تونس الأولى عربيا في أولمبياد المعوقين ببكين

بقلم: محمد الشريف
21 ميدالية ملونة لمعوقي تونس في بكين 9 منها ذهبية

جمعت تونس خلال مشاركتها في دورة الألعاب الاولمبية الموازية التي انتظمت بالعاصمة الصينية بكين من 6 إلى 17 سبتمبر/ايلول 2008 ما مجموعه 21 ميدالية 9 منها من المعدن النفيس.
وهذا رقم يعادل تقريبا نصف مجموع الميداليات التي أحرزتها مجمل البلدان العربية المشاركة في أولمبياد بكين للمعوقين بما يبرز السبق الذي حازه هذا البلد في المجال الرياضي وتحديدا في رياضة ذوي الاحتياجات الخصوصية قياسا بتجربة البلدان العربية وحتى بتجارب العديد من البلدان المتقدمة ذات التقاليد العريقة في المجال وذات الإمكانات الضخمة تقنيا وماليا.
وتعد الحصيلة التونسية في دورة بكين الأوفر في تاريخ مشاركات هذا البلد في الألعاب الأولمبية للمعوقين على مدى العشريتين الأخيرتين. وقد تميز حضور تونس في هذه الألعاب بنسق تصاعدي من حيث عدد الرياضيين المشاركين وعدد الميداليات المحرزة. فقد ارتفع حجم الحضور من مشارك واحد في دورة سيول 1988 و3 في دورة اطلنطا 1996 و9 في دورة سيدني 2000 و22 في أثينا 2004 إلى 35 مشاركا في بكين 2008.
وبدوره سجل حصاد تونس من التتويجات الأولمبية نسقا مُرضيا، إذ كانت الحصيلة من الميداليات في دورة 2000 بسيدني 11 ميدالية (6 ذهبية و4 فضية وبرونزية واحدة) و18 ميدالية في دورة 2004 بأثينا (8 ذهبية و7 فضية و3 برونزية) بينما ارتفع هذا العدد إلى 21 ميدالية في دورة بكين 2008 (تسع ذهبيات وتسع فضيات وثلاث برونزيات).
ولعلها من محاسن "الصدف" أن تكون هذه الحصيلة (21 ميدالية) موافقة لعدد السنوات التي مضت على تأسيس الاتحاد التونسي لرياضة المعوقين "مصادفة" تتوج مسار عقدين من العمل والبذل بدعم سخي من السلطات العمومية وتحفز القائمين على رياضة المعوقين في تونس على مواصلة المسيرة لتحقيق الأفضل.
وأعقبت هذه المشاركة التونسية المشرّفة في الألعاب الاولمبية الموازية ـ وهي مشاركة اقتصرت فحسب على عدد من اختصاصات ألعاب القوى وغابت عنها الرياضات الجماعيةـ حدثا بارزا عاشته الرياضة التونسية صيف 2008 مع إحراز السباح التونسي أسامة الملولي للميدالية الذهبية للألعاب الأولمبية ببكين في سباق 1500 متر سباحة حرة، وهو إنجاز "أولمبي" تاريخي سبق لتونس أن حققته مرة واحدة منذ استقلالها عندما أحرز العداء "الأسطورة" محمد القمودي ذهبية سباق 5 آلاف متر في أولمبياد مكسيكو 1968.
وفي تأكيد للأهمية الرمزية التي يكتسيها هذان الانجازان حرص الرئيس التونسي زين العابدين بن علي على تكريم أسامة الملولي باستقباله في القصر الرئاسي، كما كان وحرمه ليلى بن علي في مقدمة مستقبلي المنتخب التونسي لرياضة المعوقين بمطار تونس قرطاج الدولي عند عودته من بكين.
وبقدر ما تعكس هذه البادرة السياسية حرص قيادة هذا البلد على إيفاء الرياضيين المتألقين دوليا حقهم من التكريم والتقدير فإنها تشي أيضا بالدعم الكبير والإحاطة الشاملة التي تحظى بها الرياضة والرياضيون في تونس على مدى العقدين الماضيين وفقا لمنهجية وتمش متكاملين يصعدان بالرياضة ورياضة النخبة على وجه الخصوص الى مرتبة الأولوية من معين الوعي برسالة الرياضة ودورها الحيوي في صقل شخصية الشباب وتنمية ملكاتهم وتنمية قدراتهم ومواهبهم وأيضا من معين الإيمان بأن الرياضة تظل من دعامات الإشعاع ورفع راية الوطن والتعريف به في الساحة الكونية زمن العولمة والانفجار الاتصالي.
