تونس بعد الثورة.. تسونامي الإرهاب

محاصرة الإسلام الوسطي إسلام الزيتونة

بدأت معركة الحرب على الإرهاب في تونس، بصفة مبكرة. وذلك بعد أشهر قليلة من حادثة الهجوم على أمريكا، في 11 سبتمبر (أيلول) 2001. التي جعلت الولايات المتحدة تعلن في عهد الرئيس جورج دبليو بوش ما يسمي بـ"الحرب العالمية على الإرهاب". إذ عمدت كتيبة إرهابية تابعة لتنظيم "القاعدة" إلى تفجير كنيس "الغريبة" اليهودي بجزيرة جربة السياحية، في 11 أبريل (نيسان) 2002، نجم عنه قتل عدد من السياح والتونسيين.

ضرب الاقتصاد
بالرغم من محاولة السلطات التونسية، السعي لإبراز ما حصل على أنه حادث عادي، فإن التحقيقات الغربية، وخصوصاً الألمانية، أكدت أن تفجير كنيس الغريبة اليهودي، هو عمل إرهابي، من قبل جماعة تنتمي لتنظيم القاعدة. وقد جاء في تفاصيل البحث، أنه تم تحميل شاحنة لنقل الغاز الطبيعي بكمية من المتفجرات، قامت بتخطي الحواجز الأمنية. ثم انفجرت أمام الكنيس متسببة في مقتل (14) شخصا منهم (6) سياح ألمان و(6) تونسيين وفرنسيان، وجرح ما يزيد على (30) شخصا.

هنا نذكّر بأن السلطات التونسية، طيلة فترة حكم زين العابدين بن علي، لم تكن تمتلك خطة أو استراتيجية لمقاومة الإرهاب، باستثناء التركيز على الجانب الأمني. وهو وضع، نلاحظ أنه سوف يستمر حتى في ظل حكومات ما بعد الثورة، التي عجزت عن صياغة رؤية استراتيجية لمحاربة الإرهاب، تكون محل تعاقد وقبول من قبل الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين كافة، وكذلك النخب والجمعيات الأهلية.

في غمرة الاستفادة من توظيف المناخ الدولي المعادي للإرهاب، حاول نظام بن علي تحقيق أكثر ما يمكن من الاستفادة، عبر الانخراط في الحرب "الكونية" الأمريكية على هذه الظاهرة، مما جعله يستفيد من منح وهبات، إضافة إلى حصوله على أجهزة وتقنيات لوجستيكية وفنية للحرب على الظاهرة في الأرض. كما كان أول من بادر بسن قانون في 10 ديسمبر (كانون الأول) 2003، تحت عنوان "قانون رقم (75) بتاريخ 10 ديسمبر (كانون الأول) 2003 يتعلق بدعم المجهود الدولي لمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال". وبالرغم من بعض الأصوات المعارضة، خاصة الحقوقية منها، فإن النظام التونسي مرر قانون مكافحة الإرهاب، الذي مكنه من زيادة تمتين قبضته الحديدية، على كل معارضيه، لا المتطرفين والإرهابيين فقط.

تنامي الفكر السلفي

كانت حالة الاستقرار السياسي والاجتماعي، خلال فترة حكم زين العابدين بن علي، تخفي في طياتها ظواهر اجتماعية كثيرة، لعل أبرزها تنامي الفكر السلفي، خصوصاً الجهادي في صفوف فئة الشباب، وهي ظاهرة ستبرز للعلن مباشرة بعد سقوط النظام. وفي هذا السياق، تذكر التقارير الأمنية أن حوالي (3) آلاف شاب تمت محاكمتهم باسم قانون الإرهاب بين 2003 و2010. ويرجع ذلك إلى فشل المنوال التنموي، الذي نجم عنه انتشار معدلات الفقر، وتراجع دور مؤسسة المدرسة وفقدانها وظيفتها في الارتقاء الاجتماعي. بالإضافة إلى المفعول السلبي لمحاصرة "التدين الوسطي".

وقد مثلت حادثة ما يعرف بـ"مجموعة سليمان" (أبريل/ نيسان 2006)، التي تمثلت في حصول مواجهات عسكرية بين "كتيبة إرهابية" وقوات الأمن والجيش التونسي، في مدينة "سليمان" –(30) كلم عن العاصمة تونس– أول مواجهة علنية مسلحة بين النظام التونسي والجماعات الدينية المتشددة. حينها وجد الأمن التونسي صعوبات في القضاء عليهم. وهي عملية أخرجت "الجهاديين" من السرية إلى "العلنية".

