تونس الخضراء تبقى خضراء

بقلم: محمد الحمامصي

تابعت كما تابع الشعب المصري على الرغم مما يعانيه من آثار الحادث الإرهابي لكنيسة القديسين بالإسكندرية أحداث تونس بحذر شديد، فعلى الرغم من التعاطف مع مطالبه وحقوقه، كانت هناك خشية كبيرة من دخول بعض الأصوات والأيدي الملوثة بالأحقاد وما أكثرها خارجيا وإقليميا للعب بمقدرات ومصائر ومكاسب شعب يحظى باحترام كبير عربيا وعالميا بفضل ميراثه الحضاري والثقافي وأدواره الوطنية، بل تحسده الكثير من الدول العربية والإسلامية على ما حققه من قوانين منها قانون الأحوال الشخصية بفضل استنارة مفكريه ومثقفيه وقياداته.

فتونس تحتل موقعا عزيزا في القلب المصري، توثق سياسيا وثقافيا وفنيا وفكريا على مدار التاريخ قديما وحديثا، حديثا تقاربت وتواصلت رموز نهضتهما الثقافية والفنية والفكرية منذ ظهور تجلياتها أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وأيضا على المستوى السياسي قبل وبعد ثورة 23 يوليو وحتى الآن، وعربيا يتفق الشعبان التونسي والمصري في مواقفهما الداعمة والمساندة للقضايا العربية وخاصة الفلسطينية، لقد احتضنت تونس قيادة وشعبا منظمة التحرير الفلسطينية وقادتها ودافعت ولا تزال عن حق الفلسطينيين في دولة عاصمتها القدس الشريف.

استمرار الأوضاع وترديها يوما بعد الآخر حوّل حذري إلى قلق ثم إلى خوف، خوف جعلني أضع يدي على قلبي أن تتحول تونس "الخضراء"، تونس الجنة أرضا وبشرا، والتي يحلم كل عربي أن يزورها يوما، ومن يزورها يحلم بزيارتها مرة بعد مرة، تونس مرآة الثقافة المستنيرة، إلى جحيم ينتظر المتربصون بها أن يكونوا سدنتها، وقراءة متأملة للإعلام العربي تحديدا ورؤيته لما يحدث تكشف عن تخبط واضح وسوداوية، لا تنبع من واقع ما يحدث في تونس ولكن من واقع ما يعيشه كل إعلام في بلده، بمعنى آخر "كل يبكي على ليلاه" ويقول أنه يبكي على تونس.

لكن موقف بعض الكتاب العرب، والفلسطينيين منهم تحديدا، كان لابد أن يكون مختلفا، كان يفترض به أن يهدئ من ثورة الشعب التونسي ويدعوه لسماع صوت العقل في تظاهراته وقبول الحوار وعدم اللجوء للتخريب والتفاعل مع مبادرات الرئيس زين العابدين بن علي الشجاعة والصادقة، وأن يحفظ للشعب وللرجل أيضا تاريخه في مساندة ودعم واحتضان القضية الفلسطينية، لكنه كانوا يلقون بأعواد الثقاب هنا وهناك.

ليس دفاعا عن تونس لكن تونس قيادة وشعبا دعمت واحتضنت المقاومة الوطنية الفلسطينية في 1982 وأنشأ بحمام الشاطئ مقر منظمة التحرير (فتح) قبل أن يدمره الطيران الحربي الإسرائيلي عام 1985.

وليس دفاعا عن الرئيس بن علي، لكن في عهد هذا الرجل لم تقم تونس علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، واكتفت فقط بإرسال بعثة اقتصادية بعد اتفاقية أوسلو 1993 ثم سحبتها سنة 2000 بعد استمرار إسرائيل في احتلال الضفة الغربية وإلى يومنا هذا لا توجد أي علاقات بين تونس وتل أبيب. وأرسلت تونس العديد من المساعدات الإنسانية إلى لبنان وغزة في حربهما مع إسرائيل وكان صوتها عاليا في إدانة جرائم إسرائيل.

بل ورعى الرئيس بن علي نفسه أسرة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ومنحهم جنسية تونس.

إن المتهجمين في بعض الصحف والفضائيات هنا أو هناك على الرئيس التونسي لم يغفلوا فقط تاريخ الشعب والرجل الذي يقوده بل أغفلوا أن الأزمة الاقتصادية التي ضربت العالم وطالت كل الاستثمار والغذاء والدواء و.. و..إلخ، لم تؤثر فقط على تونس لكنها أثرت شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، أثرت على البلدان العربية والإسلامية بما فيها الأكثر ثراء مثل دول الخليج، لكن أحدا لم يوضح ذلك مكتفيا بكيل التهم. القنوات الفضائية التي تحرض بدوافع اخوانية إيرانية على تونس لا تعرف بالطبع ماذا تعني أزمة اقتصادية طالما انها ممولة بالكامل من بئر النفط أو بئر الغاز الذي يأتي بالريع المجاني وليس من عرق الجبين كما هو حال كل دينار يدخل الخزينة التونسية.

إن الشجاعة والوطنية والإخلاص الذي يتحلى به هذا الرجل لتونس وشعبها، تأكد في هذه الفترة العصيبة التي مر بها مع خروج الشعب التونسي في تظاهراته الحالية، فلو أن حاكما عربيا آخر حدث معه ما حدث من ضغوط التظاهرات الشعبية الداخلية والضغوط الخارجية، لحمل حقائبه ومضى وأسرته إلى إحدى المدن الغربية، لكن الرجل خوفا على تونس وتاريخها بقى، وواجه التونسيين مؤكدا ومشددا أن مطالبهم وصلته، وقد استجاب لها، لكن عليهم أن يحافظوا على بلدهم، على أملاكهم، على إنجازاتهم، على صورتهم التاريخية كشعب رائد في مسيرته الحديثة.

إن هناك أزمات ومشكلات حقيقية تعاني منها شعوب الدول النامية والمتقدمة منذ أزمة 2008، وقد اشتعلت التظاهرات في كل مكان، لكن أي منها لم يتعرض للممتلكات العامة بالتخريب العمدي، لأن

أي وطني يعرف أنها ملك للجميع في الوطن، وأن أي أضرار تلحق بها سيتم إصلاحها من ماله، ومن ثم فإن تخريب لن يحل مشكلة بل سيزيدها تعقيدا.

لقد استمعت إلى الرئيس بن علي في خطابه الأخير للتونسيين، وكانت كلماته ـ دون مبالغة ـ تمس القلب، وكان يتحدث بكل جوارحه صادقا ومخلصا، لم يكن يتحدث من أجل نفسه لكن من أجل تونس والتونسيين، فوعوده بتوسيع المشاركة السياسية أمام جميع مكونات المجتمع المدني وإعطاء الحرية الكاملة للإعلام بكل وسائله وعدم فرض الرقابة على الإنترنت ودعم الديمقراطية، فضلا عن خفض أسعار المواد الغذائية الأساسية لا أظنها إلا وعودا صادقة.

محمد الحمامصي