ولإدراك حجم انجاز رياضيي تونس المعوقين في هذا المحفل الاولمبي "بكين2008" يجدر التنويه إلى أن تونس قد احتلت المركز الخامس عشر عالميا في الألعاب الأولمبية الموازية ببكين من حيث جدول الميداليات والمرتبة السادسة في ألعاب القوى التي اكتفت تونس بالمشاركة فيها دون غيرها من الاختصاصات الرياضية.
واعتبارا للوعي بأن هذا الإنجاز المشرف لا يعد نهاية المطاف بل إنه يحمل ناشطي المشهد الرياضي التونسي بمختلف مكوناته مسؤولية التأكيد وواجب التطلع لبلوغ مراتب أفضل، فقد شدد المسؤول الأول عن الاتحاد التونسي لرياضة المعوقين على أن الجهد سيتجه خلال الأشهر والسنوات القادمة إلى الإعداد المبكر للاولمبياد المقبل (أولمبياد لندن عام 2012) بما يعزز حظوظ المشاركين التونسيين في نيل تتويجات أكثر عددا وأهم من حيث نوعية الميداليات.
ويشير رئيس الاتحاد علي حرز الله إلى انه فضلا عن الرياضيين المتوجين في الألعاب الأولمبية الموازية للعام 2008 فان عددا هاما من المشاركين التونسيين في دورة بكين تمكنوا من الحصول على مراتب مشرفة (أي بين المركز الرابع والسادس) واظهروا قدرة على مزيد التحسن بما يبشر بمستقبل واعد لهم نظرا لصغر سنهم، مؤكدا أن الاتحاد التونسي سيواصل العمل بنفس الإصرار لتحقيق المنشود مستفيدا من دعم القيادة السياسية للبلاد ومن رصيد التجربة الذي توفر لإطارات الاتحاد الإدارية والفنية ولمنظوريه من الرياضيين من أجل إعلاء الراية الوطنية في المحافل الدولية والاولمبية.

ويأتي هذا التميز المسجل في صيف 2008 ثمرة عمل دؤوب ودعم كبير حظيت به رياضة المعوقين في تونس خلال العقدين الماضيين حيث عملت مختلف الأطراف والهياكل المتدخلة من سلطة إشراف (وزارة الشباب والرياضة والتربية البدنية) واتحاد رياضي وجمعيات مدنية على توفير كل أسباب التأطير والإحاطة المادية واللوجستية والمعنوية التي تكفل لرياضة المعوقين في تونس تحقيق النقلة المنشودة والمضي في دعم إشعاعها .
ومن مظاهر الإحاطة التي توليها السلطات العمومية في تونس لرياضة المعوقين حرص الرئيس بن علي كل مرة يتألق فيها الرياضيون التونسيون على تكريم المتوجين وتحفيزهم ماديا ومعنويا.
وعلى هذا الصعيد حظي الإتحاد التونسي لرياضة المعوقين بالتكريم أكثر من مرة أبرزها منحه الجائزة الاولى لرئيس الجمهورية للروح الرياضية لعام 1998 وجائزة رئيس الجمهورية لحقوق الإنسان سنة 2001 كما حرص بن علي على تكريم الرياضيين المتوجين في ألعاب سيدني 2000 وأثينا 2004 الموازيتين.
وتجسيدا لمقاربة تعتمد الرياضة كأداة فاعلة في إعداد المعوقين للحياة النشيطة تعددت النوادي الرياضية المختصة في العاب المعوقين وتوفرت لها تسهيلات كبيرة على أصعدة التمويل والتنقل والإقامة بما شجع الشبان من ذوي الإعاقة على الإقبال على النشاط الرياضي في كافة انحاء البلاد.
كما تطور عدد الجمعيات التي تعنى برياضة المعوقين من 24 جمعية عام 1992 الى 141 جمعية في 2008 وارتفع باطراد عدد المنخرطين في الاتحاد التونسي لرياضة المعوقين خلال الفترة نفسها من 404 الى قرابة أربعة آلاف حاليا.
وقد مثل تأسيس جامعة (اتحاد) رياضة المعوقين في ديسمبر 1987 منعطفا حاسما على طريق ضمان انطلاقة فعلية لرياضة المعوقين في تونس مستفيدة في ذلك من دعم سخي من القيادة السياسية التونسية في اطار نظرة شمولية ومنظومة متكاملة لحقوق الإنسان تؤكد على حق المعوق في ممارسة الرياضة وحقه في الرفاه الاجتماعي بما عدد آليات الإدماج لفائدة فئة المعوقين وكثف سبل مشاركتهم في الحياة العامة.

