكا.

• الذريعة الرابعة هي أن السلطة في تونس ليست إخوانية محضة بل قائمة على ائتلاف الترويكا بمكوناتها "المتعددة" إيديولوجيا، وهذا الطرح أثبتت الأحداث والوقائع والمواقف أنه مغالط والدليل على ذلك أن حزب التكتل الذي يشاع أنه علماني ومن يسار الوسط يمثّل المساندة غير النقدية وغير الفاعلة عكس ادعاه التكتل في تبرير انضمامه إلى الترويكا بمقتضيات المصلحة الوطنية. أما عن حزب المؤتمر فحدث ولا حرج! فقد تبين أنه ليس معبرا عن الوسطية ولو جزئيا بسبب الانشقاقات الكثيرة التي جدت فيه، وانسحابات ما يمكن اعتبارهم مدنيين أو علمانيين منه، وسيطرة الشّق القريب والموالي للنهضة عليه.

أساليب المعارضة التونسية في "مواجهة" النهضة

في مصر كما في تونس، وجدت القوى الدينية المتحفزة نفسها في مقابل حركات سياسية معارضة مترددة ومتذبذة وتفتقر إلى التنسيق فيما بينها؛ فالقوى المدنية التقدمية والتحررية سلكت مع سلطة الإسلاميين وحلفائهم أسلوبين مختلفين لم يرقيا حتى ليكونا "استراتيجيتين" واضحتي المعالم. أما الأول فهو أسلوب حيوي قاعدي يكشف نوايا الحاكم باسم الدين ويعري أخطاءه، وهو مشروع الاستراتيجيا الذي اتبعه الشهيد شكري بلعيد وتم إجهاضه باغتياله حيث قدم روحه فدى لوطنه، وهذه الاستراتيجية اعتمدها أيضا بعض المعارضين في مصر بهذه الدّرجة أو تلك. وأما الثاني فهو أسلوب بدا مبالغا في التعويل على الحوار فأدى ويؤدي إلى إنقاذ تلك القوى الدينية من كل المآزق التي أوقعت نفسها فيه، حتى وإن لم تكن تلك هي نوايا مصممي ذلك الأسلوب؛ لأن هذه القوى باتت كما لو أنها تغطي على أخطاء النهضة بطريقة أو بأخرى، وتمد لها خشبة النجاة عبر التفاوض المفضي إلى توافق ظلّ دائما هشّا ولكنه يسبغ عليها المشروعية. وقد اعتمد على هذا الأسلوب معظم المعارضين في تونس وقلة منهم في مصر، مع العلم بأن الجبهة الشعبية التي ينتمي إليها الشهيد وقفت مشدوهة لفترة ليست قصيرة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء "فخدمت" بذلك الاستراتيجية التي هي عكس مبتغاها.

ومن جهة أخرى، يمكن القول إنّ إخوان مصر كانوا أقل قدرة على المناورة في حين أن النهضة التونسية بدت أكثر تمرسا وقدرة على استيعاب أساليب ودروب السياسة العملية المعتمدة غربيا؛ أي التي تقوم على حسابات براغماتية عالية في خصوص التعامل مع الخارج عامّة، وهيمنية في خصوص المستعمرات السّابقة ومناطق النفوذ... والفرق بين سياسة حركة النّهضة والسياسات الغربية هو أن النهضة تمارس ذلك مع مواطنيها و" تبيعهم" إلى الخارج من أجل شهوة الحكم وغنيمة السّلطة!

الحكم الانتقالي في تونس في ميزان حراك التمرد

يؤمن أغلب أنصار حركة التمرد في تونس أن الإسلاميين مازالوا حاكمين لمجرد أن المعارضة عاجزة لا بحكم ضعفها العددي بل بحكم تشتتها وترددها وأمراض الشيخوخة السياسية التي أصابتها قبل أن تشيخ! فرؤيتها ضبابية لأنها قائمة على رفض جزئي ليس هيكليا لفكرة الشرعية، تمسك بشعرة معاوية لأن بعضها مشارك في إضفاء "الشرعية" على المرحلة عبر التواجد في المجلس التأسيسي مرددين مقولة مستهلكة وتجاوزتها الوقائع مفادها أن أساس الانتخابات السابقة 23 اكتوبر 2011 لم يكن لاختيار حكّام وإنما لكتابة دستور ولاختيار هيئة مسيّرين مؤقتين. وبقدر ما كلمة "مؤقت" مزعجة للسلطات القائمة في بداية الأمر صارت مخدّرا ذاتيا تستعمله المعارضة لإقناع نفسها به، فالباعث على الغرابة أن هذه المعاضة لا يتصل إلى النتيجة المنطقية القائلة بأن المسيرين المؤقتين حرّفوا مسار الانتخابات وانتقلوا من التسيير إلى الحكم بل الاستبداد به. وهنا موطن الاختلاف؛ إذ يبدو أن المترددين مازالوا هم بدورهم متمسكين بمشروعية باتت الأغلبية الصامتة تراها الشعب زائفة. ولعلّهم يفعلون ذلك تجنبا لمسار المواجهة، وخشية من الانجرار وراء حراك الشارع الذي قد ينفلت دون حسبان نتائجه بدقة بسبب هشاشة الوضع، ولا ننس أبدا حساب الحقل وحساب البيدر لدى هذه المعارضة! هؤلاء يلتقون في مساندة "موضوعية" للنهضاويين بهذا القدر أو ذاك وفي تأبيد تصور زائف للشرعية التي انتهت قانونيا وتآكلت توافقيا واهترأت شعبيا وتعفنت سياسيا وهي في حالة موت سريري.

