تونس بعد بن علي.. سيناريوهات متناقضة والغموض سيد الموقف

لا تسمحوا بعودة التطرف

تونس - لا تبعث التجاذبات السياسية التي تناثرت مواقفها في سماء تونس الملبد بدخان الحرائق، والتي يتعالى ضجيج الدبابات في شوارعها على التفاؤل بمستقبل البلاد الذي بدا وكأن سيناريوهات متعددة تتجاذبه.

وفي الوقت الذي لم تجف فيه دماء الذين سقطوا خلال الإحتجاجات الإجتماعية التي تمكنت من الإطاحة بنظام الرئيس بن علي في غضون أربعة أسابيع، تسارعت التطورات وسط حراك سياسي تشابكت مفاعيله وتعددت أدواته.

ورأى مراقبون أن البلاد أضحت في هذه اللحظة التاريخية، أمام أزمة خطيرة ما لم تتضافر جهود الجميع لتسويتها، لاسيما وأنها بدأت تدفع البلاد نحو المجهول بسبب الفراغ الأمني الذي تسبب لغاية الآن في فوضى عارمة، دفعت المواطنين إلى تشكيل لجان شعبية لحماية أنفسهم وممتلكاتهم.

وتسود البلاد حالة من التوتر الشديد بسبب تزايد نشاط ما بات يعرف بـ"العصابات الملثمة" التي يُعتقد على نطاق واسع أن عناصر الحرس الرئاسي السابق تقف وراءها، كما تسارعت الأحداث السياسية في أكثر من إتجاه، أخطرها تلك التي تسعى جاهدة إلى ركوب التطورات، وقطف ثمار الحركة الإحتجاجية وتوظيفها لصالحها.

ويُخشى على نطاق واسع أن الأحداث إذا ما تواصلت على هذا الشكل ستسرق فرحة الشعب التونسي الذي تمكن من الإطاحة بنظام بن علي، حيث بدأت تلوح ثلاث سيناريوهات، هي الفراغ الأمني والسياسي، وخطر عودة التيار الإسلامي ليهمن على البلاد، وتسليم الأمور إلى الجيش، بما يعني العودة إلى الحكم العسكري.

فعلى الصعيد السياسي، تسارعت الأحداث أيضا حيث بدأ رئيس الوزراء المكلف محمد الغنوشي مشاورات مع ممثلي الأحزاب السياسية والأطراف الإجتماعية لتشكيل حكومة وطنية وفقا لما أعلنه رئيس تونس المؤقت فؤاد المبزع، حيث إلتقى الغنوشي في هذا الإطار مع الأمناء العاميين لكافة الأحزاب السياسية القانونية، ومع عدد من ممثلي المنظمات الوطنية والهيئات الإجتماعية والحقوقية.

غير أن ما رشح من هذه المشاورات لا يبعث على التفاؤل بإمكانية تشكيل هذه الحكومة، حيث تباينت المواقف بين مؤيد ومتحفظ ورافض، إلى جانب تزايد الأصوات المطالبة بعدم إقصاء بقية القوى والأحزاب غير القانونية، وذلك في إشارة إلى حركة النهضة الإسلامية بقيادة راشد الغنوشي، وحزب العمال الشيوعي بقيادة حمة الهمامي، وبقية القوى القومية.

ولئن أبدت غالبية الأحزاب القانونية حرصها على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، فإن حركة النهضة رفضت ذلك، ومعها حزب العمال الشيوعي وبقية القوى الأخرى التي لا تكف عن المطابة بإستئصال رموز النظام السابق.

ويوصف هذا السيناريو بالمرعب، لأنه يستحضر ما جرى في العراق عندما أعلن عن البدء في إستئصال حزب البعث ما ادخل البلاد في حرب أهلية، وهو ما يخشاه الجميع بإعتبار أن الحزب الحاكم في عهد بن علي يقدر عدد أعضاءه بنحو 3 ملايين.

وبدا واضحا إن هذا الخلاف قد أدخل العملية السياسية في حلقة مفرغة ما يفتح المجال أمام سيناريو الفراغ السياسي والأمني الذي يخشاه الجميع، بخاصة وأن خطورة الوضع الأمني الراهن الذي يتميز بوجود "مجموعات أمنية موازية" تسعى إلى أن يتفاقم الوضع الميداني ويتردى بإتجاه "الأرض المحروقة".

هذا السيناريو الذي يخشاه الجميع، يفتح الباب أيضا أمام سيناريو ثان هو إقدام الجيش على السيطرة على السلطة، ما يعني تحول تونس إلى حكم عسكري،لا أحد بإمكانه أن يحدد ملامحه.

وبين هذا السيناريو، وذاك تبدو الأمور في تونس مفتوحة على مصراعيها أمام كل الإحتمالات، والوضع الميداني على صفيح ساخن، ما لم يتحرك الحكماء لاحتواء الوضع من خلال التوجه إلى حكومة إئتلاف وطني لتخطي المرحلة الإنتقالية.