وفي تجسيد لشمولية المقاربة التضامنية التي تتوخاها القيادة التونسية في الإحاطة متعددة الأبعاد بالفئات الهشة بحكم أوضاعها الاجتماعية والمادية الصعبة أو بحكم الإعاقة الجسدية، شكلت الإحاطة بشريحة المعوقين أحد أوجه رهان تونس على الإنسان غاية أولى للتنمية وسعيها الثابت من أجل تحقيق مؤشرات أفضل فأفضل على صعيد الارتقاء بارقام التنمية البشرية التي تعد من أبواب إشعاع السياسة التنموية التونسية والمراتب المتقدمة التي احتلتها في تقارير الهيئات الدولية والأممية المتخصصة.
فتونس التي توفقت إلى النزول بنسبة الفقر الى أقل من 4 بالمائة (3.9 بالمائة) وتعميم المرافق والخدمات الأساسية على كل شرائح السكان وتطوير منظومة الرعاية الصحية والاجتماعية لتشمل كل الفئات، انتهجت منذ تغيير 7 نوفمبر 1987 سياسة طوعية مدارها الرهان على الإنسان والاستثمار فيه باعتباره ثروة البلاد الأولى والأساسية والعمل المثابر من أجل تخليص الفئات الهشة اقتصاديا واجتماعيا من الإقصاء والتهميش وتأمين أسباب اندماجها في الدورة التنموية بأوجهها المتعددة.
وتبرز خصائص مقاربة تونس لهذه المسألة من خلال تأكيد قيادة هذا البلد أكثر من مرة على أن مفهومها للتنمية الشاملة لا يكتمل إلا إذا توفرت للفئات الضعيفة والهشة المقومات الأساسية للكرامة.
وفي هذا المعنى يقول الرئيس التونسي زين العابدين بن علي في خطاب له بتاريخ 23 ابريل/نيسان 2003 "إن الإنسان هو محور عملنا السياسي والإصلاحي وهدف خططنا التنموية والاجتماعية ومرجع قراراتنا ومبادراتنا إذ لا قيمة للديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان ما بقيت فئة من التونسيين والتونسيات مهمشة محرومة من ضرورات العيش الكريم ومعزولة عن الدورة الاقتصادية".
وجسدت مجمل الإجراءات والبرامج والقوانين التي وضعتها الدولة في تونس على مدى السنوات العشرين المنقضية في مجال الإحاطة بالفئات الهشة وفي مقدمتها المعوقون الحرص على تكريس تكافؤ الفرص بين الأشخاص المعوقين وغيرهم وحمايتهم من أشكال التمييز وإقرار مبدأ التمييز الإيجابي لفائدتهم، فضلا عن اعتبار النهوض بهم مسؤولية وطنية تتضافر من أجل تجسيدها جهود الأسرة والدولة والجماعات المحلية والمنشآت والمؤسسات العمومية والخاصة والمنظمات الوطنية والجمعيات والأفراد والأشخاص المعوقين أنفسهم.
ومكنت السياسات المتوخاة في هذا الميدان من تحقيق نقلة نوعية على مستوى حياة الأشخاص المعوقين في تونس بما وفرته من دعم لمكاسبهم وترسيخ لحقوقهم وفتح لآفاق جديدة أمامهم للمساهمة في المجهود التنموي كمواطنين مكتملي الحقوق والواجبات.
كما أتاحت النقلة النوعية التي عرفتها المنظومة الصحية والطبية في تونس إحراز مكاسب هامة في مجال الوقاية من الإعاقة والتخفيف من تأثيرها على حياة المصاب بها.

وبفضل الاستراتيجية التي انتهجتها في هذا المجال، تصنف تونس اليوم من بين البلدان الرائدة في الوقاية من الإعاقة حيث لم يتجاوز عدد الأشخاص المعوقين على المستوى الوطني حسب الإحصاء السكاني العام الذي أجري في 2004، 1.56 بالمائة من مجموع السكان.
ولعلها من المزايا الكبرى التي تحسب لتونس على هذا الصعيد هو أن الأرقام والمؤشرات التي حققتها في مجال التنمية البشرية والتي بوأتها مراتب متقدمة في تقارير وتصنيفات الأجهزة الأممية المتخصصة، ولئن كانت بالقدر الأوفر ثمرة جهود الدولة ومؤسساتها فإنها تعد أيضا وبمقادير متنامية ثمرة الروافد التي تغذي هذا الجهد العمومي والمتأتية أساسا من الهياكل الجمعياتية والمنظمات الأهلية التي يناهز عددها اليوم في تونس التسعة آلاف جمعية ومنظمة والتي يعمل جزء كبير منها في المجالات الاجتماعية والإنسانية.
وقد كان تطور إسهامات المنظمات والجمعيات في مجهود الارتقاء بظروف ونوعية عيش السكان مستندا بدرجة أساسية للترسخ المطرد لثقافة التضامن والتآزر والتكافل لدى أوسع شرائح الشعب التونسي ولدى ناشطي الحقل العام الذين استفادوا من التشريعات المتطورة ذات العلاقة ودعم السلطات العمومية الأدبي والمادي لعمل المنظمات الأهلية على اختلاف أغراضها ومجالات تدخلها.