كما جس الشباب المتمرد نبض الشارع فوجد فعلا أن الشعب رفض المشروع المجتمعي والثقافي والسياسي للنهضة وكشف بؤس وعودهم على الصعيد الاقتصادي. وأدرك الشباب أن الشعب تغلب عليه مدنية أو علمانية واسعة باتت ترفض النهضاويين قطعيا، وأنه ينتظر إسقاطهم عن طريق المعارضة رغم عدم إيمانه العميق بها وخيبات أمله في بعضها الواحد تلو الآخر، واستدرك الشعب أن الزعيم الذين كان ينطق بلسانه ولو جزئيا انتبه له خصومه - قبل أن يحميه شعبه - واغتالوه. ولكلّ هذا بات الشعب متحفزا لإسقاطهم، إلا أن من خصائص الشعوب العريقة أن تبدي ما لا تبطن، وقد تهادن وتوارب لتنقضّ ربما هذه المرة في الحالة التونسية على الجميع – حكما ومعارضة - في لحظة ثورية يخشى أن تكون فعلا دامية. لهذا بادر الشباب بعملية وسيطية متجنبا صورة الزعيم المخلص مقترحا قيادة جماعية تداولية نجحت في مصر ويُرى أنها يمكن أن تنجح في تونس فحركة تمرد تبدو الآن حاضنة آمال الشعب وتنظيما للتعبير الشعبي عبر ديمقراطية الشارع الممنهجة، وآلية للتنسيق مع المعارضة الراغبة في الانخراط في الضغط على المجلس التأسيسي لكي يحل نفسه وعلى الحاكمين لقبول التنحي عن الحكم، داعين إياهم إلى أخذ العبرة من الحدث المصري حتى يقبل الشعب تخليهم بعد اكتشاف زيغهم ولا يلفظهم لفظهم لفظ النواة خارجه.

إن شعور الشعب بالمرارة وبالإهانة العميقة إزاء الاستغفال الذي وقع عليه والوعود الخلّب التي كان ضحيتها؛ في حين كانت ثورته ثورة كرامة وحريّة بالأساس، هذا من جهة، واكتشاف لخطئه بأن النهضاويين يمثلون ماضي السلف الصالح، وانتباهه لغفلته حين عقد عليهم الأماني "لإعادة " ما يسمى في المخيال العام "العصر الذهبي" كل ذلك سيجعله يطويهم إلى أمد بعيد، وربما إلى غير رجعة؛ لأنهم ظهروا ككائنات متعطشة إلى الغنائم جوعى إلى المال، قد تستبيح من أجل عقائدها الفاسدة ومصالحها الضيقة الدّم والوطن، كائنات آتية من الماضي الراكد، الموسوم بالاحتقار والصلف والعنجهية، المتميز بالرداءة والنفاق والبؤس، ويبدو أن معظم الثائرين حكموا بأنه لم يعد لهم مبرر للوجود سياسيا وحتى فكريا.

وبدوري أعتقد أنه قد يكابرون وتأخذهم العزّة بالإثم فمنهم من تباهى بالميليشيات ومنهم من هدد بدوس التمرد واستباحته في الشوارع... ولكن حتى إذا كان لابد من التضحيات فإن الشعب التونسي يبدو مصمما على المضي قدما في مساره الثوري، ولذلك سيضطرون - شاؤوا أم أبوا – ولو في المدى المتوسط أن يقتصروا على الاكتفاء بجماعة دعوية، وسيتأكد لمعظمهم أن الفكرة السياسية المركزية التي تربط ربطا ميكانيكيا وقسريا بين الدين والدولة وتسبغ على الحكم صفة السلطان الإلهي والشرعية الدينية - لا معنى السلطة الدنيوية – لم يعد يؤمن بها إلا من هو خارج التاريخ.

إذن يمكن الجزم بان الحراك الثوري الثاني الذي يطلق عليه الآن في مصر تسمية "المسار التصحيحي" انطلق رغم ما فيه من نواقص ومخاطر! وإذا كان الأغلبية يثقون في نجاح التصحيح، فإن عددا آخر أقل لا يزال متخوفا ويتساءل عن مآل الأمور، وهذا ما ستكشفه الأيام. لكن كيف سيكون شكل المسار الثوري في تونس ومضمونه ووكيف ستكون فعالياته ومن يكون فاعليه؟ وهل سيكون سلميا وهو المأمول أم ستحدق به المخاطر وهو سيناريو ممكن أيضا حسب البوادر الظاهرة؟ هذه هي الأسئلة التي مازالت في طي الغيب.