أعطى نظام بن علي الأولوية المطلقة في حربه على الإرهاب، للحل الأمني الذي أدى إلى عسكرة المجتمع. غير أنه وفي مستوى الخطاب السياسي، كان مدركا ضرورة توافر خطة شاملة، للقضاء على هذه الظاهرة، أو -على الأقل- محاصرة تطورها وانتشارها. وفي هذا الإطار، بادرت تونس في عهده، إلى تنظيم مؤتمر دولي، في سبتمبر (أيلول) 2007، حول "الإرهاب.. الأبعاد والمخاطر وآليات المعالجة"، بحضور الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة "بان كي مون" الذي تطرق بالمناسبة للظروف التي تساعد على انتشار الإرهاب. وتشمل بالخصوص النزاعات التي لا تزال دون حل، والتي طال أمدها، والإقصاء السياسي، والتهميش الاجتماعي والاقتصادي. ملاحظا "أن هذه الظروف يمكن أن تكون محلية المنشأ، غير أن آثارها تشمل جميع الدول".

التسونامي الإرهابي

لئن كانت العمليات الإرهابية خلال فترة حكم الرئيس زين العابدين بن علي معزولة، فإنها عرفت "انفجارا" بعد ثورة 14 يناير (كانون الثاني) 2011 يشبه "التسونامي"، لتدخل تونس في حرب حقيقية مع هذه الظاهرة. التي أصبحت تهدد وحدة واستقرار المجتمع والدولة. وذلك بسبب الفراغ الأمني وضعف المؤسسات، وشيوع الفوضى في الإقليم، خاصة بعد سقوط نظام معمر القذافي في ليبيا، الذي أفسح المجال لانتشار آلاف قطع السلاح.

كما عرفت فترة صعود "الإخوان" للسلطة في تونس (2012-2014)، حصول تراخ، وصل إلى درجة التواطؤ مع الجماعات الدينية المتشددة، التي كانت تعد العدة للانقلاب على النمط المجتمعي، والانقضاض على السلطة. التي انتقلت بعد خطاب مخاتل مفاده أن تونس "أرض دعوة" إلى ممارسة العنف والدعوة لـ"الجهاد"..

ويستند أنصار هذا الرأي، إلى تصريح شهير لراشد الغنوشي، (زعيم النهضة) استنكر فيه الدعوات إلى تطبيق القانون على تجاوزات أنصار التيار السلفي، خلال فترة حكم "النهضة". مشيرا -أيضا- إلى أن "الشباب السلفي يذكرني بشبابي (...) وإنهم يبشرون بثقافة جديدة". لكن تحول هذا التيار إلى ممارسة العنف، أجبر "النهضة" الحاكمة على تصنيف "أنصار الشريعة" كتنظيم إرهابي. كما اعترف الغنوشي بأن "أنصار الشريعة خدعوه كما خدعوا المجتمع".

في دراسة له حول "الإرهاب المعولم... المقاتلون في سوريا نموذجا"، أشار الباحث في التاريخ الحديث عبداللطيف الحناشي، إلى أن نشاط التيار الجهادي ازداد في تونس منذ أواخر التسعينيات من القرن الماضي، بعد انضمام عدد مهم من الشباب إلى تنظيم طالبان، وتكوين معسكر خاص بهم (معسكر التوانسة) من قبل سيف الله بن حسين المكنى بـ"أبي عياض التونسي"، وظل بعضهم في أفغانستان، في ما بعد، في حين انتقل البعض الآخر إلى بؤر التوتر في الشيشان والبوسنة والهرسك. أما داخل تونس فقام هذا التيار ببعض الهجمات المسلحة في عهد النظام السابق الذي لم يتردد في القيام بحملة واسعة ضد أفراد التيار وسجن منهم المئات.

كما عجل "التمدد السلفي الجهادي" برحيل حكم "النهضة" الإسلامي، خاصة بعد تعمد هذه الجماعات الهيمنة على الفضاءات العامة، ثم المرور إلى العنف المنظم ومحاولة تغيير النمط المجتمعي بالقوة. وجاءت حادثة الهجوم على السفارة الأمريكية بتونس يوم 14 سبتمبر (أيلول) 2012، والتي تمثلت في "اقتحام محتجين من التيار السلفي الجهادي لحرمة السفارة، احتجاجا على عرض فيلم مسيء للرسول (صلى الله عليه وسلم) لتنهي (شهر العسل) بين الولايات المتحدة الأمريكية وحكومة الإسلاميين في تونس. ومن يومها بدأت الإدارة الأمريكية تدير ظهرها لـ(النهضة) وحكومتها".

حصل كل هذا "الانفجار الإرهابي"، خلال الأربع سنوات التي أعقبت ثورة 14 يناير (كانون الثاني) 2011، وفي المقابل نجد أن كل الحكومات التي تعاقبت على الحكم بعد الثورة، عجزت عن وضع استراتيجية شاملة لمقاومة ظاهرة الإرهاب، الذي مر إلى السرعة القصوى.