تونس بين المتاهة السياسية والكارثة الاقتصادية

الشعب التونسي يفكر في مصير ثورته وأزماته الاقتصادية والصحية فيما طبقته الحاكمة تتسلى في نصب المكائد وحياكة المؤامرات.


حركة النهضة لن تنجد هشام المشيشي إذا ما أسقطه الشعب


الغنوشي صنع المشكلة وتركها تكبر بين أيدي طرفي السلطة التنفيذية


مَن المستفيد من السعي في اتجاه اضعاف منصب رئيس الجمهورية؟

ليست حركة النهضة في عجلة من أمرها. لم تعد المشكلة قائمة بين الغنوشي زعيمها ورئيس مجلس النواب وقيس سعيد رئيس الجمهورية التونسية.

لقد صنع الرجل المشكلة وتركها تكبر بين أيدي طرفي السلطة التنفيذية وهم رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية. ولا أعتقد أن أحدا منهما سيقبل بحل وسطي أو يبتكر حلا لا يهين الطرف الثاني. 

حين كلفه برئاسة الحكومة، لم يكن قيس سعيد يتوقع أنه اخترع خصما سيقف في مواجهته في اللحظة الحرجة. فهشام المشيشي يسعى إلى أن يفرض وزراءه على الرئيس من غير أن يبحث معه بطريقة ودية الأسباب التي تدعوه إلى رفض مثولهم أمامه لإداء اليمين الدستورية. وهو الاجراء الذي يؤهلهم لمباشرة وظائفهم التي كلفوا بها.

لقد صار المشيشي هو الآخر يتصرف بطريقة يحاول من خلالها فرض رأيه على الرئيس عن بعد. متبعا في ذلك نصائح الغنوشي الذي نزع عن الرئيس كل صلاحياته واقترح عليه أن يلتزم بحدود وظيفته الرمزية.

وإذا ما كان الغنوشي وحركته لا يشعران بالمسؤولية في مواجهة الكارثة الاقتصادية التي يمكن أن تضرب تونس في أية لحظة بعد تدهور أوضاعها الاقتصادية بل أنهما ربما عملا على التعجيل بوقوع تلك الكارثة لأسباب خاصة بهما فإن على المشيشي وحكومته تقع مسؤولية العمل على منع وقوع تلك الكارثة بما يمليه عليهما واجب الخدمة العامة.

اما أن يدخل المشيشي طائعا إلى المتاهة التي اخترعها الغنوشي واضعا الشعب التونسي وأزماته القاتلة وراء ظهره فإن ذلك يعني أن الرجل انتقل بسرعة قياسية إلى مرحلة الانفصال عن الواقع والقطيعة مع الشعب ولم يعد قادرا على اقناع أحد من التونسيين بأنه يصلح للاستمرار في وظيفته حتى وإن كان الغنوشي وحركته يقفان وراءه. وهو ما لا يمكن أن يستمر وقتا طويلا إذا ما تأكدت مسألة فشله في اقناع الرئيس سعيد بالتراجع عن موقفه الرافض للوزراء المعلقين الأربعة.

 ما لا يُفهم فعلا هو لماذا لم يتجه رئيس الوزراء إلى التفاهم مع رئيس الجمهورية وبالأخص أن شبهات الفساد كانت هي العثرة؟ هل كان من الضروري احراج رئيس الدولة في موقفه في مثل تلك الحالة؟ مَن المستفيد من السعي في اتجاه اضعاف منصب رئيس الجمهورية؟

ما يحدث في تونس هو التعبير الأمثل عن هروب منظومة الحكم من مواجهة الأزمات التي يعاني منها الشعب التونسي وصار يضيق بها إلى درجة الانفجار. فمن المبكي والمضحك في الوقت نفسه أن يقضي رئيس الوزراء التونسي في زمن كورونا العصيب جل وقته في محاولة دحر رئيس الجمهورية وفرض وزراء تحوم عليهم شبهات الفساد عليه. أين الحكمة من وراء ذلك؟

فالشعب يفكر في مصير ثورته فيما طبقته الحاكمة تتسلى في نصب المكائد وحياكة المؤامرات. أليس من حق الشعب أن يخرج إلى الشوارع باحثا عن ثورته التي ضاعت بين الانفاق والقصور ولم يعد لها أثر في السلوك الحكومي ولا في انجازاتها ولا في مشاريعها ولا في بنيتها.

يحاول قيس سعيد أن يذكر التونسيين بالثورة من جهة النزاهة والاستماتة في الدفاع عنها وهو ما يمكن أن يشكل ظاهرة استثنائية في زمن ما بعد الربيع العربي. فالرجل لم يكن في بداية ممارسته لمهمته منحازا لأحد ضد أحد حتى ظن الكثيرون أنه يميل إلى حركة النهضة.      

أما وقد عاش شخصيا وقائع مؤلمة وفجائعية تشير إلى مسؤولية حركة النهضة عن كل ما شهدته البلاد من انهيارات على كل المستويات ومحاولتها الهيمنة على الدولة في كل مجال من مجالاتها من أجل جرها إلى مشروعها الاخواني فقد أعلن وبجرأة عن كل ما لمسه ورآه بصراحة وشفافية ولم يتوان عن تسمية الأشياء بأسمائها. ولم يكن ذلك التصرف شجاعة منه بل هو تجسيد لشعور المواطنة الحقة حين تكون بمستوى المسؤولية. 

وليس الوقوف في وجه مكائد حركة النهضة بالأمر الهين.

فمَن لديه اطلاع على اسلوب عمل جماعات الإسلام السياسي لابد أن يدرك أن الوقوف في وجهها ينطوي على الكثير من الأخطار. فما تخفيه هو أكبر بكثير مما تظهره. ولقد عملت حركة النهضة عبر السنوات العشر الماضية إلى تعطيل عمل الحكومات وجرها إلى حلبة الصراع الداخلي بحيث غلبت مشكلة الحكم على كل مشكلات تونس وتقدمت عليها.

وما لم ينتبه المشيشي إلى الخطأ الذي يرتكبه بالابتعاد عن رئيس الجمهورية فإن حكومته ستلتحق بالحكومات السابقة. لن تنجده حركة النهضة إذا ما أسقطه الشعب.