وجدير بالتنويه أن الجمعيات العاملة في مجال الإحاطة بالمعوقين في تونس قد تطور عددها من 13 جمعية سنة 1987 إلى أكثر من 60 جمعية حاليا إضافة إلى 250 من الفروع التابعة لهذه الجمعيات بمناطق البلاد الداخلية والتي تقوم من جهتها بدور هام في مجال الإدماج الاجتماعي والمهني للأشخاص المعاقين.
وفي سياق هذه المقاربة التنموية ذات الأبعاد الاجتماعية والإنسانية سيما لجهة مساهمة التنظيمات الأهلية والجمعياتية في تكريس مفهوم التنمية المتضامنة يبرز للمتابع لأداء المنظومة التضامنية التونسية الدور الرائد الذي تضطلع به جمعية "بسمة" للنهوض بتشغيل المعوقين التي ترأسها سيدة تونس الأولى ليلى بن علي والنتائج الإيجابية التي أثمرتها البرامج والمشاريع التي نفذتها هذه الجمعية منذ تأسيسها في 2000.
وأتاحت تدخلات هذه الجمعية تحقيق مكاسب هامة لفائدة شريحة المعوقين بالأخص على صعيد تمكين الأشخاص الحاملين لإعاقة من فرص أوسع وحظوظ أكبر للانخراط في دورة العمل والإنتاج عبر ما نفذته الجمعية من برامج وخطط لتكوين وتأهيل المعوقين في بعض الاختصاصات المهنية التي تستجيب لخصوصياتهم ولاحتياجات مؤسسات العمل والإنتاج والجهود التي بذلت من أجل تمكينهم من موارد رزق ودخل تكفل لهم الارتقاء بأوضاعهم المادية والاقتصادية ومن هناك تيسير أسباب الارتقاء الاجتماعي أمامهم وأمام عائلاتهم.
وتعد تجربة هذه الجمعية على قصر مدتها تجربة نموذجية مرجعية لجهة النتائج التي أثمرتها والمكاسب التي راكمتها على مستوى إدماج شريحة المعوقين في دورة الإنتاج في سائر القطاعات والميادين بما يتناسب مع الكفاءات والمهارات العلمية والمهنية والحرفية التي اكتسبها المعوقون في تونس ثمرة السياسة الاجتماعية الطوعية التي استهدفت النهوض بأوضاعهم تشريعيا واجتماعيا واقتصاديا من حيث تيسير نفاذهم لمؤسسات التربية والتعليم والتكوين بمختلف مستوياتها وإقرار برامج خصوصية لتأهيلهم صحيا ومهنيا ورياضيا وفتح الباب أمامهم للاستفادة على غرار سائر الشرائح الشبابية من برامج وآليات الإحاطة والمساندة التي تعززت كما ونوعا خلال العقدين الماضيين من أجل دعم حظوظهم في الحصول على شغل أو على تمويلات تكفل لهم بعث مشاريع صغرى وحرفية توفر لهم دخلا مستقرا ومورد رزق ينأى بهم عن دائرة الفقر والإقصاء والتهميش.
وحققت جمعية "بسمة" انجازات هامة لفائدة الأشخاص الحاملين لإعاقة سواء في مجال التشغيل المباشر أو في ما يتعلق بالتأهيل والتكوين وأضحت تجربتها اليوم في تونس نموذجا لنجاعة تدخلات النسيج الجمعياتي الموجهة للشرائح ذات الخصوصية إذ ساهمت في إدماج مئات من المعوقين في سوق الشغل وتقديم مساعدات لاطلاق أكثر من 300 مشروع.
وشهد عمل هذه الجمعية العديد من المبادرات القيمة في مجال التأهيل وتحسين قابلية تشغيل المعوقين ومساعدتهم على إيجاد فرص التشغيل المؤجر أو إحداث مشاريع موارد رزق إلى جانب الإحاطة بالباعثين المعوقين أثناء مراحل الإعداد لإنجاز هذه المشاريع ضمانا لنجاحها وديمومتها.
وفي هذا الإطار يتمتع الأشخاص المعوقون في تونس بكل الإجراءات والتسهيلات التي وضعتها الدولة في نطاق المنظومة العادية للتشغيل والتي تتمثل أساسا في تخصيص نسبة من رخص تعاطي الأنشطة التجارية الصغرى ولفائدتهم وتفعيل الإحاطة بهم من قبل الهياكل المختصة ومرافقتهم في انجاز مشاريعهم.

محمد الشريف
كاتب تونسي
تونس